فجأة وبدون مقدمات، أعلن عدد من زعماء فصائل مسلحة عراقية وازنة مرتبطة بإيران وعلى نحوٍ متزامن، موافقتهم على دعوات نزع السلاح التي كانت حتى أيام قليلة نقطة خلاف رئيسية في العراق.
وإذا كانت تلك الدعوات قد جوبهت في الفترة الماضية بالرفض التام والقاطع، ليس فقط من قادة هذه الفصائل بل وزعامات سياسية بارزة ومهمة مقربة منها، فإن الموقف المعلن اليوم يبدو وكأنه قد تغيّر بالكامل، بعد أن أعلنت هذه القوى قبولها بما كانت تصفه حتى قبل يومين، بأنها محاولات للتآمر والخيانة هدفها ليس فقط إضعاف النظام السياسي في العراق وتحديداً السلطة الشيعية فيه بل وإسقاطه.
الدعوة بين القبول والرفض
أول وأبرز الملحتقين بهذا المسار هو زعيم عصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي، الذي يمتلك فصيلاً مسلحاً ينضوي جزء منه تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي، وآخر ضمن ما يسمى بفصائل المقاومة الاسلامية في العراق.
وتُعتبر حركة عصائب أهل الحق أحد أبرز الفصائل المسلحة العراقية ولعبت دوراً بارزاً في تطورات المشهد الأمني العراقي في السنوات الاخيرة. لكنها جنحت منذ سنوات إلى العمل السياسي، وتمكنت من الحصول على موطئ قدم مهم في السلطتين التشريعية والتنفيذية. ونجحت مؤخراً في تعزيز موقعها على الخريطة السياسية بعد حصولها على ثمانية وعشرين مقعداً برلمانياً، وهو تطور عدّه كثيرون بأنه سيعزز من التواجد السياسي للحركة في السلطتين التنفيذية والتشريعية مستقبلاً.
وبرغم أن الخزعلي كان من أشد الرافضين لدعوات نزع سلاح الفصائل، إلا أن موقفه ألذي أعلنه قبل يومين وقبوله دعوات نزع سلاح الفصائل، شكل منعطفاً حاداً في المشهد السياسي العراقي الذي يوصف بأنه يمر بانعطافة سياسية حرجة داخلياً وخارجياً تتطلب من الجميع إبداء الكثير من المرونة، ليس فقط لأجل تشكيل الحكومة وتسمية الرئاسات الثلاثة كاستحقاق دستوري لمرحلة مابعد الإنتخابات التشريعية الأخيرة، بل ولمواجهة استحقاقات مهمة تمر بها المنطقة. وهي استحقاقات وضعت الفصائل العراقية المسلحة في عين الحدث، وبات خيار نزع سلاحها تطوراً لا بد منه لمواجهة هذه الاستحقاقات وتجنب ردات فعل قد لا تقوى هذه الأطراف جميعاً على مواجهتها.
وبالتزامن، أعلن زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم موقفاً يكاد يكون مطابقاً لما أعلنه الخزعلي. لينضم إليهما سريعاً شبل الزيدي وهو زعيم حركة كتائب الإمام علي، ثم حيدر الغراوي زعيم فصيل أنصار الله الأوفياء.
بالمقابل، أعلنت كتائب حزب الله، التي تُعتبر أحد أبرز الفصائل المسلحة في العراق، موقفاً رافضاً. وقالت الحركة في بيان، إن الحديث عن أي تفاهم بهذا الشأن لن يكون "إلا بعد خروج جميع قوات الإحتلال وقوات الناتو والجيش التركي، إضافة إلى وجوب الإطمئنان على شعبنا ومقدساتنا من تهديد عصابات الجولاني والبشمركة".
وليس ببعيد عن هذا الموقف المتشدد، أعلنت حركة النجباء التي يزعمها الشيخ أكرم الكعبي "تمسكها بخيار المقاومة" ورفضها دعوات حصر السلاح بيد الدولة.
الموقف الأميركي
ومع هذه التطورات تحدثت تقارير أن ما يحدث هو جزء من عملية تمّ نسج خيوطها بإتقان كبير خلال الفترة الماضية، بين بغداد وواشنطن. وقال مطلعون إن قيادات فصائل مسلحة ومعها قوى سياسية داعمة لها من داخل الإطار التنسيقي، الذي يضم كل القوى السياسية الشيعية المشتركة بالعملية السياسية باستثناء التيار الصدري، تعهدت من خلال رسالة تم إيصالها إلى واشنطن إستعدادها للاستحابة للمطالب الأميركية بنزع سلاح كل الفصائل وخلال فترة قصيرة، وقطع أي علاقة بينهما، والتعهد بأن لا يكون لهذه القوى المسلحة أي دور مستقبلي سواء كان مسلحاً أو سياسياً، والأهم التعهد بعدم إستهداف المصالح الأميركية في العراق مستقبلاً، حيث تخطط الإدارة الأميركية لتوسيع خططها، خصوصاً في مجال الاستثمار.
ليس هذا فحسب، فقد تحدثت تقارير أن بغداد استلمت ما يمكن وصفه برسائل تحذير من دول عربية وغير عربية في المنطقة، حول احتمال تعرض العراق إلى ضربات جوية تستهدف العديد من المواقع التابعة للفصائل المسلحة في حال رفض الإستجابة للمطالب الأميركية، وهو تطور نفاه جهاز المخابرات العراقي في بيان لافت وغير معتاد.
في هذا الإطار لا يمكن تجاهل الرسائل العديد التي أرسها مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق والمعين حديثاً مارك سافايا، والتي أكد في واحدة منها أن النجاح لأي أمة لا يمكن أن يحدث "ما دامت الجماعات المسلحة تنافس الدولة وتقوض سلطتها".
وأضاف أن الخيار أمام القيادات السياسية والدينية في العراق، سيحدد مستقبل العراق للمضي نحو السيادة والقوة أو الانزلاق نحو التشرذم والتراجع.
ضمانات نزع السلاح
وما بين مواقف الرفض والقبول، وبرغم أن الخطوة المقبلة لا تزال مبهمة وغير واضحة بشأن الآلية التي ستتم فيها عملية تسليم سلاح هذه الفصائل، وإن كانت ستجري مع بقاء رفض فصائل مسلحة وازنة للدعوة، فان ما تحدث به بعض المعنيين يمكن أن يشكل نقطة مهمة في صيرورة المشهد المقبل وهو التأكيد على ضرورة توفير ضمانات للأطراف والقوى التي ستتماهى مع الدعوة وستقبل بتسليم سلاحها، وعدم استهدافها مستقبلاً لا عراقياً ولا أميركياً وبأي شكل من الأشكال. وقد يكون من المبكر الآن الحديث عن موقف الحكومة العراقية مما يجري، خصوصاً الآلية التي سيتم تبنيها في عملية تسليم السلاح والتي ستحدد شفافيتها أن ما سيحدث هو إجراء حقيقي، وأن الفصائل قد سلمت بالفعل ما تمتلكه من سلاح، وأن الأمر ليس مجرد تسويق إعلامي غايته كسب مواقف سياسية فحسب.
توقيت الإعلان
إن إعلان الاستجابة لدعوات نزع السلاح لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تطورات المشهد السياسي العراقي، خصوصاً وأن الأجنحة السياسية لهذه الفصائل المسلحة تمكنت من الحصول على موطئ قدم مهم داخل السلطة التشريعية.
أظهرت نتائج الإنتخابات البرلمانية الأخيرة أن هذه الفصائل تمكنت من حصد ما يزيد عن ثمانين مقعداً برلمانياً، وهو تطور مهم لفهم توقيت هذا الإعلان وقرار التخلي عن العمل المسلح لصالح العمل السياسي التشريعي وربما التنفيذي لاحقاً.
إن تطورات الموقف داخلياً وما يجري في المحيط الإقليمي وما يفرضه من استحقاقات، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهله بالنسبة لصانع القرار السياسي عراقياً، خصوصاً قواه الشيعية. هذه الاستحقاقات ساهمت بشكل كبير في إرغام هذه القوى على تغيير مواقفها قبل فوات الأوان.
إن القناعة المتصاعدة في الداخل العراقي تدفع باتجاه القول إن الظروف الموضوعية المحيطة بالعراق، لم تعد تتلائم أبداً مع وجود فصائل مسلحة خارج سيطرة الدولة تؤمن بعقلية العمل المسلح خارج الحدود، وأن هذا الاعتقاد وما ينجم عنه من سلوك، يجب استبداله بالعمل السياسي. هذا التصور بات يفرض نفسه بقوة، خصوصاً وأن من يعنيهم أمر نزع السلاح، باتوا يمتلكون ثقلاً سياسياً بارزاً في المشهد السياسي العراقي، خصوصاً في السلطة التشريعية.
الموقف الإيراني
لم تعلن إيران بعد موقفاً مما يجري من كل هذا. ولا يتوقع أن يكون لإيران موقفا رسمياً، وهو تكتيك تفرضه التوازنات الدولية باعتبار أن هكذا موقف يمكن اعتباره تدخلاً بالشأن العراقي الداخلي، وهو تطور تحسبه طهران بعناية وتدرك تداعياته. لكن هذا لا يمنع أبداً من موقف غير معلن يمكن أن تتبناه إيران، خصوصاً وأن تطورات هذا المشهد يمكن أن يكون له علاقة مباشرة باستحقاقات إقليمية لها علاقة مباشرة بايران.
المؤكد أن إيران لن تقبل بأي حال من الأحوال بتطورات هذه المواقف التي أُعلنت في بغداد. فايران ليست مستعدة في هذا الوقت بالذات لخسارة ما يمكن وصفه بخط الدفاع الاخير الذي يمثله العراق بالنسبة لها، خصوصاً وأن التهديدات الأميركية والإسرائيلية باحتمال شن ضربة ضدها لا تزال قائمة.
خلاصة القول، أن الموقف الذي أبدته قوى السلاح في العراق وهذا الانتقال الحاد من موقف الرفض القاطع لأي حديث بشأن نزع سلاحها إلى تبني لغة مغايرة مفادها حتمية القبول بفكرة سيادة الدولة مقابل اللادولة، والتخلي عن العمل المسلح، يمثل بحد ذاته انعطافاً مهماً هو أقرب إلى إعادة تموضع سياسي لهذه القوى التي بدأت تدرك حقيقة ما تفرضه المتغيرات السياسية وغير السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، من واقع لم يعد بالإمكان تجاهله أو السير بمسار مضاد له، بعيداً عن حقيقة اقتناعها بمفهوم سيادة الدولة من عدمه.
