العقوبات البريطانية: محاسبة على أحداث الساحل السوري

خاص - المدنالاثنين 2025/12/22
Image-1764080566
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

في خطوة حملت أكثر من دلالة سياسية ورمزية، أعلنت الحكومة البريطانية، قبل يومين، فرض عقوبات جديدة على شخصيات وكيانات مرتبطة بنظام الأسد المخلوع، في إطار ما وصفته بالاستمرار في محاسبة مرتكبي الانتهاكات ضد المدنيين في سوريا.

لكن ما لفت الانتباه ليس فقط قائمة الأسماء؛ بل التوقيت والمضمون: الإشارة الواضحة والصريحة إلى "أحداث الساحل" التي وقعت مطلع العام 2025، في محافظتي اللاذقية وطرطوس، والربط الصريح بينها وبين جرائم سابقة مرتبطة بالصراع الدائر في سوريا.

وشمل القرار شخصيات ذات خلفيات متنوعة: غياث دلة وهو قائد عسكري سابق، ومقداد فتيحة وهو وقائد ميليشيا موالية للنظام، وعماد خوري ومدلل خوري، وهما رجلا أعمال سوريَّان روسيَّان متهمَان بتقديم دعم مالي مباشر للنظام.

كما شمل القرار: سيف الدين بولاد، قائد "فرقة الحمزة"، ومحمد الجاسم، قائد "فرقة السلطان سليمان شاه"، وهما فصائل عاملة في شمال غرب سوريا، وتربطها علاقات معقدة مع تركيا وأطراف محلية، بالإضافة إلى ثلاث كيانات مسلحة: فرقة السلطان مراد، وفرقة السلطان سليمان شاه، وفرقة الحمزة.

وإضافة إلى تجميد الأصول وحظر السفر، فإن هذا القرار يمنع المُدرَجين من شغل أي مناصب إدارية مستقبلاً في أي مؤسسات مرتبطة بالتعاون الدولي أو الاستثمار الخارجي.

 

قرار في مرحلة حاسمة

توقيت القرار ليس عفوياً، فمنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، ومرور عام على "تحرير سوريا"، تدخل البلاد مرحلة حاسمة من إعادة البناء والانتقال السياسي.

وفي هذا السياق، تسعى لندن إلى تحقيق عدة أهداف متوازية: إرسال إشارة ردع مبكرة إلى أي جهات داخلية أو خارجية، قد تُقدِم على استغلال الفراغ الأمني أو الانقسامات المجتمعية لاستئناف أنماط العنف القديمة، سواء باسم "الاستقرار" أو "الانتقام" أو "استعادة النفوذ". ومن الأهداف الأخرى: استباق محاولات تطبيع سريعة مع شخصيات مرتبطة بالعنف البنيوي للنظام.

إشارة القرار الصريحة إلى أحداث الساحل ترفع هذا الإجراء من كونه مجرد عقوبات روتينية إلى مستوى اختبار سياسي واضح: الساحل، ولا سيما مناطق طرطوس واللاذقية، يُنظر إليه كمنطقة ذات رمزية عالية لدى النظام السابق، بل وُصفت بالقلعة الأخيرة له.

ورغم أن القرار البريطاني استهدف أفراداً وكيانات ميليشياوية، فإن التسمية الصريحة لضباط مرتبطين سابقاً بوزارة الدفاع تثير تساؤلات جوهرية: هل كانت هذه المجموعات المسلحة تعمل في ظل غطاء أمني أو تنسيقي مع هيكل دفاعي سابق؟ هل استُخدمت بنى لوجستية أو مراكز تدريب تابعة لوزارة الدفاع في دعم هذه الجماعات في الساحل؟ وهل لا تزال بعض الشبكات المؤسسية داخل الجيش السوري السابق قادرة على التأثير في المشهد الميداني، رغم تغيّر السلطة؟

 

مراجعة دورية

ويقول محمد الحاج علي، رئيس الشبكة السورية البريطانية "SCAN UK" في المملكة المتحدة - كارديف، لـ "المدن"، إن "وزارة الخزانة في المملكة المتحدة تقوم  بإجراء مراجعة دورية للعقوبات المالية التي تفرضها بحق أفراد وكيانات، حيث أعلنت عن فرض عقوبات جديدة على تنظيمات وأفراد متورطين في أعمال عنف ضد المدنيين، وقد شملت العقوبات هذه المرة إشارة واضحة إلى أفراد تم اتهامهم بأحداث الساحل بالإضافة إلى شخصيتين متهمين بتمويل نظام الأسد".

وتابع: "وفي الوقت ذاته، جدّدت لندن التزامها بالعمل مع الحكومة السورية لدعم التعافي الاقتصادي، مؤكدة اعترافها بأصوات واحتياجات جميع السوريين، وسعيها إلى مستقبل أكثر استقراراُ وحرية وازدهاراً في البلاد".

ولا يبدي الحاج علي في حديثه لـ"المدن"، اعتقاده بأن "هذه القائمة من العقوبات تحمل أبعاداً و دلالات سياسية من قبيل الضغط على الحكومة السورية"، مشيراً إلى أن "لجان تقصي الحقائق أشارت إلى وجود انتهاكات تجاه حقوق الإنسان وهذه لم تكن سياسة ممنهجة من قبل قوات وزارة الدفاع، فأحداث الساحل حدثت بعد تعرض قوات حكومية لكمين ذهب فيه العديد من الضحايا، وكان القصد من ذلك إشعال فتنة طائفية تحرق سوريا".

فيما رأى مراقبون آخرون، أن القرار البريطاني لم يُشِر إلى مسؤولين حاليين في وزارة الدفاع في الحكومة السورية الجديدة، وهذا قد يعكس انتقائية محسوبة مفاده أن لندن لا تريد إرباك السلطات الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تُذكّر بأن الانفصال الكامل عن ميراث النظام يتطلب تفكيكاً حقيقياً للشبكات العسكرية-الميليشياوية، وليس فقط تغيير الوجوه.

 

التوقيت مرتبط بأحداث الساحل

وحسب محللين، فإن العقوبات الجديدة توضح أن لندن تُطبّق نموذجاً جديداً من الشراكة: الدعم مشروط بالمحاسبة، والاستقرار لا يُبنى على الصمت عن الانتهاكات.

ويقول المحامي المختص بالقانون الدولي المعتصم الكيلاني، لـ "المدن"، إن "توقيت فرض العقوبات مرتبط بأحداث الساحل التي وقعت في آذار/مارس 2025"، مضيفاً أن "العقوبات جاءت بعد تحقيقات ومتابعة منظمات حقوقية وحكوماتٍ أخرى (مثل الاتحاد الأوروبي الذي سبق وفرض عقوبات على بعض القادة)، والهدف المعلن من لندن هو مواصلة الضغط على المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين".

ويرى أن "بريطانيا تبدو فعلاً وكأنها تنظر إلى أحداث الساحل باعتبارها مؤشراً مبكراً لسلوك الفاعلين العسكريين داخل سوريا بعد سقوط نظام الأسد"، لافتاً إلى ان "بعض الأفراد والفرق الذين تم فرض العقوبات عليهم الآن هم جزء وزارة الدفاع، وهذا يعني أن لندن لا تقيّم فقط أفعال النظام السابق، بل تراقب وتُحاسب أيضاً الأشخاص والكتائب العاملة ضمن النظام الجديد"، واصفاً العقوبات بأنها "نوع من الرسائل التحذيرية للمسؤولين في المؤسسة العسكرية الجديدة بأن أي انتهاكات جديدة ستؤدي إلى عواقب دولية".

العقوبات البريطانية الأخيرة، رغم استهدافها أفراداً وكيانات محددة، وفق محللين، تتجاوز كونها إجراءً عقابياً روتينياً لتُشكّل مفصلاً سياسياً وأخلاقياً في مسار الملف السوري، فهي تُحدّد بوضوح أن الشرط الأساس لأي دعم دولي، اقتصادياً أو أمنياً، لن يكون قدرة السلطات الجديدة على إنتاج خطابات مُرضية، بل على بناء مؤسسات مُحاسبة، شفافة، ومُلتزمة بسيادة القانون وحقوق الإنسان، حتى في مناطق حساسة مثل الساحل، حيث التوازنات المجتمعية هشّة والذاكرة الجماعية لا تزال ترزح تحت وطأة عقود من الترهيب والتمييز.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث