هدأت الاشتباكات وتوقف القصف بعد منتصف ليل الاثنين/الثلاثاء، في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، عقب التوصل إلى اتفاق تهدئة لم تُعلن تفاصيله بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري، وفي الوقت ذاته، دعا تنظيم "الشبيبة الثورية" التابع لـ"قسد"، أنصاره إلى الخروج في شوارع الحيين للاحتفال بما وصفه بالدفاع عن الأحياء، في محاولة لإظهار القوة وإجبار الحكومة السورية على الدخول في مفاوضات وعقد هدنة لوقف إطلاق النار.
هذا التصعيد المفاجئ من جانب "قسد"، عبر إشعال الجبهات في محيط مناطق سيطرتها وتكثيف القصف، يراه مراقبون أنه لم يكن مجرد رد فعل على زيارة وزيري الدفاع والخارجية التركيين إلى دمشق وما حملته من رسائل تصعيدية، بل جاء أيضاً كاستعراض للقوة ورسالة واضحة بأنها لن تتنازل عن وجودها في حلب التي يمكن اعتبارها عاصمة شرق وشمال شرق سوريا، وتحمل ثقلاً سياسياً وجغرافياً كبيراً، وخسارتها بالنسبة لـ"قسد" تعد ضربة قاصمة لمشروعها السياسي والعسكري.
رسائل النار من حلب
ويرى الكاتب والمحلل السياسي علي تمي، أن "قسد" بدأت تلعب بالنار في محاولة للرد على الحراك السوري-التركي الأخير، وهي تدرك جيداً أن ما جرى مناقشته في دمشق تناول بشكل مباشر مصيرها، لذلك، سارعت إلى استباق الأحداث عبر إشعال النيران داخل مدينة حلب، في خطوة تحمل أبعاداً متعددة.
ويضيف تمي لـ"المدن"، أن "قسد" تسعى إلى تحقيق حالة نزوح جماعي وإرباك الإدارات الرسمية في حلب، "بما يخلق ضغطاً إضافياً على المؤسسات الحكومية ويضعها أمام تحديات إنسانية وأمنية متزايدة"، ومن جهة أخرى، طأرادت أن تظهر قدرتها على استعراض القوة، والتلميح إلى أنها ما تزال قادرة على التمسك بمكاسبها الجغرافية في حلب، بل وتوظيفها كورقة ضغط في مواجهة الحكومة السورية". ويرى أن "قسد" ترغب من خلال تصعيدها بإرسال رسائل سياسية إلى مختلف الأطراف، مفادها أنها طرف قادر على قلب المعادلات الميدانية متى شاء.
ويبدو أن التصعيد المفاجئ جاء كمحاولة مزدوجة لاختبار موقف الحكومة السورية، وفي الوقت ذاته لاستطلاع طبيعة القوات العسكرية ونوعية التسليح المنتشر في محيط الأحياء.
وقالت مصادر متابعة لـ"المدن"، إنها رصدت منذ بداية شهر كانون الأول/ديسمبر، تحركات عسكرية وأمنية للجيش السوري وقوات الأمن الداخلي في حلب، شملت محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى مناطق الضواحي القريبة، هذه التحركات قرأتها "قسد" على أنها مؤشر إلى نية الحكومة الاستفراد بها في حلب وإنهاء وجودها هناك، وهو ما اعتبرته تهديداً مباشراً لمصيرها ووجودها الميداني. وفي الوقت عينه قدمت إعلاناً مبطناً عن جاهزيتها لمواجهة أي عملية عسكرية قد تفكر الحكومة السورية في شنها.
ورقة ضغط
يرى الباحث والمحلل السياسي محمد السكري أنه لم يعد من الممكن العودة إلى مسار التفاوض السابق بين الحكومة السورية و"قسد" بالشكل البنيوي الذي كان قائماً في الماضي، إذ أن "قسد"، بحسب السكري، لجأت إلى التصعيد لأنها تعتقد أن مؤشرات التصعيد العسكري السوري-التركي ضدها، مع غض طرف أميركي، باتت مرتفعة للغاية، ومن هذا المنطلق، رأت أن إشعال التوتر في حلب، بما لها من أهمية رمزية عالية المستوى وقيمة ديموغرافية وجغرافية كبيرة، قد يساعدها على خلط الأوراق من جديد ويفتح لها باباً نحو مسار تفاوضي مختلف.
ويضيف السكري لـ"المدن"، أن الحكومة السورية تتعامل بعقلية أمنية وسياسية لا تنجر إلى الحرب المباشرة، وهو ما قد يخفف من فاتورة الخسائر البشرية بين المدنيين، كما أن الحكومة، وفقاً له، تعمل على استثمار أخطاء "قسد" وتصعيدها لتحصيل مكاسب سياسية وأمنية إضافية.
لا يمكن الاستهانة بقوة "قسد" في مدينة حلب، إذ إنها راكمت على مدى أعوام كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر والآليات العسكرية داخل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، والبداية تعود إلى العام 2013 حين انفردت بإدارة هذه الأحياء، ثم عززت وجودها في العام 2018 بإدخال أسلحة وذخائر ومقاتلين قادمين من منطقة عفرين شمالاً بعد خسارتها لصالح الفصائل المعارضة والجيش التركي آنذاك، وفي مطلع كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، وقبيل سقوط النظام بأيام، نقلت "قسد" عتادها ومقاتليها من مناطق الشهباء شمال حلب إلى داخل الحيين، اللذين يشكلان مع جزء كبير من حي بني زير مستعمرة محصنة من الأنفاق والمخابئ المكدسة بالأسلحة والذخائر.
هذا التمركز العسكري الكثيف يجعل "قسد" بالفعل قوة مهددة، ويثير مخاوف جدية من الانجرار إلى معركة مفتوحة في حلب، مع ما قد تحمله من فاتورة مرتفعة على المستويين البشري والميداني، الأمر الذي يضع المدينة أمام احتمالات معقدة ويجعل أي مواجهة معها محفوفة بالمخاطر.
