عندما طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال زيارته واشنطن، أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، لم ينبرِ أيّ من مستشاريه لتذكيره أنه هو نفسه كان قد أعلن قبل ست سنوات القضاء على التنظيم بنسبة مئة في المئة في سوريا. ويطرح هذا الأمر التساؤل إن كان ترامب ملماً بسياسات بلاده واستراتيجيتها طويلة الأمد، أو مشاريعها لعقود، بل وحتى قرون مقبلة، أو حتى ملماً باستراتيجيتها للحروب الأبدية، والتي منها هذه الحرب على الإرهاب المستمرة منذ سنة 2001، يوم أعلن الأميركيون الحرب على أفغانستان، بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول التي حدثت في ذلك العام.
وعلى الرغم من اتخاذها هجمات 11 سبتمبر، مبرراً للشروع في الحرب على الإرهاب، إلا أن الولايات المتحدة استندت أيضاً في حربها تلك على استراتيجية جديدة للعالم أجمع، صاغها المحافظون الجدد، وأطلقوا عليها تسمية "مشروع العام 2000 للقرن الأميركي الجديد" (Project for the New American Century). وإذا كانت الحرب على أفغانستان قابلة للتبرير بسبب تلك الهجمات واتهام تنظيم القاعدة الذي كان يتخذ من أفغانستان مقراً له بالضلوع فيها، فإن الحرب التي تلت، أي الحرب الأميركية على العراق، لا يمكن القول سوى أنها تأتي تنفيذاً لاستراتيجية الحرب الأبدية التي بلا حدود، والتي تأتي ضمن سياق ذلك المشروع. واستكمالاً لتك الحروب، حين شن التحالف الدولي أولى هجماته على داعش سنة 2014، صرح مسؤولون أميركيون، ومنهم وزير الدفاع الأسبق ليون بانيتا، تصريحاتٍ استُشِفَّ منها أن حرباً طويلة ستبقى مستعرةً في الشرق الأوسط، ولا يعرف أحد سوى الساسة الأميركيون متى تنتهي.
قبل العملية الإرهابية التي حدثت في مدينة تدمر، وراح ضحيتها ثلاثة أميركيين وسوري، وأشارت أصابع الاتهام إلى داعش بتنفيذها، بدا الأميركيون وكأنهم قد تناسوا أمر هذا التنظيم، على الرغم من تنفيذهم عمليات عدة تستهدف عناصره في سوريا. لذلك استغرب كثيرون دعوة واشنطن دمشق للانضمام إلى ذلك التحالف. غير أن تلك الدعوة، كانت بمثابة إشارة إلى أن ثمة اندفاعة جديدة من العنف والإرهاب الذي سيقوم به التنظيم، ويمكن أن تكون سوريا ساحة تلك الاندفاعة. وهذا التقدير تقرره أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة، والتي وحدها لديها القدرة على رصد تحركات التنظيم وتقدير خطورة خططه ونشاطه. وهو ما حدث فعلاً في عملية تدمر، وبعدها في الهجوم الإرهابي في سيدني بأستراليا الذي نفذه رجلان، قيل إنهما متأثرين بفكر "داعش". وجرى في هذا السياق، الحديث عن العثور على رايات للتنظيم في سيارة المنفذَين الذين استهدفا مئات الأشخاص، ممن كانوا يحيون أحد الأعياد اليهودية على شاطئ البحر.
ولهذا الأمر دلالتان، أولهما أن الخطر الذي يشكله التنظيم ما زال قائماً، ويمكن أن يبقى قائماً لسنوات طويلة. لذلك، سيبقى خطر الإرهاب مخيماً على المنطقة، يعيق أي عملية تنمية، بسبب منعه دول المنطقة من التمتع بالاستقرار اللازم للنهوض الاقتصادي، وبالتالي استمرارها في الدوران في الفلك الأميركي الذي يقدم لها الوصفات الأمنية والاقتصادية، والتي عادة ما لا تكون في صالح شعوب هذه المنطقة وتطورها. أما الدلالة الثانية، فهي تدور حول حقيقة انتشار الفكر المتطرف على نطاق واسع، نتيجة التأثر بتنظيم "داعش" وقبله بتنظيم القاعدة. وهو ما يشكل الخطورة الأكبر على دول كثيرة، ويجعل دول أخرى تتشدد بإجراءاتها الأمنية، وبالتالي التأثير على هوامش الحرية في بلدان كثيرة بسبب ضرورات أمنية، كما تجري العادة دائماً بعد كل عملية إرهابية، خصوصاً إذا تبين أن الفكر الإسلامي المتطرف هو دافعها.
وبالعودة إلى إعلان ترامب، في 22 مارس/آذار 2019، والذي قال فيه إن تنظيم "داعش" هُزم بنسبة مئة في المئة في سوريا، فقد سبقه يومها إعلان صدر عن البيت الأبيض، يقول إن "جميع الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم المتطرف في سوريا تم تطهيرها تماماً"، وهو أمر لم يقنع دولاً كثيرة، ومنها روسيا التي كانت قواتها تعمل على الأراضي السورية، وتعرف دقائق الأمور فيها. ومن اللافت أن هذا لم ينعكس انسحاباً للقوات الأميركية من البلاد، بناءً على ذلك الإعلان وانتفاء مبرر وجودها. وربما لنفي ذلك الإعلان، لجأ التنظيم إلى تنفيذ سلسلة عمليات كبيرة في سوريا أواخر سنة 2020 وبداية سنة 2021، في مناطق عدة، واجهته القوات الأميركية والروسية بعمليات عسكرية لوقف تمدده.
اليوم أطلقت الولايات المتحدة عملية عسكرية جديدة أسمتها "عين الصقر"، لاستهداف داعش، ونفذت تحت هذا العنوان عمليات عدة، استخدمت خلالها الطيران الحربي والحوامات والصواريخ لضرب مقرات التنظيم في سوريا بمشاركة عدة دول. وهي عملية تأتي بعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، وبعد حادثة تدمر المؤلمة لواشنطن، وكما تأتي بالتزامن مع الأخبار حول عودة "داعش" لتنظيم صفوفه وزيادة نشاطه، خصوصاً بعد الكلام عن انضمام عناصر جديدة إليه، ممن كانوا في تنظيم هيئة تحرير الشام، وتحولوا إلى عناصر ناقمة على سلطة الشرع، بسبب ما يعدونه تحولاً غير مقبول في نهجها وسلوكها.
هل تجهل الويات المتحدة، سبب توفر الأرضية الصالحة لاستمرار وجود التنظيم في سوريا وفي العراق؟ من المؤكد أنها تعرف أن وقف التنمية في بلداننا، وانتشار سياسات التجهيل وضرب الحريات، وزيادة العصبيات والتحريض الطائفي ومنع قيام دولة مدنية حديثة، وعدم الجدية في حدوث تسويات سياسية تنهي النزاعات وتقود إلى استقرار في هذه البلدان، هي عوامل تبقي الأرض صالحة لانبعاث التنظيمات المتطرفة، ومنها "داعش"، من جديد، وتوفر لها الأفراد الجاهزين لتعويض النقص في عناصره. ومع أفول هذه التنظيمات، ثم عودتها إلى الصعود، ستبقى "الحرب الأميركية على الإرهاب"، والتي تعد أطول حرب في العصر الحديث، مستمرة، ولن تحسم هذه الحرب، تخبو قليلاً، ثم تندلع من جديد، مبقية بلداننا أسيرة لتقلباتها، وشعوبها وقوداً لها.
