في ربيع عام 2022، ظهر ظل مائل الشكل على صور الأقمار الصناعية فوق قاعدة جوية متواضعة في شرق إيران. كان الطائر صغيراً لكن ملامحه توحي بانه أبعد من مجرد طائر غامض. كان مهندسو شركة "شهيد همت للدفاع" قد أنهوا النموذج الأولي لسلاح يدعى "شاهد-136"، وهو اسم طائرة انتحارية أصبح يتردد عبر ساحات القتال بعيداً عن موطنه الأصلي.
كانت "شاهد-136" في جوهرها سلاحاً منخفض التكلفة وقابلاً للتلف. صُنع هيكلها من ألياف الزجاج في مصنع خارج مشهد، وكان محركها دواراً بسيطاً مأخوذاً من طائرات مدنية قديمة، واعتمد نظام التوجيه على وحدة ملاحة داخلية بسيطة مع جهاز "GPS"، ورأس حربي بوزن 40 كغ، يكفي لتدمير مركبة خفيفة أو إلحاق ضرر بشريط مدرج. ما افتقرت إليه هذه الطائرة من التعقيد، عوضتها بالأعداد والقدرة على الإنتاج الضخم.
من الفكرة إلى الإنتاج
عند عرض فريق التصميم الطائرة على المسؤولين في وزارة الدفاع الايرانية، كان الرد مختلطاً. رأى بعض الضباط في الطائرة لعبة أطفال لا يمكنها الصمود أمام أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، بينما رأى آخرون فرصة، سلاح يُنتج بأعداد كبيرة، يُشحن بسرية، ويمكن استخدامه لإغراق رادارات العدو وصواريخه. انتصر الرأي الأخير، ودخلت طائرة "شاهد-136" خط الإنتاج السريع.
في غضون أشهر قليلة، بدأت مصانع الحرس الثوري الايراني بإنتاج عشرات الطائرات. تم اختيار مكوناتها من موردين مدنيين ومحال تجارية، وألمنيوم من الدرجة العادية لتقليل تكلفة المواد. حُزمت الطائرات في صناديق كرتونية، ولإخفائها عن أعين العدو كُتب عليها "معدات اتصالات"، ثم نُقلت إلى حيث تنتظرها ساحات سوريا والعراق.
الانتشار الأول
أقدم استخدام قتالي مؤكد علناً لطائرة شاهد-136 هو من قبل القوات الروسية تحت اسم "جران-2" ضد القوات الأوكرانية، في 13 أيلول/سبتمبر 2022، استناداً إلى بقايا الطائرات الموثقة وتحليل الخبراء.
أما في الشرق الأوسط، فهناك مؤشرات قوية على أن تصميماً من عائلة "شاهد دلتا وينغ" كان مستخدماً في هجمات الحوثيين منذ 2019، وترجح مصادر عسكرية ان تكون هجمات الحوثيين قد شُنّت باستخدام "شاهد-131" وهي نسخة ما قبل "شاهد-136" من إصدار مصانع "شهيد همت للدفاع" الايرنية.
ظاهرة النسخ
سار خبر فعالية شاهد-136 بسرعة. خلال أسابيع قليلة طلبت جهات أخرى الحصول على نسخ منها. صممت شاهد-136 لتكون سهلة النسخ. حصل مهندسون في قوات الحشد الشعبي العراقية على المخططات، أقاموا خط تجميع بسيط قرب البصرة. كما أعادوا كتابة برنامج التوجيه بلغة مختلفة، لكن الخوارزمية الأساسية بقيت ايرانية كما هي. نتج عن ذلك نسخة بتكلفة تقل عن 12 ألف دولار لكل وحدة، بفضل العمالة الأرخص والمواد المحلية.
على الجانب اللبناني، أقام حزب الله ورشة سرية، حيث قام فنيوه بتعديلات بسيطة على الطائرة بحيث أضافوا بطارية أقوى، ممددة زمن الطيران من 45 دقيقة إلى ساعة، وأدرجوا وحدة بسيطة مضادة للتشويش .
الأثر الاستراتيجي
غيّر انتشار نسخ شاهد-136 حسابات الحرب الجوية الحديثة. صممت أنظمة الدفاع التقليدية مثل "باتريوت"، "SAMP/T"، وحتى "THAAD" لمواجهة صواريخ عالية السرعة وارتفاع كبير. أما الطائرات الانتحارية البطيئة، منخفضة الرؤية، ففرضت على المدافعين تخصيص رادارات وموارد اعتراض لتهديد يمكن أن يهاجم بأعداد كبيرة. حتى رشقة صغيرة من عشرين طائرة شاهد-136 يمكن أن تغمر قدرة بطارية اعترض واحدة، مجبرة القادة على اختيار الأهداف التي يجب إعطاء الأولوية لها.
ردت الدول ذات الجيوش المتقدمة بتطوير وسائل مضادة مخصصة لهذه الطائرات. سرعت إسرائيل نشر وتطوير قبة الطائرات (Drone Dome)، وهي نظام ليزر محمول قادر على تعطيل الطائرات الصغيرة عن قرب. كشفت روسيا عن نسخة مطورة من نظام الدفاع الجوي "بانتسير S1"، مضيفة وضع رادار منخفض الارتفاع لتتبع أجسام لا تتجاوز 0.1 متر مربع. أما الولايات المتحدة فاستثمرت في خوارزميات ذكاء اصطناعي تستطيع التعرف على نمط طيران شاهد-136 وهو صعود ثابت، رحلة طويلة، انحدار ضحل خلال ثوانٍ من الإقلاع.
التطورات المستقبلية
بحلول أواخر 2024، كان المهندسون في طهران يجرون تحسينات على طائرة شاهد-136. الجيل التالي، المسمى شاهد-141، سيحتوى على حجرة حمولة قابلة للتبديل تسمح للجهات المشغلة بتبديل رؤوس حربية، أو حزم حرب إلكترونية، أو حتى كاميرات استطلاع صغيرة. كما تم اضافة نظام توجيه داخلي بهدف تقليل الاعتماد على نظام (GPS).
وبالتوازي مع التطوير الرسمي، استمرت بيئة النسخ في التطور. في اليمن، استخدمت قوات الحوثي نسخة تدعى "القدس-1" مزودة بجهاز استشعار حراري بدائي، ما مكنها من تنفيذ هجمات ليلية. أما في ليبيا، فقد جمعت ميليشيات متنافسة نسخة صنعت من أجزاء مطبوعة ثلاثية الأبعاد، مبرهنة أن التصنيع الإضافي يمكن أن يخفض الحواجز أمام الإنتاج.
شاهد تتحول إلى مدرسة عالمية
لم يدرك العالم أهمية شاهد-136 إلا بعدما دخلت بقوة إلى الحرب في أوكرانيا. روسيا، التي استنزفت مخزونها من الصواريخ الدقيقة، لجأت إلى إيران. أطلقت على المسيرات اسم "غيران-2" لإظهارها كسلاح محلي. لم تكن المسيرة الروسية دقيقة دائماً، لكنها ملأت فراغاً تكتيكياً واستراتيجياً لدى روسيا، لتصبح إحدى أدوات الحرب الأساسية.
بحلول 2024–2025، لم تعد شاهد-136 مجرد مسيرة، بل أصبحت مدرسة في عالم الأسلحة منخفضة الكلفة. يشبهها كثيرون بـ"الكلاشينكوف" في عالم المسيرات، بسيطة، ويمكن لأي طرف تقريبا إنتاج نسخة خاصة منه. لقد أثبتت أن التأثير العسكري لا يحتاج إلى هندسة معقدة، بل إلى فهم اقتصادي وتكتيكي للثغرات في منظومات الدفاع الحديثة.
ورغم أن الولايات المتحدة لم تنتج نسخة مطابقة لـ"شاهد-136"، فإن نجاح هذا السلاح دفعها إلى تغيير فلسفة التطوير. فبدأت بالاعتماد على برامج جديدة مثل "Replicator" لإنتاج آلاف المسيرات الرخيصة والسريعة التصنيع، إضافة إلى تعزيز استخدام ذخائر انتحارية مثل "Switchblade"، و"Phoenix Ghost". وبرغم أن هذه الأنظمة أكثر تطورا من شاهد-136 من الناحية التقنية، فإن جوهرها ينسجم مع الدرس الذي فرضته شاهد.
تكشف قصة مسيرة شاهد أن الحرب لم تعد حكراً على الأسلحة المتطورة والغالية. بل إن مستقبل الصراعات قد يحسم بواسطة سلاح بسيط وقابل للتكرار بكميات هائلة. إنها رسالة عسكرية واضحة: الكلفة المنخفضة وليس فقط التكنولوجيا العالية، قد تحدد ميزان القوة في العقود المقبلة.
