لا يخلو يوم من اتهامات متبادلة بين روسيا وأوروبا. روسيا ترى أن أوروبا تتجه نحو مواجهة مفتوحة بعد رفضها اتفاقية الرئيس دونالد ترامب واستمرار تمويل أوكرانيا بالسلاح، فيما تنظر أوروبا إلى روسيا بوصفها مشروع توسّع يسعى إلى إعادة رسم حدود القارة وإحياء منطق النفوذ السوفياتي. هذا المناخ المشحون، المدعوم بتصريحات شبه يومية من أجهزة استخبارات أوروبية تحذّر من احتمال اندلاع حرب خلال سنوات قليلة، وضع القارة في حالة استنفار داخلي، عنوانه غير المعلن: ترتيب البيت الأوروبي قبل أي مواجهة كبرى.
في هذا السياق، لا يُطرح سؤال الحرب وحده، بل سؤال الولاء أيضاً. من سيكون مع أوروبا إذا اندلعت الحرب؟ ومن يُشتبه بأنه لن يكون كذلك؟ هنا يظهر المسلمون، والفلسطينيون تحديداً، في قلب هذا الشك. فبالنسبة للعقل الأمني الأوروبي، التحالف مع إسرائيل ليس تفصيلاً سياسياً، بل ركيزة أساسية، ما يجعل الفلسطينيين، بحكم موقعهم السياسي وروايتهم، موضع ريبة دائمة، لا كمواطنين، بل كحَمَلة قضية تعتبرها أوروبا عبئاً في لحظة توتر دولي.
اليوم، لا تنظر أوروبا إلى المسلمين بوصفهم جزءاً طبيعياً من نسيجها السياسي، بل كجماعات مشكوك في ولائها. هذا الشك لم يعد حكراً على اليمين المتطرف، بل أصبح جزءاً من تفكير أمني أوسع يرى أن المسلم، مهما طال وجوده أو حمل جنسية أوروبية، يبقى خياراً غير مضمون في لحظة الحرب. في هذا المنطق، لا يُتوقّع من المسلم أن يقاتل دفاعاً عن أوروبا، بل يُفترض أنه سيهرب، كما هرب سابقاً من الحروب في بلاده الأصلية. فكيف يمكن الوثوق، بحسب هذا التفكير، بجندي جاء من سوريا أو العراق أو أفغانستان هارباً من القتال؟
أوروبا استفادت من المهاجرين اقتصادياً على مدى سنوات، كيد عاملة رخيصة ومحرك إنتاج أساسي في قطاعات حيوية، لكنها لم تنظر إليهم يوماً كجزء من مشروعها العسكري أو السياسي. ومع اقتراب شبح المواجهة مع روسيا، يعود السؤال بقوة: من سيقاتل؟ ومن يُشكّ مسبقاً في أنه لن يفعل؟ وهنا، لا يعود الشك عاماً أو نظرياً، بل يصبح موجهاً بشكل خاص نحو المسلمين، وتحديداً الفلسطينيين، بحكم التحالف الأوروبي البنيوي مع إسرائيل.
هذا المقال لا يستخدم لغة منمّقة ولا تعابير دبلوماسية. ما سيرد فيه هو شهادات حيّة عمّا يجري فعلياً على الأرض في أوروبا، شهادات يفضّل كثيرون تجاهلها أو تبريرها أو إنكارها، لأنها تكشف انتقالاً واضحاً من التضييق السياسي إلى اختبار الولاء، ومن النقد العلني إلى محاولات منهجية لإسكات الصوت الفلسطيني.
فلسطينيون… لا فلسطين
في السويد، ومع نهاية هذا الشهر، تُغلق آخر مدرسة لتعليم الكبار ذات طابع إسلامي في ستوكهولم، بعد سنوات من استهداف المدارس الإسلامية بذَرائع إدارية ومالية متكررة. رسمياً، لا يُقال إن السبب هو الطابع الإسلامي، لكن الواقع يقول غير ذلك. الإغلاق ليس حادثة معزولة، بل جزء من سياق أوسع يعيد تعريف من هو "مقبول" في المجال العام، ومن يجب تقليص حضوره تدريجياً. لكن الأخطر لا يقتصر على قطاع التعليم، بل يمتد إلى الإعلام والخطاب العام، وخصوصاً حين يتعلّق الأمر بفلسطين.
ثلاث شهادات من عواصم أوروبية مختلفة لأشخاص من أصول فلسطينية عاشوا سنوات طويلة في أوروبا، تكشف توجهاً جديداً يتجاوز إسكات الدفاع عن فلسطين، ليصل إلى محاولة محو كلمة "فلسطين" نفسها من الخطاب العام.
صحافي فلسطيني يدير موقعاً إعلامياً صغيراً، تلقّى طلباً مباشراً من جهات رسمية بعدم استخدام كلمة "فلسطين"، واستبدالها بكلمة "فلسطينيين". لم يكن الطلب نصيحة لغوية أو تحريرية، بل شرطاً واضحاً للاستمرار في العقود الإعلانية والدعم المالي. الرسالة كانت صريحة: يمكنك الحديث عن الفلسطينيين كأفراد أو كجالية، لكن لا تتحدث عن فلسطين كقضية سياسية أو ككيان. الرفض يعني خسارة التمويل.
مؤثرة فلسطينية تلقّت عرض عقد إعلاني يتضمن بنداً يمنعها من "الدفاع عن فلسطين" على منصاتها. وعندما رفضت، قُدّم لها ما سُمّي "حلاً وسطاً": يمكنها الاستمرار إذا امتنعت فقط عن "مهاجمة إسرائيل". أي أن المطلوب ليس الحياد، بل نزع الموقف السياسي بالكامل وتحويل فلسطين إلى موضوع محظور.
أما القصة الأكثر قسوة، فهي محاولة الضغط على صاحب مقهىً يحمل هوية فلسطينية واضحة، لإجباره على تغيير الاسم والطابع. لم يُطلب منه إغلاق المكان، بل تفريغه من رمزيته. الرسالة كانت واضحة: الوجود مسموح، أما الهوية فمرفوضة. لكن الضغط لم يتوقف عند هذا الحد. لاحقاً، جرى سحب طفله من العائلة بحجة أن وجوده في "بيئة معادية" قد يشكّل خطراً عليه. لم تُعرَّف هذه البيئة قانونياً، ولم يُقدَّم أي دليل على تهديد فعلي، سوى الهوية الفلسطينية للمكان ولأصحابه. هكذا، لم يعد الاستهداف رمزياً فقط، بل طال العائلة نفسها، باستخدام أدوات الدولة لا الخطاب العام.
هذه ليست حالات فردية ولا سوء فهم. هي مؤشرات على سياسة ناعمة لكنها ممنهجة، تهدف إلى فصل الفلسطيني عن فلسطين، وتحويله من صاحب قضية سياسية إلى مجرد هوية ثقافية يمكن احتواؤها وتدجينها.
لماذا الفلسطيني تحديداً؟
الاستهداف لا يطال كل المسلمين بالطريقة نفسها. الفلسطيني يُنظر إليه بوصفه خطراً مضاعفاً: مسلم، ومسيس، ويحمل قضية لا تريد أوروبا التعامل معها في لحظة توتر دولي. الدفاع عن فلسطين لم يعد يُعامل كرأي سياسي، بل كشبهة. والكلام عن فلسطين لم يعد توصيفاً، بل تجاوزاً لخطوط غير معلنة.
في أوروبا التي تستعد للحرب، لا مكان للأصوات التي تذكّر بازدواجية المعايير، ولا بالروايات التي تفضح تناقض الخطاب الغربي حول الحقوق والقانون الدولي. الفلسطيني، في هذا السياق، ليس فقط "غير موثوق"، بل مزعج.
من التضييق إلى الإقصاء
ما يجري اليوم لا يشبه القمع المباشر، بل يُدار بأدوات حديثة وأكثر "نظافة": العقود، التمويل، القوانين، السمعة، والمنصات. لا يُقال لك "اصمت"، بل "تكيّف". لا يُطلب منك أن تختفي، بل أن تغيّر لغتك، وأن تنسى اسم قضيتك. وهكذا يُعاد إنتاج مفهوم "عدو الداخل"، لا عبر المنع الصريح أو الاعتقال، بل عبر إنهاك الصوت حتى يصمت، أو تفريغه من معناه.
هذه الشهادات ليست مجرد قصص شخصية، بل وثيقة سياسية عن مرحلة جديدة في أوروبا: مرحلة يُختبر فيها الولاء، وتُقاس فيها المواطنة، ويُعاد فيها تعريف من يحق له الكلام، ومن يجب أن يكتفي بالصمت.
