تفكيك البُنى الأهلية في سوريا: توزيع النفوذ وتعارض المصالح

ماهر اسبر الثلاثاء 2025/12/23
قوس النصر الأثري في تدمر قبل تفجيره من قبل داعش.jpg
قوس النصر الأثري في تدمر قبل تفجيره من قبل "داعش" (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

يحاول هذا البحث مقاربة المسألة السورية لا من ناحية تمظهراتها السياسية المباشرة، ولا من خلفياتها الهوياتية الدينية أو الطائفية، بل من زاوية البُنى الأهلية التاريخية العابرة للعصور، بما حملته من وعيٍ لذاتها، وإحساسها بالتهديدات الوجودية لها، وحضورها في المجال العام، وما يتفرّع عن ذلك من مصالح اقتصادية وسياسية. وهي بُنى لم تتوقّف عن إعادة إنتاج ذاتها والتكيّف مع كل مرحلة تاريخية، مع احتفاظها بجوهرها العميق.

ينطلق البحث من فرضية أن المعضلة السورية، كما تكشّفت عبر القرن الأخير بما شهده من تحوّلات وانقلابات وحروب، ليست أزمة نظام سياسي بعينه، ولا نتيجة مباشرة للتدخلات الخارجية، ولا حصيلة أخطاء النخب "مهما كان موقعها في السلطة أو في معارضتها"، بل هي نتاج تصادمٍ طويل الأمد بين أنماط وبُنى اجتماعية، لكلٍّ منها أساليبها وقدرتها الخاصة على السيطرة، أوالتكيّف، أوالتخريب.

وانطلاقاً من هذا الإطار، جرى تنظيم البحث على أربعة أجزاء (الجزء الأول يُنشر على قسمين)، ينتقل فيها التحليل من الجذور الأقدم إلى الصيغ الأحدث، ومن الأنماط العارية لفرض النفوذ لدى كل جماعة، إلى قوالبها وتمظهراتها الأيديولوجية والسياسية المعاصرة. يبدأ الجزء الأول بتفكيك البداوة وتحليل بنيتها الاجتماعية منذ ما قبل الميلاد وصولاً إلى التنظيمات الجهادية الحديثة. وينتقل الجزء الثاني إلى جماعة الإخوان المسلمين (طائفة داخل الطائفة) بوصفها التعبير الأيديولوجي الأبرز عن محاولة إنتاج هيمنة سنّية حديثة من داخل الطائفة نفسها، عبر احتكار التمثيل وإعادة تعريف الدولة والمجتمع على أساس عقائدي خاص. أما الجزء الثالث، فيتناول البرجوازية السنّية المدينية وتكيّفها ثم تحالفها مع مختلف السلط، بوصفها شريكاً بنيوياً في استدامة أنماط الحكم، مفضّلةً الاستقرار وحماية المصالح على المغامرة السياسية.

 

يُختتم البحث بالجزء الرابع الذي يتناول صعود الأقليات، حيث جرى دمجها ضمن إطار واحد مع الأحزاب الحداثية القومية واليسارية، (مع التأكيد على أن البُنى الطائفية والإثنية، من حيث التكوين النظري والتحليل البنيوي، لا تتطابق مع بُنى الأحزاب الحداثية ذات الطابع القومي أو اليساري، غير أن التجربة السورية أفرزت، على مستوى الممارسة السياسية والاصطفاف الواقعي، تداخلاً وظيفياً بينها، نتج عن اندماجٍ عملي لا عن اختزالٍ نظري أو إلغاء لتعدّد البُنى وأشكالها. ويأتي هذا الدمج بوصفه توصيفاً لتحوّلات السلوك السياسي وأنماط التحالف كما تجلّت تاريخياً، لا بوصفه حكماً معيارياً أو تسويةً تحليلية بين تكوينات مختلفة في أصل نشأتها ووظيفتها)، بل استناداً إلى ما أظهرته من أنماط متكرّرة في السلوك السياسي والتحالفات. ويبيّن هذا الجزء أن كثيراً من التمايزات بين الأقليات ليست دينية أو إثنية بقدر ما هي سياسية ووظيفية، وأن انخراطها في مشاريع حداثية مستوردة حمل في طيّاته (خطأً إبستمولوجياً)، تمثّل في محاولة إسقاط قوالب فكرية وسياسية مستوردة على واقع اجتماعي لم يُنتج شروطها التاريخية وأن عملية نقل المعرفة "غير الأمينة وغير الناضجة" انعكست سلباً عليها.

لا يحمل هذا البحث سردية اتهامية ولا دفاعية، ولا يسعى إلى توزيع المسؤوليات الأخلاقية أو خلق سلّم قيمي، بل يهدف إلى فهم الكيفية التي تفاعلت بها هذه البُنى الاجتماعية المختلفة، في إنتاج المعضلة السورية، وتحويلها مراراً من مشروع عقد اجتماعي إلى ساحة صراع. 
وهو، في جوهره، محاولة لقراءة سوريا من تحت، من طبقاتها العميقة، لا من سطوحها السياسية.

 

الجزء الأول 
البداوة ـ القديمة/الجديدة
القسم الأول:

«تبدأ بلاد العرب، من جهة بابل، بمنطقة مايسيني. وأمام مايسيني، من جانب، تمتد صحراء العرب، ومن الجانب الآخر تقع المستنقعات (…) إن البلاد ذات هواء فاسد، وضبابية، وتخضع في الوقت نفسه للأمطار وللحرارة الحارقة، ومع ذلك فإن منتجاتها ممتازة». 

بالعودة إلى ما يورده جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، نجد أن أقدم ذِكر موثّق لكلمة "عرب" ورد في نقش آشوري يعود إلى عهد الملك شلمنصّر الثالث (القرن التاسع قبل الميلاد)، حيث جاء ذِكر قائد اسمه "جنديبو العربي". يدلّ ذلك على أن المصطلح كان يُطلق آنذاك على جماعات بدوية قائمة على تخوم حدود آشور. ويبيّن جواد علي أن لفظة "عرب" لم تكن في الأصل اسماً لشعب ذي هوية ثابتة، بل دلالة لغوية وجغرافية تشير إلى سكّان الصحراء والبادية ـ أي كل من امتهن نمط العيش البدوي الصحراوي ـ دون النظر إلى الانتماء العرقي أو الإثني، اسماً للذين ارتبطوا منذ البدء بنمط متحرك غير قار. وقد ظهرت الكلمة بصيغ متعددة في النقوش القديمة مثل ــ Aribi وArubu وUrbi وArabaai وMatu Arabi ــ وكانت بمعظمها مرتبطة بمنطقة بادية الشام وشمال جزيرة العرب. استخدم الآشوريون والبابليون هذه التسميات للدلالة على شعوب غير مستقرة ومتحركة تقطن الأطراف الجغرافية، وكانوا يميّزون بينهم وبين الحضر والسكان المستقرين في المدن.

وما يمكن استنتاجه هنا، أن حتى لفظتي "حضارة" و "بداوة" لم تولدا كمفهومين مجرّدين، بل كصفتين، مثل كثير من أصول المجرّدات، اشتُقّتا مكانياً من واقع الشام نفسه، حيث ميّز سكان سوريا بين "الحضارة/الحضري" (أي المدني المستقر في البلدة) و"البادية/البدوي" (أي الجائل خارجها). كان مصطلحا البداوة والحضارة إذاً في بداياتهما حدّاً جغرافياً قبل أن يتحولا لاحقاً إلى مفاهيم مجردة.

وحتى في العهدين اليوناني والروماني، احتفظت الكلمة بدلالتها الجغرافية الصحراوية، إذ كانت تشير إلى كل من عاش في الصحراء أو على هامش العمران ـ بما في ذلك مناطق الطور وسيناء وشبه الجزيرة العربية ـ دون تحديد قومي دقيق. من هنا، يؤكد جواد علي أن اسم "عرب" تطوّر تاريخياً من وصف اجتماعي/جغرافي لحياة البداوة إلى هوية إثنية في عصور لاحقة، وقد ساعد على ترسيخ هذا التحوّل تبلور الكيانات السياسية العربية في الحيرة وتدمر ومملكة كندة، ثم قدوم الإسلام الذي منح الاسم بُعداً دينياً ولغوياً جامعاً.

يشير الجغرافي الإغريقي سترابون، في مؤلّفه "الجغرافيا" (القرن الأول قبل الميلاد)، إلى مناطق في تخوم الصحراء السورية تقطنها قبائل بدوية، كانت تمارس الغزو والتنقل على هوامش الحواضر، وهي المناطق التي ستعرف لاحقاً في المصادر الرومانية والبيزنطية باسم "أرض السَّراسين"، ومنذ إشارته تلك وبلاد الشام مسرح لا يهدأ للصراع بين الحضارة والبداوة: بين من بنى المدن ونظّم الحقول والأسواق، ومن تربّص بالقوافل لينقضّ عليها ثم يذوب في الرمال. يصف المؤرخ الروماني أميانوس في القرن الرابع الميلادي ـ عجز الجيوش الرومانية الثقيلة عن مطاردة تلك القبائل العربية المُغيرة. ويعلّق بأن خيول الروم لا تقوى على العطش ولا على هجير الصحراء، بينما جمال العرب تصبر وتميز فيه بين دروب السراب ودروب السبيل. كانت البادية درعاً يحمي الغزاة وسيفاً مسلطاً على رقاب الحواضر، حصناً طبيعياً يتّقي به البدوي بأس الإمبراطوريات، وحاجزاً صحراوياً تتحطّم عليه محاولات الانتقام. وفي هذا المشهد من التاريخ، نشأت مدن مثل تدمر وبُصرى الشام وأفاميا ودورا أوروبوس (دير الزور) والرُّها (إديسّا/أورفة) والبتراء على حدود ما سُمّي لاحقاً بالبادية الشامية. لم تكن تلك المدن محض مراكز حضرية عابرة، بل وُلدت من رحم تحالفات بين الإمبراطوريات الكبرى (روما وفارس ـ تركيا وإيران الحاليتين) وبين زعامات قبلية بدوية ضُمن ولاؤها عبر إشراكها في جزء من المنافع التجارية والسياسية.

 

التحالفات الفدرالية: 

مدن حدود الصحراء

أدركت روما مع توسّعها شرقاً واحتكاكها المباشر بقبائل العرب أن القوّة العسكرية وحدها عاجزة عن فرض الاستقرار على تخوم الصحراء. لذلك اعتمدت سياسة التحالف المشروط عبر معاهدات فويدوس (Foedus) اتحادية، منحت الولاء مقابل الاستقلال النسبي. وقد تجسّدت سياسة روما تلك عبر عدة نماذج بارزة في المدن التي مثّلت حدود الصحراء السورية آنذاك وهي:

تدمر (Palmyra) حظيت تدمر في القرن الثالث الميلادي بسيادة محلية واسعة رغم تبنّيها رسمياً كمستعمرة رومانية (Colonia) عام 212م. وبعد أزمة القرن الثالث، منحت روما زعيمها أذينة (أوديناتوس) زوج زنوبيا، لقب حامي الشرق الروماني (Dux Romanorum)، فوضعته فعلياً حاكماً للبادية الشامية لصدّ الأخطار الفارسية. مثّل ذلك مثالاً حياً على فويدوس متوازن يحقق مصلحة الطرفين. فعندما أعلنت تدمر استقلالها المؤقت بقيادة الملكة زنوبيا، كانت تستند إلى إرث هذه العلاقة الفدرالية ولم تقطع خيط الولاء الرفيع لروما إلا حين اشتدّ عودها. هذا التحالف المزدوج سمح لزنوبيا لاحقاً أن تبني إمبراطورية قصيرة الأجل، صهرت حولها القبائل العربية في وجه النفوذ الروماني والفارسي معاً، وإن كان مُلكها العريض لم يُعمر طويلًا.

بُصرى الشام (Bostra) كانت حاضرة دولة الأنباط العربية إلى أن ضمّها الرومان بالكامل عام 106م وأعلنوها عاصمةً لإقليم العربية البترائية. ورغم استيعابها إدارياً وعسكرياً في المنظومة الرومانية، ظلّت القبائل البدوية في جوارها، مثل الجماعات التي عُرفت بالصفائية نسبة لجبل الصفا (جبل العرب حالياً)، متمتعة بتحالفات عسكرية خاصة مع روما منذ القرن الثاني الميلادي. حصلت تلك القبائل على امتيازات محلية وحرية حركة مقابل تأمين طرق التجارة الصحراوية. وحين ضعف نفوذ روما في أواخر القرن الثالث، استغلّت زنوبيا الفرصة واندفعت بقواتها مع حلفائها من القبائل العربية وبدعم من فئات متعددة في المنطقة، شملت نُخباً مثقفة من الأوساط الآرامية والهيلينية/اليونانية و"انتلجنسيا" شرقية، إلى جانب جماعات ناقمة على الحكم الروماني من سكان الشام (من بينهم سريان ويهود) لإسقاط بُصرى حوالي عام 270م تقليصاً للنفوذ الروماني المتراخي هناك. ويُبيّن ذلك كيف أن السياسة القبلية متقلّبة الولاءات كانت قادرة على إسقاط المدن حين تختلّ موازين القوى والمصالح.

الرُّها (Edessa) بقيت مدينة الرها (أورفة الحالية) لقرون مفترق طرق رئيسي بين روما وفارس، وتناوبت عليها الاجتياحات والولاءات بين الإمبراطوريّتين. اعتُبرت الرها منذ أواخر القرن الأول قبل الميلاد ضمن دائرة النفوذ الروماني لكنها تمتعت بوضع أقرب إلى "الشريك الفدرالي" منه إلى المقاطعة الخاضعة تماماً. تقلّب انحياز ملوكها بين روما وفارس تبعاً لميزان القوى والمصالح. وحين كان يعتلي عرشها حاكم يميل ولاؤه إلى الفرس، كانت روما ترسل جحافلها لعزله وتنصيب من هو موالٍ لها، في مشهد يؤكد هشاشة شبكة تلك التحالفات. لقد كان ولاء مدن الحدود مشروطاً ومرتبطاً بمصالح القبائل والقوى المحلية بقدر ارتباطه بإملاءات روما أو فارس.

دورا أوروبوس (Dura-Europos) على ضفاف الفرات، أسسها السلوقيون كحصن أمامي، ثم تعاقب عليها الفرثيون فالرومان. مثّلت الثغر الشرقي الذي يحمي حدود الإمبراطورية من تغلغل الفرس وغارات القبائل البدوية معاً. ورغم وجود حامية رومانية دائمة فيها، تكشف الحفريات الكتابية أن إدارة الأمن اعتمدت على منصب محلّي عُرف بـال"عربارخ" (Arabarches) كما ورد في بعض الوثائق البردية، كان زعيما قبلياً خوّلته روما تنظيم شؤون القبائل وجمع الضرائب وتأمين الحدود، ضمن نظام فدرالي ضمني فهمت فيه روما أن حماية الأطراف لا تتحقق إلا بتحالف مع من يسكنها.

البتراء (Petra) عاصمة الأنباط ومدينة التجار، وقد احترفت سياسة الحياد بين القوتين المتصارعتين (الروم والفرس، واللذين كانوا ومازالوا "يَغلِبون ويُغلَبون" بعضهم بعضاً على مر التاريخ في أرض الشام). تعلّمت البتراء أن ماء الصحراء أثمن من الذهب، فحفر أهلها خزانات سرّية تحت الصخور لا يهتدي إليها سواهم، ينتظرون عدوّهم حتى يُنهكه العطش ويستبدّ به الظمأ، ثم يخرجون له من قلب الصحراء مثل أشباح خاطفة ليغيروا ويغنموا، ولا يتركون خلفهم سوى الغبار.

 

الجزيرة السورية

وتُظهر أدبيات التكوّن الاجتماعي في الجزيرة السورية، كما عند محمد جمال باروت، أن التداخلات اللغوية والثقافية في تخوم الشام والجزيرة كانت أقدم وأكثر تعقيداً من سردية (الوافد المتأخر)، وأن الحضور العربي كان سابقاً على الإسلام ومندمجاً في شبكات العمران والتجارة والحدود.

 وهو وجود يزعزع السردية الشائعة في بعض الروايات العربية والإسلامية التي صوّرت العرب كوافدين لم يدخلوا الشام ويصبحوا مؤثرين فيها إلا مع الفتح الإسلامي. غير أنّ هذا (الفتح)، الذي جرى تضخيمه في المخيال الجمعي بوصفه نقطة بداية حاسمة، بات من الضروري إعادة النظر في حقيقته كما صوّرتها الرواية الإسلامية الرسمية، وكما أعادت إنتاجه لاحقاً روايات خصوم تاريخيين للعرب والمسلمين ـ كالسريان واليهود وغيرهم ـ الذين وجدوا مصلحة في تأكيد صورة العرب كدخلاء وغزاة، لا كسكان أصليين أو شركاء في التكوين الحضاري للمنطقة.

كما تدلّ قراءات متعددة في الأدبيات التاريخية والأنثروبولوجية الحديثة على ضرورة مراجعة السردية التقليدية التي تقدّم العرب كوافدين دخلوا بلاد الشام أو الأندلس فجأة مع "الفتح الإسلامي"، وتُصوّر هذا الفتح بوصفه لحظة فاصلة في التكوين التاريخي للمنطقة. نجد أن جواد علي في "المفصّل" كرر وأكد على وجود عربي أصيل في المشرق العربي، يعود إلى ما قبل الميلاد، يتجلّى في النقوش والوثائق والممارسات اللغوية والاجتماعية، وهو ما ينقض الرواية القائلة إن العرب ظهروا فجأة مع الإسلام كمكوّن طارئ أو غازٍ. وفي السياق نفسه، قدّم الباحث الإسباني إغناسيو أولاغويي (Ignacio Olagüe) أطروحة مثيرة للجدل في كتابه (Les Arabes n’ont jamais envahi l’Espagne)، نفى فيها حدوث "فتح عربي" خارجي للأندلس، معتبراً أن ما جرى هو تحوّل داخلي تدريجي في البنية الدينية والثقافية لشبه الجزيرة الإيبيرية، جرى تأطيره لاحقاً بوصفه (غزواً) بفعل التأريخ الكنسي والإسلامي الرسمي، أي أن الطرفين المتخاصمين اشتركا في رواية سردية مخالفة للحقيقة التاريخية.

أما في الحقل الأكاديمي الغربي المعاصر، فقد قاد كل من باتريشيا كرونه ومايكل كوك مراجعة جذرية للسردية الإسلامية الرسمية، في كتابهما (Hagarism: The Making of the Islamic World)، حيث يجادلان بأن ما يُعرف بالفتح كان تحالفاً سياسياً في الأصل عربياً/يهودياً واشترك به معهم سريان من أهل المنطقة من السكان البلاد الأصليين ضد السلطات الرومانية والنخب الهلنسيتة التي كانت حاكمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وأن الإسلام ذاته تشكّل لاحقاً كهوية روحية ودينية بعد صعود العرب عسكرياً. 

ويُكمل هذا المسار باحثون مثل فريد دونر وفيلهفرد مادلونغ وجيرالد هواتينغ وألبرخت نوت ولورانس كونراد، الذين قاموا بتحليل البنية السردية لكتب الفتوح الإسلامية التقليدية، مشيرين إلى تكرار نمطي شديد يُضعف من صدقية تلك السرديات كمصادر مباشرة. وتتلاقى هذه القراءات مع ما طرحه الكاتب البريطاني توم هولاند في كتابه In the) (Shadow of the Sword، حيث يقدّم نقداً شاملاً لفكرة (الفتح)، ويدعو لإعادة قراءة ظهور الإسلام ضمن سياق التفكك الإمبراطوري للشرق الأدنى، لا كسردية دينية فجائية ومكتملة.

 

المفكرون العرب

إن هذه الحقيقة التاريخية، التي تكاد تكون جليّة حدّ الإبهار، والتي لم تَغِب عن أعين الباحثين المعاصرين في علم التاريخ والأنثروبولوجيا كما أستطردت في المقطع السابق، لامسها بعض المفكرين العرب في قراءاتهم النقدية للتراث أو بعض الفقهاء العرب في مروياتهم، وإن بطرق متفاوتة المباشرة. بل إن طه حسين، في كتابه "في الشعر الجاهلي"، أشار بشكل مباشر إلى ضرورة إعادة فحص السرديات السائدة حول العرب قبل الإسلام، بوصفها نتاجاً لموروث أسطوري أكثر منها انعكاساً لمعطيات التاريخ والوثيقة، وهو المؤلف الشهير الذي تم تكفيره من أجله طوال حياته.

رغم كل ذلك، فإن الوعي العام في المنطقة، سواء بين المسلمين أو بين أتباع الديانات الأخرى، ظلّ بعيداً عن تمثّل هذه الحقيقة أو إدراك تبعاتها التاريخية والسوسيولوجية. ويعود ذلك بالطبع إلى قوة السرديات الكبرى التي شكّلت الهوية الدينية والقومية الحديثة، والتي قامت على ثنائيات "الوافد والأصيل، والغزو والتحرر"، بدلاً من النظر إلى التاريخ كعملية تداخل حضاري متراكمة تعكس أنماط الاستقرار والتنقّل في المشرق، لا مجرد قطيعة بين زمنين.

وعودةً إلى موضوع الفقرة الرئيسة فقد كانت الصحراء إذن حداً سياسياً مرناً أكثر منه جغرافياً ثابتاً. وقد استطاعت الإمبراطوريات المتعاقبة عبر تلك المعاهدات الفدرالية أن تستوعب قوة البداوة وتحولها إلى شبكة دفاعية متحرّكة. كان الهدف تحقيق معادلة توازن طويلة الأمد من دون كلفة الاحتلال المباشر على الدوام. وفي المقابل، استفادت القبائل وزعماء التخوم من استقلال ذاتي واسع ومن عَطايا ومخصّصات قبلية أبقت لهم مكانتهم ونفوذهم. هكذا تمّ تدجين البادية حيناً بالسيف وحيناً بالدينار، لكن بقي ولاء تلك التحالفات معلّقاً بمدى قدرة روما وورثتها على الوفاء بالتزاماتها وردع أعدائها. وكلما ضعفت قبضة المراكز، عادت البادية وقاطنوها لفرض كلمتهم من جديد.

 

ظهور "داعش"

سوف ننتقل في القسم اللاحق ألفي عام، من الإمبراطورية الرومانية حتى العصر الحالي، فترة ظهور تنظيم داعش، وهذا الانتقال ليس بسبب نقصٍ أو خطأٍ في المنهج أو فجوةٍ في السياق، بل هو تأكيدٌ تحليلي على أن البنية لم تتغيّر لدى العشائر. فمهما كرّرنا التنقّلات في تاريخ البداوة والعرب في بلاد الشام طوال ألفَي عام، لوجدنا أن النموذج ذاته يتكرّر، كمسارٍ اجتماعيّ صلب يعيد إنتاج نفسه كلّما تبدّلت الأسماء والرايات. إذ حافظت العشائر البدوية، عبر الأزمنة المتباعدة، على بنية داخلية واحدة تقريباً، وعلى سلوكٍ سياسيّ يمكن التعرّف إليه بسهولة مهما تغيّر السياق، وعلى منطقٍ ثابت في إدارة المصالح والولاءات، ما يوحي بأن الذي تبدّل هو أشكال السلطة المحيطة بها، لا البنية التي تتحرّك من داخلها. وهذا التشابه لا يشير إلى "استمرار فكر" أو عقيدة بعينها، بقدر ما يكشف عن استمرار بنية اجتماعية/اقتصادية/سياسية لم يجد أفرادها أنفسهم خارجها يوماً، لأنها كانت، في الفضاء الصحراويّ شديد الخطورة، شرط البقاء وأداة الحماية ونظام توزيع المنافع في آنٍ واحد، حيث لا يكفل "القانون" شيئاً إذا غاب السلاح وغابت شبكات القرابة.

لقد مرّت هذه البنية بتحوّلات كبرى: من الحكم الروماني ومحاولة زنوبيا بناء كيانٍ إمبراطوريّ حدودي، إلى مجيء الإسلام، ثم الصراعات الأموية والعباسية، والانقسامات المذهبية، وتفتّت الدول إلى كياناتٍ وسلالات، فالفاطميين، ثم المرحلة التي سبقت العثمانيين وما تلاها، وصولاً إلى الفرنسيين، فسلطة البعث، وانتهاءً باللحظة الراهنة، حيث تتجلّى السلطة الحالية بوصفها خليطاً من أدواتٍ متراكبة "عشائرية ـ سلفية ـ طائفية فاشية ـ إسلامية ـ دكتاتورية فردية وعصبوية.." ومع ذلك، إذا أزحنا طبقة الخطاب وتأمّلنا منطق الفعل نفسه، سنلاحظ أن البنى العشائرية لم تغيّر سلوكها البنيوي إلا على مستوى السطح: تتبدّل مفردات الشرعية، ويتغيّر لباس التحالف، وتختلف أسماء الجبايات، بينما تبقى الديناميكيات التي تأسست عليها ــ علاقات القوة والمصلحة والولاء والحماية هي نفسها، وهي التي تحسم القرار في النهاية. والمفارقة الأشد دلالة أنه حتى الإمبراطوريات الكبرى، من الرومان إلى العثمانيين، وبينهما الإمبراطوريات الإسلامية العربية، هي التي اضطرت في معظم الأحيان إلى التكيّف مع هذه البنى أكثر مما استطاعت تفكيكها، فمحاولات تغييرها انتهت غالباً إلى استيعابها أو توظيفها بدل تذويبها. ويكفي أن يلاحظ القارئ العبارة الباردة المتكررة في المصادر التاريخية (استخدم الأمير العشيرة الفلانية ضد الجهة الفلانية)، حيث تظهر العشيرة لا كطرف سياسي مستقل، بل "كجهاز إداري" قادر على إعادة التموضع وفق ميزان القوة والمصلحة. وحتى أن الإسلام نفسه، قد اعتمد في مستوى التشريع السياسي وآليات الحكم، على التنظيمات القائمة، فهو لم يدخل فراغاً اجتماعياً، بل اشتغل على أسس العشائر نفسها، وأعاد صوغها، وقام بتمكينها، فإذا تأمّلنا في أنماط الإدارة المبكرة وتسلسل القيادة، سنرى كيف جرى إدخال منطق العصبية والبيعة والولاء في قوالب جديدة، لا لأن العقيدة أنتجت هذه البنية، بل لأن البنية القديمة وجدت في النظام الجديد لغة أوسع لتبرير ذاتها والاستمرار. والمقصود هنا ليس مسائل الإيمان أو الاعتقاد، بل التشريع وأساليب الحكم وإنتاج السلطة وتوزيعها، أي ذلك المستوى الذي يكشف بوضوحٍ أن المسألة لم تكن يوماً عجز الأفكار الحديثة عن الاختراق، بل رسوخ بنية اجتماعية لم تجد، حتى اليوم، ما يعادلها في تأمين المصالح والحماية خارج منطقها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث