العنف في الضفة.. حرب مستمرة تتطور

المدن - عرب وعالمالأربعاء 2025/12/24
Image-1766589802
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يقول جاكي خوري في مقال بصحيفة "هآرتس"، إن ما "يتطور في الضفة الغربية في هذه الأيام، ليس مجرد "جولة احتكاكاتٍ" جديدة، إنه ليس حدثاً موسمياً مرتبطاً بموسم قطاف الزيتون في الخريف، وليس انفجاراً موضعياً للعنف يمكن احتواؤه، أو تأطيره في أنه مشكلة محلية"؟ ويضيف "نحن أمام واقعٍ مختلف، أخطر كثيراً، نابع من سياسة واضحة؛ هذه السياسة مستمرة ومنهجية، هدفها فرض وقائع على الأرض، بحيث لا يبقى ضم الضفة الغربية تصريحاً سياسياً مؤجلاً، بل يصبح ممارسة يومية في الحاضر".

ويرى أن الحجة القديمة التي تطرحها المنظومة الأمنية في إسرائيل، والقائلة إن كل موجة عنف من هذا النوع هي مسألة موقتة تظهر أساساً في فترات "حساسة"، مثل موسم قطاف الزيتون، فقدت كل مضمونها؛ "فموسم القطاف انتهى منذ زمن، والعنف ازداد حدّةً بعده؛ والاعتداءات على رعاة الأغنام الفلسطينيين والمزارعين والعائلات في القرى والمدنيين العزّل لا تتوقف". ويوضح أن "المعتدين لا يستخدمون الحجارة والعصي فقط، بل أيضاً السلاح الناري وغاز الفلفل وأدوات تخريب الأملاك والحرق؛ يُصاب الناس، وتُذبح الأغنام، وتُقتلع الأشجار، وكل ما هو فلسطيني أصبح مباحاً للاعتداء".

 

الردع ضد الفلسطينيين فقط

وجاء في المقال أن "أحداث الأيام الأخيرة تجسّد خطورة العنف بوضوح" وتعكس واقعاً أوسع: "استخدام السلاح العسكري ضد المدنيين الفلسطينيين باستخفاف، أحياناً بأيدي المستوطنين، وليس الجنود، لكن الرواية الإسرائيلية الرسمية ستؤطر ذلك دائماً في أنه اشتباك ورشق بالحجارة لتبرير النتيجة".

ويضيف "هنا تكمن المشكلة بالضبط: المحاولة المستمرة في المنظومة الأمنية والقيادة السياسية لتأطير العنف، باعتباره أفعال قلّة صغيرة، أو شبان التلال، أو شبان متطرفين لا يمثلون المستوطنين، هي تضليل، ليس لأن المتطرفين غير موجودين، بل لأن هذا التطرف يعمل من داخل غلاف من السياسة الرسمية؛ إنه يحظى بتغاضٍ منهجي من المؤسسة السياسية - الأمنية، وأحياناً بدعمٍ ضمني".

ويلفت إلى أنه "إذا كان هناك ردع في الضفة الغربية، فهو يُمارَس ضد الفلسطينيين فقط، ولا يشعر المستوطنون العنيفون بأنه تهديد حقيقي؛ فالجيش والشرطة وأجهزة الأمن موجودون في الميدان، لكن وجودهم لا يحمي الفلسطينيين، بل بالعكس، في حالات كثيرة، يولّد هذا الوجود شعوراً بالحصانة لدى المعتدين". ويوضح أنه "عندما يحمل الفلسطيني سلاحاً، يصبح هدفاً فورياً، وعندما يعتدي مستوطن مسلح على فلسطينيين، تُميَّع الحادثة، أو يُفتَح تحقيق ببطء شديد، أو تُغلَق القضية من دون تقديم لائحة اتهام؛ هذه ليست فوضى، بل هي تمييز واضح بين مَن تحميه المنظومة، وبين مَن يُترك مكشوفاً بالكامل".

وفي ظلّ هذا الواقع، يلفت خوري إلى أن السلطة الفلسطينية تحولت إلى جهةٍ غير ذات صلة، إذ لا تستطيع عناصر شرطتها وأجهزتها الأمنية الاقتراب من مناطق الاحتكاك، وأحياناً يخافون من ذلك؛ وتفشل المحاولات المحلية لتشكيل لجان حراسة في القرى بسبب الاعتقالات، وبسبب عنف الجيش، وفي الأساس لأنه لا توجد وسيلة حقيقية لمواجهة مستوطنين مسلحين يتمتعون بالحصانة؛ فالرسالة للفلسطينيين واضحة: لا أحد يحميكم.

 

عنف الحكومة وصمت الغرب

إلى جانب العنف، تتقدم أيضاً السياسة الحكومية الرسمية؛ فمصادقة الكابينيت على تسوية 19 بؤرة استيطانية جديدة - بعد تسوية عشرات البؤر في الأعوام الأخيرة - واستثمار عشرات المليارات من الشواكل في البنية التحتية في الضفة، "ليست خطوات تقنية، إنها جوانب أُخرى من الخطوة نفسها. هكذا يُنفَّذ الضم فعلياً، من دون إعلانٍ رسمي، وبحجةٍ دائمة تصعب مجابهتها: الأمن".

وهنا يدخل أيضاً البُعد الدولي، إذ كان يُعتقد في الماضي أنه سيفيد ويوفر الحماية للفلسطينيين، لكنه، بحسب خوري، فشل في اختبار الواقع؛ لا الأمم المتحدة (ومؤسساتها) تساعد سكان الضفة الغربية، ولا المحكمة الجنائية الدولية، ولا أوروبا "المستنيرة"، ولا حتى الصين القوية، ولا جدوى من الاعتماد على الدول العربية، وإذا كنتم لا تصدقون؟ فاسألوا الفلسطينيين في غزة.

 

أوهام ترامب

يبقى رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب؛ فإذا كان لا يزال يحاول إقناع نفسه بأنه لا يوجد ضمّ في الضفة، وبأنه حقّق سلاماً في الشرق الأوسط لم يشهد مثيلاً له منذ 3000 عام، فعليه أن يشاهد ما يجري على الأرض، الأفعال، وليس التصريحات، بحسب ما جاء في المقال.

ويقول خوري: "ربما تكون الحرب في غزة توقفت، على الرغم من أن سكانها سيواجهون آثارها المدمرة أعواماً طويلة، لكن في الضفة الغربية، تتطور حرب أُخرى، أكثر هدوءاً، لكنها لا تقلّ تدميراً، فمن يبحث عن السلام، لا يمكنه تجاهُل هذا الواقع، ولا يمكنه وصف الضفة بأنها منطقة مستقرة".

إن السلام لا يُبنى على أساس عنفٍ يومي، وتهجيرٍ تدريجي، وحرمانٍ جماعي من الحماية؛ هذه هي الحقيقة، وفي الضفة الغربية، لم يعُد في الإمكان إخفاء ذلك منذ زمن طويل، يختم المقال.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث