خطة أميركية طموحة لإعمار غزة: تمويل محدود وشروط سياسية قاسية

المدن - عرب وعالمالسبت 2025/12/20
Image-1764746664
إعمار غزة في الرؤية الأميركية: الاستثمار قبل الحقوق(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تُسوق إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصوراتها لإعادة إعمار قطاع غزة، ضمن خطة واسعة النطاق أعدها مستشارون بارزون في الإدارة، تقوم على تمويل أميركي محدود، ورهن التنفيذ بشروط سياسية وأمنية معقّدة، في مقدمتها نزع سلاح المقاومة الفلسطينية.

وكشفت تقارير إعلامية أميركية، أبرزها ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، عن إعداد خطة شاملة لإعادة إعمار قطاع غزة، تهدف - وفق توصيفها- لتحويله إلى منطقة "حضرية متطورة ذات بنى تحتية حديثة"، تشمل مشاريع سياحية كبرى، وشبكات نقل متقدمة، وأنظمة تكنولوجية ذكية، وذلك في أعقاب حرب الإبادة الإسرائيلية التي حوّلت القطاع إلى منطقة منكوبة شبه غير صالحة للحياة.

 

عرض من 32  شريحة

وبحسب الصحيفة، صاغ مستشارون في إدارة ترامب، من بينهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، تصوراً أولياً للخطة خلال الأسابيع الأخيرة، قُدم في عرض مؤلف من 32  شريحة، تضمن صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي لمدن ساحلية حديثة، تُقارن بين مشاهد الدمار الحالي، ولا سيما في محيط مستشفى الشفاء، وصور مستقبلية تُظهر أبراجاً سكنية راقية، ومرافئ سياحية، وشبكات طرق متطورة.

وجاء في العرض أن الهدف هو "نقل سكان غزة من واقع الدمار والبؤس إلى مستوى معيشة مزدهر"، عبر الانتقال من الخيام والملاجئ المؤقتة إلى مجمعات سكنية حديثة، في خطاب يعكس مقاربة اقتصاديةعمرانية تتجاهل السياق السياسي والإنساني للصراع.

 

واشنطن تمول الخُمس فقط

تُقدر كلفة إعادة الإعمار، وفق الخطة، بنحو 112  مليار دولار خلال السنوات العشر الأولى، تلتزم الولايات المتحدة بتمويل نحو 20%  منها فقط، فيما يُعول على دول "غنية في المنطقة" لتغطية الجزء الأكبر من التمويل، دون أي التزام بإلزام إسرائيل بتحمّل كلفة الدمار الذي تسببت به.

وتفترض الخطة أن يبدأ قطاع غزة، خلال العقد الثاني، بتمويل جزء من مشاريعه ذاتياً، عبر عائدات السياحة والصناعات المحلية، لا سيما من خلال تطوير الشريط الساحلي وتحويل مساحات واسعة منه إلى مناطق استثمارية وسياحية، يُتوقع – بحسب التصوّر الأميركي –  أن تحقق أرباحاً تتجاوز 50  مليار دولار على المدى الطويل.

 

مراحل التنفيذ

وتنص الخطة على أربع مراحل تنفيذية رئيسية، تبدأ بإزالة الأنقاض والذخائر غير المنفجرة، وإنشاء مساكن ومرافق طبية مؤقتة، قبل الانتقال إلى بناء المساكن الدائمة والبنى التحتية الأساسية، بما يشمل شبكات كهرباء تعتمد على نظم ذكية، ومدارس ومستشفيات وطرق ومراكز دينية وثقافية.

ويُفترض أن يبدأ التنفيذ من جنوب القطاع، وتحديداً في رفح وخان يونس، ثم ينتقل إلى وسط غزة، على أن تُعاد إعمار مدينة غزة في المرحلة الأخيرة، في ترتيب يثير تساؤلات سياسية وديمغرافية حول أولويات الإعمار واتجاهاته.

وتتضمن الخطة تصوّراً لتحويل رفح إلى مقر للحكم المحلي، مع بناء نحو 100 ألف وحدة سكنية لإسكان أكثر من نصف مليون شخص، إضافة إلى إنشاء 200 مدرسة، و75 مرفقاً صحياً، و180 مسجداً ومركزاً ثقافياً.

 

شرط نزع السلاح

غير أن التقارير الأميركية نفسها تُقر بأن تنفيذ الخطة مرهون بشرط أساسي يتمثل في تجريد حركة "حماس" من السلاح وإزالة شبكة الأنفاق، وهو ما يشكك مسؤولون وخبراء في إمكانية تحققه ونقلت "وول ستريت جورنال"  عن أحد الباحثين قوله إن "شيئاً من هذا لن يتحقق، لأن الحركة لن تتخلى عن سلاحها، وبالتالي لن يتحقق الإعمار".

كما أبدى مسؤولون أميركيون قلقهم من صعوبة إقناع الدول المانحة بتمويل المشروع، في ظل احتمال تجدد القتال، وغياب أي ضمانات حقيقية تحول دون اندلاع حرب جديدة خلال سنوات قليلة.

 

عرض إقليمي 

ووفق التقارير، عُرضت الخطة على عدد من الدول، من بينها دول خليجية، وتركيا، ومصر، وجرى نقاشها خلال لقاءات عُقدت في الولايات المتحدةكما أشارت مصادر أميركية إلى أن المرحلة الأولى قد تنطلق خلال شهرين، في حال توفّرت "الظروف الأمنية المناسبة".

وفي بيان للبيت الأبيض، أكدت الإدارة الأميركية أنها "ستواصل العمل مع شركائها للحفاظ على وقف إطلاق النار وتمهيد الطريق نحو قطاع آمن ومزدهر"، دون أي إشارة إلى رفع الحصار أو ضمان الحقوق السياسية للفلسطينيين.

 

إعمار مشروط 

وتأتي هذه الرؤى العمرانية في أعقاب حرب مدمرة شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، بدعم سياسي وعسكري ومالي مطلق من الولايات المتحدة، وأسفرت – بحسب مصادر صحية فلسطينية ودولية – عن نحو 70  ألف ضحية، إلى جانب دمار واسع للبنى التحتية والمساكن والمرافق العامة.

ورغم أن واشنطن تعرض اليوم خطة لإعادة الإعمار، إلا أنها تتجاهل مسؤوليتها المباشرة عن دعم الحرب، ولا تتضمن أي مطالبة لإسرائيل بتحمّل كلفة الدمار أو دفع تعويضات، بل تنقل عبء التمويل إلى دول أخرى، مقابل اشتراطات أمنية صارمة تُقدَّم بوصفها "مدخلاً للازدهار".

وبذلك، تبدو عملية إعادة بناء غزة رهينة حسابات سياسية وأمنية معقدة، أكثر من كونها استجابة إنسانية عاجلة لحجم الكارثة، في مفارقة يرى منتقدون أنها محاولة لإعادة تشكيل مستقبل القطاع سياسياً، مقابل إزالة أنقاض خلفتها حرب كانت واشنطن أحد أبرز داعميها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث