تتعامل دوائر صنع القرار في أنقرة مع التطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، بوصفها فرصة تاريخية لترسيخ مكانة تركيا كقوة إقليمية ولاعب دولي لا يمكن تجاوزه. تجلّت هذه الفرص بوضوح مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وانشغال الولايات المتحدة بحربها التجارية والاقتصادية مع الصين، وميل الإدارة الجديدة لتقليص الانخراط العسكري المباشر في بؤر التوتر؛ مما سمح لهذه التطورات بأن تتقاطع بشكل استراتيجي مع الطموح التركي.
تركيا تسابق الزمن
على الرغم من تحقيق تركيا منذ العام 2014 تقدماً كبيراً في حربها ضد حزب العمال الكردستاني، سواء في الداخل أو شمالي العراق وسوريا، إلا أن التحولات الأخيرة دفعتها لإعادة ترتيب أوراقها، وفتح قنوات حوار مع التنظيم بعد أكثر من 40 عاماً من الصراع الدموي. وتبنى الرئيس رجب طيب أردوغان نهاية عام 2024 المبادرة التي طرحها حليفه دولت بهتشلي في تشرين الأول/أكتوبر 2024، تحت مسمى "تركيا بلا إرهاب"، كهدف قومي يستدعي "تصفية" الملف سياسياً واجتماعياً.
بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا والرسائل الإيجابية من واشنطن، سرّعت أنقرة الخطى لرسم معالم سياستها وفق منظورين: رؤية "قرن تركيا" طويلة الأمد، ومسار "تركيا بلا إرهاب" الذي فرضته ضرورات المرحلة. شباط/فبراير 2025 أعلن زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من محبسه بجزيرة إمرالي، حل المجموعات المسلحة وتبعه القرار الرسمي للحزب بإلقاء السلاح في مايو/أيار من العام ذاته.
وكانت المفاجأة المدوية على الصعيد الداخلي من دولت بهتشلي، المتشدد في التعامل الأمني مع حزب العمال الكردستاني، عندما أعلن ترحيبه بدعوة أوجلان وكشف جانباً من مآلات هذا المسار بقوله: "بمقدور تركيا تحويل هذا التطور إلى ميزة استراتيجية لصالحها في ظل النظام العالمي الجديد".
لم يقتصر الأمر عند الداخل، بل أعطى أردوغان للمسار بعداً إقليمياً جديداً ليشمل العراق وسوريا، حيث تطور المصطلح في خطاباته من "تركيا بلا إرهاب" إلى "منطقة بلا إرهاب"، مؤكداً أن الهدف هو بناء واقع يقوم على "التنمية والتضامن والتعاون".
يهدف مسار "تركيا بلا إرهاب" على الصعيد الداخلي لإحداث تحول جذري تجاه الأكراد من المواجهة العسكرية إلى الحل الدستوري الشامل. وصياغة عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف المواطنة والمساواة، وقد يصل في نهاية المطاف للتحالف معهم تحت قبة البرلمان من أجل تحقيق الأغلبية لتغيير الدستور. أما في سوريا والعراق، تسعى تركيا لتقديم المشاريع والرفاه والتنمية للمناطق الكردية، لسحب البساط من تحت المنظمات الكردية وقطع الطريق أمام أي تحالف لها مع قوة خارجية لا سيما إسرائيل.
دبلوماسية الممرات تحتم ردم الخنادق
رفض الرئيس التركي في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، التوقيع على مذكرة التفاهم حول الممرّ الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) وصرح للصحفيين أثناء عودته: "لن يكون هناك ممر اقتصادي عالمي دون تركيا".
أرادت أنقرة شق مسارها الخاص عبر "طريق التنمية" الذي يربط ميناء الفاو العراقي بالأراضي التركية، وهو المشروع الذي وضع إطاره العملي والتمويلي في نيسان/أبريل 2024 بمشاركة قطر والإمارات.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر تحول مشروع "طريق التنمية" إلى واقعٍ مع إنجاز نحو 75 من التصاميم النهائية والدراسات الخاصة بالطريق من السكك الحديدية والطرق السريعة، وإلى جانب وضع خطط لمشاريع تنموية ومعامل ومصانع على طول الطريق البالغ 1200 كيلومتر ويربط الخليج العربي بأوروبا مروراً بالعراق وتركيا.
لا يمكن الفصل بين مسار "تركيا بلا إرهاب" وبين الجدوى الاقتصادية لـ"طريق التنمية". فبينما تسعى أنقرة لتصفية ملفها الأمني التاريخي، فإنها تضع في الوقت نفسه حجر الأساس لممر تجاري يربط الخليج بأوروبا. إن نجاح هذا المسار وتحوله إلى رؤية استراتيجية تشمل العراق وسوريا، يشكل الأساس الذي لا يمكن بدونه لمشروع "طريق التنمية" أن يرى النور، في خضم سباق محموم لترسيخ واقع جيوسياسي تسعى تركيا لتكون فيه بقلب خارطة الاقتصاد العالمي.
