بناء الجيش السوري: إعادة الهيكلة ومعضلة التحول المؤسسي

مهيب الرفاعيالثلاثاء 2025/12/23
Image-1766521439
بناء الجيش السوري الجديد.. وأبرز التحديات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما تلاه من قرار رسمي بحل الجيش السابق خلال "مؤتمر النصر" في 29 كانون الثاني/يناير 2025، دخلت سوريا مرحلة إعادة تشكيل شاملة لمؤسستها العسكرية، إذ لم يكن هذا التحول مجرد إجراء إداري يطال بنية قائمة، بل شكّل قطيعة مع نموذج جيش صُمم تاريخيًا كأداة لقمع المجتمع وحماية النظام، لا كمؤسسة وطنية جامعة. في هذا السياق، بدأت الفصائل العسكرية التي قادت عملية ردع العدوان مسار توحيد قواها ضمن إطار عسكري واحد، تقوده وزارة الدفاع الجديدة برئاسة اللواء مرهف أبو قصرة، في محاولة للانتقال من منطق التشكيلات المتعددة إلى منطق المؤسسة.

عملت وزارة الدفاع، بعد تشكيلها، على عقد لقاءات موسعة مع ما يزيد على 130 فصيلًا ووحدة عسكرية، بهدف إنهاء مسمياتها السابقة ودمجها ضمن تشكيلات نظامية موحّدة؛ وتُوّج هذا المسار بتشكيل نحو 25 فرقة عسكرية موزعة على مختلف الجغرافيا السورية. هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بوصفها تنظيمًا تقنيًا فحسب، بل باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج السيطرة العسكرية على أسس جديدة برغم التحديات اتي يفرزها التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري، وبرغم تحديات إعادة انتشار داعش وضربات التحالف ضد أوكار التنظيم الأشد خطورة بعد عام 2011، حيث يجري استبدال الولاءات الفصائلية ببنية تراتبية رسمية، مع ربط الوحدات ميدانيًا وإداريًا بوزارة الدفاع. يطرح هذا النموذج تساؤلات تتجاوز العدد والتوزيع، لتمسّ طبيعة القيادة داخل هذه الفرق، ومعايير التشكيل وتوزيع الفرق والرتب العسكرية، ومدى قدرة الوزارة على فرض وحدة قرار فعلية، لا مجرد وحدة شكلية.

 

حماية المركز وإعادة تعريف القوة الخاصة

في إطار إعادة تشكيل الفرق العسكرية، تتمركز في دمشق وريفها ثلاث فرق عسكرية رئيسية، أبرزها الفرقة 90 المنتشرة داخل العاصمة. وبالرغم من غياب تشكيل رسمي تحت مسمى الحرس الجمهوري المرتبط بالعاصمة وإدارة القصر الجمهوري والعمليات الخاصة بالعاصمة، تسعى القيادة العسكرية الجديدة إلى إنشاء قوة ذات طابع خاص تُعنى بحماية العاصمة ومراكز القرار. هذه الخطوة تعكس إدراكًا لأهمية دمشق بوصفها مركزًا سياسيًا ورمزيًا، لكنها في الوقت ذاته تثير إشكالية إعادة إنتاج وظائف أمنية كانت مرتبطة سابقًا بجهاز شديد الخصوصية والولاء.

إسناد قيادة هذه القوة إلى العميد عبد الرحمن حسين الخطيب، المعروف بـ "أبو حسين الأردني"، وهو قيادي سابق في هيئة تحرير الشام، يوضح أن معيار الاختيار لا يزال قائمًا على الثقة السياسية والدور السابق في المعركة، أكثر من كونه قائمًا على مسار مهني عسكري تقليدي؛ ويُظهر هذا التعيين طبيعة المرحلة الانتقالية، حيث تتداخل الضرورات الأمنية مع غياب كوادر عسكرية أعيد تأهيلها وفق نموذج وطني صرف.

في ريف دمشق، تتوزع الفرقتان 70 و44، وتضم الفرقة 70 خليطًا من عناصر فصائل متعددة مثل جيش الإسلام وفيلق الرحمن والجيش السوري الحر. هذا التنوع يعكس محاولة استيعاب أكبر قدر ممكن من القوى المسلحة ضمن بنية واحدة، لكنه في الوقت نفسه، يضع القيادة أمام تحدي توحيد العقيدة والانضباط داخل تشكيل يضم خبرات ومسارات متناقضة.

اضطلاع الفرقة 70 بمهام أمنية مركبة، تشمل حماية وتأمين   المناطق المحيطة بالعاصمة سواء من جهة الغوطة الشرقية أو من المدخل الجنوبي للعاصمة من ناحية الكسوة وصحنايا أو من ناحية المعضمية وامتداد جبال القلمون غربًا وشمالًا، ومكافحة خلايا تنظيم الدولة، والتصدي لتهريب المخدرات، يكشف أن الجيش الجديد لم يُبنَ بعد على تقسيم تقليدي بين مهام عسكرية وأمنية، بل يعمل ضمن مساحة هجينة تخلط بين الوظيفتين، وهي سمة شائعة في المراحل الانتقالية غير المستقرة.

 

كثافة عسكرية في حلب وإدلب

تضم محافظة حلب أربع فرق عسكرية هي 60  و72 و76 و80؛ ما يجعلها واحدة من أكثر المناطق كثافة من حيث الانتشار العسكري، لتنعكس أهمية حلب الأمنية الاقتصادية والديمغرافية، لكنها تكشف أيضًا عن تعقيدات الدمج، إذ إن معظم قادة الفرق ينحدرون من تشكيلات فصائلية مختلفة، بينها هيئة تحرير الشام والجيش الوطني.

وجود قادة مدرجين على لوائح عقوبات دولية، أو متهمين بانتهاكات حقوق الإنسان، داخل بنية الجيش الجديد، مثل قائد الفرقة 76 العميد سيف الدين بولاد "أبو بكر" يضع المؤسسة العسكرية أمام معضلة مزدوجة تتمثل بالحاجة إلى خبرة ميدانية وقدرة على الضبط، ومن جهة أخرى خطر تقويض الشرعية الداخلية والخارجية للجيش في حال لم تُحسم آليات المحاسبة والمسؤولية القانونية.

أما في إدلب، حيث تشكلت النواة الصلبة للفصائل التي أسقطت النظام، تتمركز الفرقتان 64 و82. ويُلاحظ هنا أن الجيش الجديد يستند بشكل واضح إلى كوادر ذات خبرة تنظيمية وعسكرية متراكمة، بعضها يضم عناصر أجنبية. هذا الواقع يعكس استمرار الإرث العابر للحدود داخل بعض التشكيلات، وهو عنصر قد يتحول إلى إشكالية مستقبلية في حال لم يُضبط ضمن إطار عقائدي ووطني واضح.

 

الوسط والبادية والفراغ الأمني

في محافظة حمص، تتمركز عدة فرق عسكرية، أبرزها الفرقة 52 بقيادة العميد هيثم العلي، وتنشط على الحدود السورية-اللبنانية، حيث خاضت اشتباكات مع حزب الله وعناصر من عشائر موالية له في منطقة الهرمل المقابلة للقصير بعد سقوط النظام. وظهر العلي إعلاميًا بوصفه قائد الفرقة 103 خلال اشتباكات شباط/فبراير الماضي، بينما تعرفه المصادر الرسمية قائدًا للفرقة 52. كما تنتشر الفرقة 42 في تدمر بقيادة العقيد رائد عرب، مع معلومات غير مؤكدة عن تسلّمه أيضًا قيادة الفرقة 118 مدرعات.

وفي محافظة حماة، تتواجد أربع فرق عسكرية، أبرزها الفرقة 62 بقيادة العميد محمد الجاسم (أبو عمشة) القائد السابق لـفرقة السلطان سليمان شاه أو "العمشات" ضمن الجيش الوطني، والمُدرج على لائحة العقوبات الأميركية ولائحة العقوبات البريطانية المحدثة بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر 2025 بتهم تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، مع نفيه الاتهامات المرتبطة بأحداث الساحل في آذار الماضي. وتتمركز الفرقة 62 في موقع الفرقة 25 السابقة بقيادة سهيل الحسنكما تنتشر الفرقة 54 بقيادة العميد حسين عبد الله العبيد (أبو صهيب)، ولها نشاطات خارج حماة شملت نزع الألغام في اللاذقية والمشاركة في معارك السويداء في تموز الماضي، إلى جانب الفرقة 74 بقيادة العميد المنشق جميل الصالح القائد السابق لـجيش العزة، والفرقة 98 المدرعة ذات المهام المرتبطة بإزالة الألغام ومخلفات الحرب.

أما في محافظة درعا، فتتواجد الفرقة 40 بقيادة العقيد بنيان الحريري، أحد القادة السابقين في حركة أحرار الشام، والذي نال رتبته ضمن ترقيات 28 كانون الأول/ديسمبر 2024، وتضم الفرقة عناصر من فصائل متعددة ومنتسبين جدد.

 

دمج الضباط المنشقين

مع فتح باب استقبال طلبات الضباط وصف الضباط المنشقين، برز تحدٍ مؤسسي بالغ الحساسية؛ فهؤلاء الضباط يحملون خبرة عسكرية نظامية، لكن سنوات الانقطاع، وتباين المسارات، واختلاف الدوافع، تجعل من التعامل معهم كتلة متجانسة خطأً بنيويًا. السؤال المركزي لا يتعلق بقبولهم من عدمه، بل بكيفية إعادة إدماجهم بدون خلق تراتبيات مزدوجة أو إحساس بالغبن داخل المؤسسة. ربما يفتح غياب معايير واضحة لإعادة التعيين، واحتساب الأقدمية، وتحديد المواقع القيادية واختبارات الولاء، المجال أمام توترات صامتة قد لا تظهر فورًا، لكنها تضعف الانضباط وتآكل الثقة داخل الجيش على المدى المتوسط.

 

العقيدة العسكرية الجديدة

لا يتمثل التحدي الأعمق الذي يواجه الجيش السوري الجديد في بنيته التنظيمية أو في عدد وحداته وانتشاره الجغرافي، بل في إعادة صياغة العقيدة العسكرية على نحو يعيد تعريف مفهوم الولاء ذاته. ففي سياق ما بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يعد الولاء مسألة انتماء فصائلي أو شخصي أو أيديولوجي، بل بات يفترض أن يتحول إلى ولاء مؤسسي للدولة، ولسلسلة القيادة، وللقواعد المهنية التي تضبط استخدام القوة. غير أن هذا التحول لا يتحقق بإعلانات رسمية أو قرارات إدارية، بل عبر مسار طويل من إعادة الضبط الداخلي يشمل التدريب، والانضباط، ومعايير الترقية ،والمساءلة.

تتضاعف أهمية هذا التحدي في ظل بيئة أمنية معقّدة، تتداخل فيها تهديدات خارجية وداخلية في آن واحد. فعلى الجبهة الجنوبية والغربية، يواجه الجيش واقع الاحتكاك المستمر مع إسرائيل، بما يفرض تبنّي عقيدة ضبط مدروس لا تنزلق إلى مواجهات غير محسوبة، وفي الوقت نفسه لا تسمح بتآكل الردع أو بتحويل القرار العسكري إلى ردود فعل ميدانية متفرقة. هذا التوازن يتطلب قيادة مركزية قادرة على ضبط المبادرة العسكرية، ومنع تحوّل الوحدات المنتشرة إلى فاعلين مستقلين يحددون قواعد الاشتباك من تلقاء أنفسهم.

داخليًا، يواجه الجيش تحدي التعامل مع بقايا شبكات "داعش" ، وفلول نظام المخلوع بشار الأسد وبقايا الشبكات الأمنية والعسكرية والتي تعمل بأساليب غير نظامية، وتعتمد على الاختراق والتخفي أكثر من المواجهة المباشرة وتتلقى تمويلاً وتدريبًا حتى من قادة عسكريين سابقين. في هذا السياق، لا تُقاس فعالية العقيدة العسكرية بعدد العمليات، بل بقدرة الجيش على العمل الاستخباراتي المنضبط، ومنع انزلاق المواجهة إلى منطق العقاب الجماعي أو التسييس الأمني، وهو ما يشكّل اختبارًا حقيقيًا للانتقال من عقلية القمع إلى عقلية إنفاذ القانون ضمن إطار عسكري منضبط.

أما في الشمال والشرق، فتبرز تحديات ذات طابع بنيوي أعمق، تتعلق بمخاطر التفكك والانفصال، وبالعلاقة المعقّدة مع المكوّن الكردي وقواته المسلحة. هنا، لا تكفي المقاربة العسكرية الصرفة، إذ إن فرض السيطرة بالقوة وحدها قد يعمّق الانقسامات بدل احتوائها؛ وبالتالي فإن العقيدة العسكرية الجديدة مطالَبة، في هذا السياق، بالتمييز بين التهديدات المسلحة المباشرة، وبين القضايا السياسية والاجتماعية التي تتطلب حلولًا تفاوضية ومقاربات أمنية منخفضة الحدّة، تحافظ على وحدة الدولة من دون تحويل الجيش إلى طرف في صراع هوياتي.

 

من مركزية القيادة إلى إدارة المناطق

شكّل قرار وزارة الدفاع السورية تعيين معاونين لوزير الدفاع بحسب المناطق العسكرية خطوة نوعية في مسار إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية بعد سقوط نظام الأسد؛ إذ إن هذا القرار لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إداريًا اعتياديًا، بل باعتباره محاولة واعية لإعادة توزيع السلطة العسكرية ميدانيًا، وضبط العلاقة بين المركز والهوامش في بلد خرج لتوّه من حالة تفكك أمني واسع. فبدل الاعتماد على قيادة مركزية مثقلة بتفاصيل الجبهات المختلفة، جرى اعتماد نموذج يوزّع المسؤوليات التنفيذية على معاونين يشرف كل منهم على قطاع جغرافي محدد، مع بقائهم خاضعين للقرار الاستراتيجي الصادر عن وزارة الدفاع.

يُظهر هذا الترتيب إدراكًا مبكرًا لحدود المركزية الصلبة في مرحلة انتقالية، حيث تتباين التحديات الأمنية بين منطقة وأخرى، من ضبط الحدود، إلى مواجهة بقايا الفصائل أو الشبكات غير النظامية، إلى إدارة العلاقة مع المجتمعات المحلية. كما أن اختيار شخصيات ذات تاريخ فصائلي وثقل ميداني لهذه المناصب يعكس اعتماد القيادة الجديدة على شرعية السيطرة بوصفها أداة مؤقتة لإعادة فرض الانضباط، في ظل غياب جهاز عسكري محترف مكتمل البنية.

ويأتي هذا القرار ضمن سلسلة تعيينات جديدة تهدف إلى إعادة هيكلة القيادة العسكرية، وتوزيع الصلاحيات الميدانية على أسس جغرافية-وظيفية، بما يعكس توجّهًا نحو إدارة أكثر مرونة للملف الأمني والعسكري في مرحلة انتقالية معقّدة.

 

المنطقة الوسطى

أصدرت وزارة الدفاع قرارًا بتعيين العميد الركن فضل الله الحجي، الملقب بـ "الحاج أبو يامن"، معاونًا لوزير الدفاع عن المنطقة الوسطى. ويُعد الحجي من أبرز القيادات العسكرية التي لعبت أدوارًا محورية خلال سنوات الثورة السورية، وارتبط اسمه بمحاولات توحيد الفصائل العسكرية ضمن أطر تنظيمية مشتركة.

انشق الحجي عن جيش نظام المخلوع الأسد عام 2012، وشارك في قيادة كتيبة أمين الأمة التابعة للجيش السوري الحر في بلدته كفريحمول بمحافظة إدلب. لاحقًا، شغل منصب نائب قائد لواء درع الثورة، وشارك في اجتماع أنطاليا في كانون الأول/ديسمبر 2012، الذي أُعلن خلاله تشكيل المجلس العسكري الأعلى وهيئة الأركان العامة للجيش السوري الحر، حيث عُيّن مديرًا للشؤون المالية والإدارية في الجبهة الشمالية.

شغل الحجي منصب رئيس هيئة الأركان في وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية المؤقتة عام 2017، قبل أن يصبح قائدًا عامًا للجبهة الوطنية للتحرير عقب تشكيلها عام 2018، والتي ضمّت فصائل الجيش الحر في إدلب ومحيطها.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2019، عُيّن نائبًا لرئيس هيئة الأركان في وزارة الدفاع بالحكومة المؤقتة، عقب اندماج الجبهة الوطنية للتحرير ضمن تشكيلات الجيش الوطني السوري، في خطوة هدفت إلى توحيد البنية العسكرية. وبعد سقوط نظام الأسد، شارك الحجي في مؤتمر النصر وألقى كلمة خلاله، قبل أن تعلن مصادر إعلامية في شباط/فبراير 2025 تكليفه برئاسة الأكاديمية العسكرية العليا التابعة لوزارة الدفاع، إلى جانب تعيينه معاونًا للوزير عن المنطقة الوسطى.

 

المنطقة الغربية

ضمن القرار ذاته، أعلنت وزارة الدفاع تعيين العميد محمد ضياء صالح طحان، الملقب بـ " الحاج أبو صالح"، معاونًا لوزير الدفاع عن المنطقة الغربية. ينحدر طحان من مدينة تفتناز في ريف إدلب، وسبق أن تولّى قيادة جيش الأحرار، ويُعد من القيادات العسكرية التي برزت في ريف إدلب خلال سنوات الثورة السورية. وقد شارك في عدد من المعارك ضد قوات نظام الأسد، وكان له حضور ميداني وتنظيمي في مراحل متعددة من الصراع.

 

المنطقة الجنوبية

كما شملت التعيينات العميد أحمد عيسى زكريا الشيخ، المعروف ب " أبو عيسى"، معاونًا لوزير الدفاع عن المنطقة الجنوبية؛ وكان قد تعرّض للاعتقال في فرع فلسطين بدمشق لمدة 11 شهرًا، قبل الإفراج عنه في إطار عفو رئاسي من الرئيس المخلوع بشار الأسد عام 2011.  أسّس الشيخ في بدايات الثورة لواء صقور الشام، الذي أصبح لاحقًا من أبرز الفصائل في محافظة إدلب، قبل أن يندمج في الجبهة الإسلامية التي ضمّت عدة فصائل مسلحة. كما كان من القيادات العسكرية الناشطة في مناطق الجنوب السوري خلال مراحل مختلفة من الصراع، وشارك في العمل العسكري والتنظيمي ضمن تشكيلات الجيش الحر.

 

المنطقة الشمالية

سبق لوزارة الدفاع أن عيّنت القيادي العسكري فهيم عيسى معاونًا لوزير الدفاع عن المنطقة الشمالية؛ ويُعد فهيم عيسى من أبرز القادة العسكريين في الثورة السورية، حيث تولّى قيادة الفيلق الثاني في الجيش الوطني السوري، ثم برز لاحقًا كقائد لفصيل فرقة السلطان مرادوينحدر من بلدة الراعي شمال محافظة حلب، ويتمتع بنفوذ عسكري واسع في الشمال السوري.

 

 المنطقة الشرقية 

يبقى احتمال تعيين معاون لوزير الدفاع مسؤول عن مناطق شمال وشرق سوريا قائمًا من الناحية النظرية، لكنه مرهون بحسابات سياسية وأمنية دقيقة لا سيما في ما يتعلق بتنفيذ اتفاق مارس 2025. تعقيد المشهد في مناطق الوجود الكردي، من حيث تعدد الفاعلين المسلحين وتشابك المحلي بالإقليمي والدولي، يدفع منطقيًا نحو صيغة إدارة عسكرية خاصة، إلا أن القيادة السورية تتحفظ على أي خطوة قد تُفهم باعتراف ضمني بخصوصية سياسية أو قومية هناك؛ والأكراد بدورهم قد يعتقدون أن وجود معاون للوزير عن المنطقة الشرقية هو أداة فرض سياسي وعسكري. لذلك، إن حدث التعيين، فمن المرجّح أن يأتي بصيغة غير مباشرة، كـمعاون عن المنطقة الشرقية بصلاحيات موسعة، بشرط ان لا يكون قائدًا ذا خلفية فصائلية عربية صدامية؛ أو شخصية معروفة بخطاب إقصائي تجاه الأكراد؛ ويتمتع بقبول ثنائي وضمن إطار تفاهم سياسي- أمني أوسع مع القوى الكردية، لا كقرار إداري منفصل. نجاح هذه الخطوة، في حال اعتمادها، لن يُقاس بالمنصب بحد ذاته، بل بقدرتها على ضبط الملف أمنيًا دون تحويل الجيش إلى طرف في صراع هوياتي أو انفصالي.

 

دلالة التعيينات والتقسيمات العسكرية 

تعكس هذه التعيينات توجّهًا واضحًا نحو تقسيم البلاد إلى مناطق عسكرية يشرف عليها معاونون لوزير الدفاع يتمتعون بثقل ميداني وخبرة تنظيمية؛ ويهدف هذا النموذج إلى تحقيق توازن بين المركزية في القرار الاستراتيجي، واللامركزية في الإدارة الميدانية، بما يسمح بالتعامل مع التحديات الأمنية المتباينة بين منطقة وأخرى. غير أن نجاح هذا الترتيب يبقى مشروطًا بوضوح خطوط الصلاحيات، ومنع تحوّل المناطق العسكرية إلى مراكز نفوذ مستقلة، وهو ما يجعل هذه الخطوة اختبارًا حاسمًا لقدرة وزارة الدفاع على بناء قيادة عسكرية موحّدة في مرحلة ما بعد الصراع.

يتكامل تعيين المعاونين مع قرار تقسيم البلاد إلى قطاعات ومناطق عسكرية، وهو تقسيم يعكس انتقال الجيش السوري الجديد من منطق الانتشار الفصائلي غير المتوازن إلى منطق السيطرة الإقليمية المنظمة. هذا التقسيم لا يقوم فقط على اعتبارات جغرافية، بل على تقدير مستويات التهديد، وكثافة السكان، وحساسية الحدود، ما يجعل كل قطاع وحدة عملياتية شبه مستقلة من حيث التنفيذ، لكنها مرتبطة مركزيًا من حيث القرار.

تكمن دلالة هذا النموذج في أنه يسعى إلى منع تركز القوة بيد قادة ميدانيين منفردين، عبر إدخالهم ضمن شبكة قيادة أوسع، وفي الوقت نفسه يمنح القيادة العسكرية قدرة أعلى على الاستجابة السريعة للأزمات المحلية. غير أن هذا الترتيب يحمل في داخله مفارقة بنيوية؛ فنجاحه يتوقف على وضوح خطوط الصلاحية، وعلى قدرة وزارة الدفاع على منع تحوّل القطاعات إلى مراكز نفوذ شبه مستقلة، خصوصًا في ظل الخلفيات الفصائلية لبعض القادة.

يمكن اعتبار تقسيم البلاد إلى مناطق عسكرية إجراءً انتقاليًا تفرضه مرحلة ما بعد النزاع، حيث تكون الأولوية لاستعادة السيطرة ومنع الانفلات، أكثر من بناء نموذج عسكري مكتمل الأركان. إلا أن الخطر يكمن في تحوّل هذا التقسيم من أداة تنظيم مؤقتة إلى بنية دائمة تعيد إنتاج منطق الإقطاعيات العسكرية، إذا لم يُقرن بآليات واضحة للمساءلة، وتدوير القيادات، وربط الأداء الميداني بتقييم مركزي صارم.

وعليه، فإن تعيين معاونين لوزير الدفاع، إلى جانب تقسيم البلاد إلى قطاعات عسكرية، يعكس محاولة لإدارة التوازن الدقيق بين المركزية والمرونة، لكنه في الوقت نفسه يضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار حاسم؛ فيما هل ستكون هذه الصيغة جسرًا نحو جيش وطني موحد، أم مرحلة انتقالية طويلة تُبقي الجغرافيا الأمنية والعسكرية مُجزّأة تحت غطاء مؤسسي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث