حين يتحوّل القانون إلى خصم للأم والقاصرات

مها غزالالأحد 2025/12/21
سوريا قصر العدل
كيف يعاقب القانون السوري الأمهات باسم الولاية (سانا)
حجم الخط
مشاركة عبر

"أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك".

ليس هذا الحديث النبوي عبارة عاطفية أو وعظاً أخلاقياً، بل قاعدة إنسانية وتشريعية سابقة على القوانين الوضعية، تؤسس لفكرة الرعاية بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة قانونية. غير أن القرار الأخير الصادر عن وزارة العدل السورية بشأن استخراج جوازات سفر القاصرين يسير في الاتجاه المعاكس تماماً: إذ يجرّد الأم من أي صفة أصلية، ويعيد تكريس الولاية العصبية الذكورية باعتبارها حقاً مطلقاً، غير قابل للنقاش أو المساءلة.

هذا القرار لا يقتصر على تنظيم إجراء إداري، بل يقدم تصوراً سياسياً وقانونياً كاملاً عن المرأة، وعن الأم تحديداً، باعتبارها كائناً ناقص الأهلية القانونية، يحتاج إلى إذن، وإلى رقابة، وإلى تبرير دائم لكل فعل يصدر عنه، حتى حين يكون هذا الفعل متصلاً مباشرة بحياة طفلها ومستقبله وحقه في الحركة والأمان.

 

تشريع بلا روح

إن المقاصد السامية للتشريع لا تُدرك بالنصوص المجردة، ولا تُبلَغ بالمواد القانونية وحدها، بل بالأخلاق والرحمة والوعي بالسياق الاجتماعي. فالمشرع الذي يفصل القانون عن واقعه، وعن أثره على الفئات الأضعف، لا يشرع، بل يفرض سلطة.

وحين تُسن القوانين على أساس أخلاقي وعادل، لا تكون هناك حاجة إلى ذرائع واهية – مثل "نقص الكوادر" أو "تنظيم العمل" – لتسويغها أو الدفاع عنها. أما حين تُستخدم هذه الحجج لتبرير التمييز، فإننا نكون أمام تشريع يُفرغ من مضمونه الحقوقي، ويُعاد توظيفه كأداة ضبط اجتماعي.

في هذا القرار، لا نجد أي اعتبار حقيقي لمصلحة الطفل الفضلى، ولا مراعاة لواقع الأسر السورية التي تفككت بفعل الحرب، ولا اعترافاً بالدور المركزي الذي لعبته الأمهات، اللواتي تحملن، على مدى أكثر من عقد، أعباء الإعالة والرعاية واتخاذ القرار في غياب الآباء قسراً أو طوعاً. بل نجد قانوناً أعمى، يتجاهل السياق، ويعيد إنتاج نموذج أبوي متصلّب، كأن البلاد لم تمر بكل هذا الخراب.

 

حين يصبح الظلم قانوناً

توفي والدي وأنا في الثالثة من عمري. ربّتني أمي وحدها، وربّت أخي معي. كانت المرأة التي تعمل وتتعب وتصمت، بينما كنت أرى، منذ طفولتي، كيف يُجحف القانون بحقها. كنت أسأل نفسي دائماً: لماذا هذا الظلم؟ لماذا هذا النكران لإنسانة وهبت حياتها كاملة لنا؟.

المرة الوحيدة التي شعرت فيها بشيء من الإنصاف كانت عندما تقدمت أمي بطلب الوصاية علينا. لم يكن الطلب الأول. في محكمة دوما، سألها القاضي الشرعي:

– هل تنفقين على الأطفال؟

قالت: نعم.

– هل يساعدك أحد؟

قالت: لا، لأن من حولنا لا تسمح ظروفهم المادية بذلك.

عندها منحها القاضي الوصاية الدائمة.

تلك اللحظة لم تكن انتصاراً شخصياً فقط، بل برهاناً على أن القضاء، حين يُترك له هامش تقدير أخلاقي وإنساني، يستطيع أن يكون أداة إنصاف لا أداة قمع.

أصبحت أمي أرملة في عمر 28 عاماً. لم تتزوج لاحقاً، لا لأنها لا تريد الحياة، بل خوفاً من خسارتنا، لأن زواجها من رجل آخر كان سيجردها من حق الحضانة، وكأن الأمومة تُسحب منها إذا قررت أن تبدأ حياة جديدة.

الوصاية العامة التي مُنحت لها لم تؤثر يوماً على علاقتنا بأهل أبي، بل على العكس، وطدتها، وما تزال مستمرة حتى اليوم. وهذا وحده كافٍ لنسف الادعاء القائل إن منح الأم صلاحيات قانونية يهدد "تماسك العائلة".

 

الأم: عبء بلا حقوق

على امتداد تجاربي الحياتية، رصدت معاناة هائلة تتعرض لها الأرامل، لا لأنهن أمهات سيئات، بل لأنهن يفقدن أزواجهن، ثم يُطلب منهن أن يفقدن حقهن بأطفالهن أيضاً.

الحقوق التي تُسحب منهن تتعلق بإدارة حياة الأطفال، وأموالهم، ومستقبلهم القانوني، لكنها لا تتعلق أبداً بتربيتهم، ولا بالسهر، ولا بالخوف، ولا بالتضحيات اليومية غير المرئية. لأن الأم مطالبة بأن تضحي، لكن من دون أن تطالب بأي حق.

 

تهديد للفتيات أيضاً

الخطورة في هذا القرار لا تتوقف عند حدود الأمهات. لأن تقليص صلاحيات القاضي الشرعي لا يهدد النساء فقط، بل يهدد الفتيات القاصرات على نحو مباشر.

فالقاضي كان يملك، في حالات كثيرة، رفض تزويج القاصرات إذا رأى أن الطفلة صغيرة، أو أن الزواج قائم على مصلحة مادية، أو أن هناك تفاوتاً فاحشاً في العمر، أو أن الزوج أجنبي وقد يعرض الطفلة لمخاطر قانونية واجتماعية.

تحجيم هذه السلطة، وربطها بمنطق الولاية العصبية، يعني فتح الباب أمام زواج القاصرات، وتحويل القضاء من جهة حماية إلى جهة تصديق، ومن أداة لدرء الضرر إلى آلية لإضفاء الشرعية عليه.

هذا القرار لا يحمي الأسرة، بل يفرض نموذجاً واحداً لها، ويعاقب كل من يخرج عنه. لا يرى الأم، وبالتالي لا يرى الطفل. ولا يحمي المصلحة الفضلى، بل يكرس سلطة تقليدية منفصلة عن الواقع.

إن القانون الذي لا يرى الأم، لا يرى الطفل. والتشريع الذي يُبنى على الشك بالنساء، سينتهي حتماً إلى الظلم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث