الجيش في قبضة الظل: نسرين ديبو وسنوات التفكك الصامت

خاص - المدنالاثنين 2025/12/22
النظام.jpg
نسرين ديبو و"دفاع الظل": كيف خسر الجيش قبل المعركة (انترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

عندما سقطت دمشق، لم يكن المشهد عسكرياً بالمعنى التقليدي للكلمة. لم تُسجَّل معركة فاصلة، ولم تُلتقط صورة أخيرة لقيادة تقاتل حتى النهاية. ما جرى كان أقرب إلى انسحابٍ جماعي من الفكرة نفسها: فكرة الدولة القادرة على الدفاع عن ذاتها.

لم ينهَر الجيش لأنه خسر المعركة، بل لأنه كان قد خسر، منذ زمن، القدرة على اتخاذ القرار.

في هذا الفراغ، بدأت الأسماء بالظهور. ليست أسماء قادة ميدانيين أو جنرالات معروفين، بل شخصيات عملت طويلاً خارج الضوء. من بين هذه الأسماء، برز اسم نسرين ديبو، لا بوصفها سبباً مباشراً للانهيار، بل علامةً دالّة على طريقة اشتغال السلطة في سنواتها الأخيرة.

لم تكن نسرين ديبو تشغل موقعاً رسمياً رفيعاً داخل المؤسسة العسكرية. رتبة متوسطة "رائد"، حضور غير معلن، وغياب شبه كامل عن الصور والبيانات العامة.

ومع ذلك، يُنسَب إليها نفوذ واسع على ملفات شديدة الحساسية، من الإمداد والتموين، إلى الترفيعات والتعيينات، وصولاً إلى إقصاء ضباط أعلى منها رتبة... وإعطاء الأوامر لهم وتوبيخهم وإعطاء الامتيازات لآخرين.

هذه المفارقة ليست جديدة في تاريخ الأنظمة الأمنية. فعندما تتحوّل المؤسسة العسكرية إلى موضوع شك دائم، يغدو معيار "الثقة الأمنية" أعلى من معيار الكفاءة المهنية. عندها، لا تعود الرتبة انعكاساً للمسؤولية أو الخبرة، بل تتحول إلى قيد، فيما يُمنَح النفوذ الفعلي لمن يعمل خارج الهرم العسكري، أو فوقه، أو بمحاذاته.

بهذا المعنى، لا تُقرأ نسرين ديبو كضابطة "صعدت" في السلم العسكري، بل كنتاج طبيعي لمنظومة أفرغت الرتب من مضمونها، وأعادت توزيع السلطة خارج بنيتها الرسمية.

 

وزيرة دفاع الظل

التسمية التي راجت في التداول الإعلامي ــ "وزيرة دفاع الظل" ــ لا تحيل إلى منصب فعلي بقدر ما تعكس محاولة لفهم دور غير مرئي داخل بنية القرار العسكري. فهي ليست توصيفاً قانونياً، ولا تعبيراً مؤسسياً دقيقاً، بل تشخيص صحافي لحالة حكم تشكّلت خارج القوالب الرسمية، حيث تُمارَس السلطة من دون أن تُعلَن، ويُتَّخذ القرار من دون أن يُنسب إلى جهة واضحة.

في هذا المعنى، لا تشير التسمية إلى شخص بقدر ما تكشف عن بنية موازية: سلطة عسكرية ــ أمنية تعمل خلف الواجهة، تتحكم بمسارات القرار من دون أن تتحمّل كلفة ظهوره العلني أو تبعاته السياسية. سلطة لا تحتاج إلى مرسوم تعيين ولا إلى موقع رسمي، لأنها تستمد نفوذها من القرب من مركز الثقة، لا من السلم الوظيفي... ومن علاقة غير مفهومة الملامح جمعتها بالرئيس المخلوع بشار الأسد.

خلال السنوات الأخيرة التي سبقت السقوط، لم تعد وزارة الدفاع مركز القرار الفعلي. القرار كان يُصاغ في دوائر أضيق، مغلقة، حيث تختلط الحسابات الأمنية بالهواجس السياسية، ويُقاس الأداء العسكري بمدى "الاطمئنان" لا بمدى الفعالية. في هذا المناخ، لم يُنظر إلى الضابط بوصفه عنصراً في منظومة دفاع وطنية، بل كاحتمال تهديد يجب احتواؤه، أو تحييده، أو الالتفاف عليه.

هكذا، تحوّل "الظل" من توصيف مكاني إلى آلية حكم. لم يعد مكاناً يُخبّأ فيه القرار، بل طريقة يُدار بها: تقليص مراكز القوة، تفتيت المسؤوليات، وإبقاء السلطة الحقيقية بلا اسم ولا عنوان. وفي ظل هذه الطريقة، يصبح السؤال عن المنصب أقل أهمية من السؤال عن من يملك حق التأثير، ومن يحدد ما يُقال وما لا يُقال، وما يُفعل وما يُؤجَّل.

بهذا الفهم، فإن "وزيرة دفاع الظل" ليست لقباً بقدر ما هي مرآة لنظام حكم لم يعد يحتمل وضوح السلطة، فاختار أن يُديرها من العتمة.

 

الشلل القيادي

من أكثر السمات التي تتكرر في روايات الضباط المنشقين هو الحديث عن ديبو، وانتظارهم لإشارة القتال منها. في هذا المناخ، لا أحد يقرر، ولا أحد يغامر، لأن المبادرة لم تعد تُقرأ كمسؤولية مهنية، بل كاحتمال خطأ سياسي قد يكلّف صاحبه موقعه، أو أكثر.

في مثل هذه البيئة، تصبح الجرأة عبئاً، ويغدو التردد فضيلة. الضابط الذي يتقدم خطوة إلى الأمام من دون تعليمات واضحة يُنظر إليه بعين الريبة، فيما يُكافأ من يلتزم الحرف ويؤجل القرار. هكذا، يُعاد تعريف القيادة لا بوصفها قدرة على الحسم، بل مهارة في تفادي المخاطرة.

هذا الشلل لم ينشأ فجأة، ولم يكن وليد لحظة الهجوم الأخيرة. هو نتيجة تراكم طويل لسياسات واضحة المعالم: معاقبة المبادرة كلما تجاوزت السقف المرسوم لها، وترقية الطاعة بوصفها الضمانة الأولى للأمان الوظيفي، وتفريغ مواقع القرار من أصحاب الخبرة، لمصلحة شخصيات أقل حضوراً وأكثر قابلية للضبط.

فمنذ سنوات، لم يعد الأمن في سوريا مظلة تحمي الجيش أو إطاراً يسانده، بل تحوّل تدريجياً إلى قيدٍ يشلّه. لم يعد دوره ضبط الإيقاع أو حماية المؤسسة، بل مراقبتها من الداخل، والاشتباه الدائم بعناصرها، والتعامل معها بوصفها خطراً محتملاً لا أداة دفاع.

في هذا المناخ، أصبح كل ضابط ناجح مشروع تهديد، وكل وحدة متماسكة موضع ريبة، وكل إنجاز ميداني خاضعاً لفحص سياسي وأمني قبل أن يُحتفى به عسكرياً. لم تُقاس النجاحات بقدرتها على تعزيز الجبهة، بل بمدى "أمانها" سياسياً، وبحدود تأثيرها على توازنات القوة داخل النظام نفسه.

هكذا، تشكّلت معادلة قاتلة: أمنٌ يخشى الجيش أكثر مما يخشى العدو. الهدف غير المعلن لم يعُد الانتصار، بل منع تشكّل أي مركز قوة مستقل، حتى لو كان الثمن تفكيك القدرة الدفاعية للدولة ذاتها. في ظل هذه المعادلة، لم يعد الجيش مؤسسة ذات وظيفة واضحة، بل مساحة ضبط دائم، تُدار بالشك لا بالثقة، وبالتحجيم لا بالتمكين.

في هذا السياق، لا تُقرأ نسرين ديبو بوصفها حالة استثنائية أو فاعلاً منفصلاً، بل اسماً ارتبط ــ بحق أو بغيره ــ بهذا المنطق نفسه: منطق السلطة التي تعمل على تحييد الجيش كي لا يتحوّل إلى قوة قائمة بذاتها.

 

بعد السقوط

مع انهيار دمشق، اختفت شخصيات كثيرة دفعة واحدة. بعضها ظهر لاحقاً في منافي معروفة، ضمن صور وتسريبات محسوبة، وبعضها الآخر ظل اسمه يتردّد بلا صورة، وبلا بيان، وبلا تأكيد.

في حالة نسرين ديبو، لا يوجد حتى الآن أي إعلان رسمي يحدد مكان وجودها أو وضعها القانوني. ما يُتداول عن مغادرتها ضمن عمليات إجلاء، أو إدراج اسمها في قوائم مساءلة، يبقى في إطار روايات غير مثبتة، تتناقلها مصادر متقاطعة من دون سند علني.

لكن الغياب نفسه ليس تفصيلاً عابراً. هو دالّ بقدر ما هو صامت. فالسلطة التي عملت طويلاً في الظل، تختفي في الظل عند أول لحظة انهيار، من دون أن تترك خلفها سوى الأسئلة والفراغ.

لماذا تُستدعى هذه الأسماء الآن؟

في المراحل الانتقالية، تميل المجتمعات إلى البحث عن تفسير سريع لما جرى. من سهّل؟ من تواطأ؟ من صمت؟

غير أن خطورة هذه اللحظة تكمن في تحويل البنية إلى أشخاص، وفي اختزال انهيار منظومة كاملة بأسماء محددة، أياً كانت درجة مسؤوليتها الفعلية. فالدولة التي سقطت لم تسقط لأن رائداً كان أقوى من جنرال، بل لأن نظاماً كاملاً سمح بذلك، وشجّعه، وبناه كآلية حكم قائمة بذاتها.

إعادة فتح هذه الملفات يجب أن تكون مدخلاً لفهم كيف تُدار الدول من خلف مؤسساتها، وكيف تتحول الأجهزة من أدوات حماية إلى أدوات تعطيل، لا مجرد محاولة لتصفية حساب مع أسماء قد تكون رمزية أكثر مما هي تفسيرية.

في المحصلة، نسرين ديبو ليست القصة، سواء ثبت كل ما يُقال عنها، أو لم يثبت شيء.

القصة أوسع وأعمق: كيف تحوّل الجيش إلى مساحة أمنية. كيف فُكّكت الثقة داخله عمداً. كيف أُدير الخوف بوصفه سياسة حكم لا عارضاً مؤقتاً.

حين تُدار الدولة بعقلية الشك، وحين يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة، فإن الانهيار لا يحتاج عدواً قوياً، بل لحظة اختبار واحدة فقط.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث