أقرّ وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الأمن المسؤول عن ملف الاستيطان، بأن حكومة الحالية قامت، خلال ثلاث سنوات، بـ"شرعنة" وتسوية الأوضاع القانونية لـ69 تجمعاً استيطانياً في الضفة الغربية المحتلة، في حصيلة وصفها بأنها "قياسية وغير مسبوقة"، مؤكداً أن الهدف المباشر لهذه السياسة هو إحباط قيام دولة فلسطينية.
وجاءت تصريحات سموتريتش في بيان رسمي أعلن فيه مصادقة الكابينت السياسي–الأمني الإسرائيلي على إقامة وتسوية الأوضاع القانونية لـ19 مستوطنة جديدة في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، وذلك بناءً على اقتراح مشترك قدمه مع وزير الأمن .
منع الدولة الفلسطينية
ولم يُخفِ سموتريتش البعد السياسي للقرارات الاستيطانية، مشدداً على أن "الخطوات التي تُتخذ على الأرض" تندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية، وقال إن هذه الإجراءات تسعى إلى ما وصفه بـ"إحباط إقامة دولة إرهاب فلسطينية"، وتكريس السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الضفة الغربية المحتلة.
وأضاف أن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية في الضفة يندرج، بحسب تعبيره، ضمن "صهيونية بسيطة وصحيحة وأخلاقية"، معتبراً أن "شعب إسرائيل يعود إلى أرضه، يبنيها ويعزز سيطرته عليها".
إعادة رسم خارطة الاستيطان
وبحسب البيان، يشمل القرار إعادة مستوطنتين إلى ما سمته الحكومة "خارطة الاستيطان"، بعد نحو عشرين عاماً على إخلائهما في إطار خطة "فك الارتباط" عام 2005، التي شملت أيضاً مستوطنات في قطاع غزة.
كما تضم القائمة مستوطنات قائمة منذ سنوات، وأخرى في مراحل متقدمة من الإنشاء، في مناطق مختلفة شمالي ووسط الضفة الغربية، في خطوة وصفتها وسائل إعلام إسرائيلية بأنها من أوسع قرارات "تسوية البؤر الاستيطانية" خلال السنوات الأخيرة.
مسار تصاعدي ممنهج
وتأتي هذه المصادقة ضمن مسار تصاعدي تقوده حكومة نتنياهو، يهدف إلى تحويل البؤر الاستيطانية غير المرخصة إلى مستوطنات رسمية، عبر قرارات سياسية وأمنية متلاحقة، شملت في مراحل سابقة فصل أحياء استيطانية عن مستوطنات كبرى، وتحويل عشرات البؤر إلى مستوطنات قائمة بذاتها.
ويسهم هذا المسار في توسيع رقعة السيطرة الإسرائيلية في عمق الضفة الغربية، وتعميق تفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وتقويض أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني متصل جغرافياً.
مستوطنات معزولة
وتعود المستوطنات التي جرى "تسوية" أوضاعها القانونية، بما فيها "غنيم" و"كديم"، إلى ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول بعد اتفاقيات أوسلو إلى جيوب استيطانية معزولة داخل مناطق مصنفة A B .
وتُعد هذه المستوطنات عاملاً رئيسياً في قطع التواصل الجغرافي الفلسطيني في شمال الضفة الغربية، في مناطق كانت مشمولة بحظر الوجود الإسرائيلي بموجب قانون "فك الارتباط"، الذي أفضى عام 2005 إلى إخلاء أربع مستوطنات شمالي الضفة، بالتوازي مع "الانفصال" عن قطاع غزة.
وتقع الأراضي التي أُقيمت عليها مستوطنتا "غنيم" و"كديم" حيث ينفذ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة تحت اسم "خمسة أحجار"، بذريعة تصاعد ما يصفه بـ"التهديدات الأمنية" في المنطقة.
وبحسب تقارير، تشمل قائمة المستوطنات التي صادق عليها الكابينيت بؤراً إضافية يتوغل بعضها داخل مناطق مصنفة B، ما سيؤدي إلى تعميق الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق تخضع، نظرياً، لسيطرة فلسطينية مدنية وأمنية.
إلغاء "فك الارتباط"
ومنذ تنفيذ خطة "فك الارتباط"، أُقيمت عشرات البؤر الاستيطانية في شمال الضفة الغربية، وتسارع هذا المسار بشكل لافت منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، في ظل حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة.
وفي أيار/مايو 2023، أُدخل تعديل على قانون "فك الارتباط"، وصدر أمر عسكري ألغى تطبيقه شمالي الضفة الغربية. وفي أيار/مايو 2024، وبناءً على توجيهات وزير الأمن آنذاك ، جرى إلغاء ما تبقى من القيود القانونية، قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي المنطقة "عسكرية مغلقة".
ثلاث موجات خلال الحكومة الحالية
وتُظهر المعطيات أن الكابينيت الإسرائيلي صادق، منذ تشكيل الحكومة الحالية، ثلاث مرات على تسوية بؤر استيطانية: الأولى في شباط/فبراير 2023 تم تسوية 9 بؤر، وفي حزيران/يونيو 2024 تم تسوية 5 بؤر إضافية، وفي أيار/مايو 2025 تم تسوية 22 بؤرة. وبذلك، تصل حصيلة ما جرى "شرعنته" أو وضعه على مسار الشرعنة إلى 69 تجمعاً استيطانياً خلال ثلاث سنوات.
ويبدو أن بيان سموتريتش، الذي ركز فيه على الحصيلة العددية والهدف السياسي للاستيطان، يأتي في سياق سعي أحزاب الائتلاف اليميني إلى تسجيل "إنجازات ميدانية" على الأرض، في ظل مؤشرات متزايدة على بدء حملة انتخابية مبكرة غير معلنة داخل معسكر نتنياهو.
وبذلك، يتحول الاستيطان من أداة توسّع جغرافي إلى ورقة سياسية داخلية، تُستخدم لتعزيز موقع اليمين المتطرف داخل الحكومة، وفرض وقائع دائمة تتجاوز أي مسار تفاوضي مستقبلي بشأن الضفة الغربية.
