سوريا ما بعد الأسد: برهان غليون يشرح مرحلة عام التغيير الأول

أنيس المهناالجمعة 2025/12/19
b8280022-5db6-413b-9b47-c1f447ba1d54.jpg
برهان غليون ينتقد السلطة الانتقالية.. بعد عام على سقوط الأسد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في أجواء باردة تحاول استشراف مستقبل سوريا بعد خمسين عاماً من حكم الأسدين، استضاف منتدى بردى ومبادرة نرتقي، بالتعاون مع حركة مدنية في بيت فارحي بدمشق القديمة، المفكر السوري الدكتور برهان غليون. 

جاءت الندوة كمحاولة جريئة لتشريح حصاد العام الأول بعد سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، وقراءة التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية، واستشراف آفاق المستقبل السوري. وأكد غليون  رغبته في الاستماع إلى الحضور لفهم الواقع السوري بشكل أعمق، معتبراً أن الهدف الأساسي اليوم هو "توجيه الفعل وليس فقط الإدانة"، والبحث عن مسارات للمساهمة في التغيير الإيجابي بغض النظر عن رغبة السلطة.

 

حصاد أولي إيجابي

أكد غليون أن أهم إنجاز تحقق خلال العام الأول بعد سقوط النظام هو "زوال الرعب المطلق" الذي كان يخيم على الشعب السوري. فالناس الذين كانوا "يرشون الملح على جراحهم" ويسعون للهروب من البلد، بدأوا يتكلمون وينتقدون الأخطاء بصراحة. وبرزت معارضة حقيقية، وإن لم تكن منظمة بالكامل، مما يشير إلى وجود مساحة من الحريات تسمح بإعادة بناء القوى الاجتماعية والنقابية والسياسية. وأشار إلى أن ارتفاع سقف التوقعات الشعبية بتحسين الأجور والخدمات، وتوسع نطاق التواصل المجتمعي عبر المنتديات التي تشهد صراعات فكرية وسياسية، كلها علامات على تحول إيجابي. ولفت إلى أن "الأمل أصبح القاطرة" التي تدفع السوريين نحو العمل بعد سنوات من اليأس، مع تحسن نسبي في الخدمات، وإن كان الناس ما زالوا يتحملون عبئها.

 

عوائق التحول الديمقراطي

انتقد غليون أداء السلطة الانتقالية بقوة، معتبراً أنها أخفقت في مجالات كان من السهل معالجتها اذا جاز التعبير. وأكد أن "العدالة الانتقالية" هي المدخل الأساسي لدولة القانون، وأن تجاهلها يؤدي إلى استمرار جراح الماضي ورغبة الضحايا في الانتقام، ورغبة المتورطين في التشويش على الاستقرار. ودعا إلى خطوات رمزية و أخرى جوهرية مثل استقبال رئيس الجمهورية لأهالي الضحايا، وتحويل السجون الرهيبة (صيدنايا وغيره) إلى متاحف لحفظ الذاكرة الجمعية.

كذلك، اعتبر غليون أن السلطة أخطأت في إدارة الملف التفاوضي مع إسرائيل، حيث فتحت مفاوضات بدون تفاهم مسبق مع الدول المؤثرة، مما أدى إلى وصول التغوّل الإسرائيلي إلى أبواب العاصمة. 

كما انتقد الإعلان الدستوري، مقترحاً أن تصوغ السلطة إعلان مبادئ بسيط يلتزم بالقانون حتى إقرار قوانين جديدة، وأن تعلن بوضوح أن الوضع استثنائي وأن الشعب سيقرر مصيره بعد عامين أو ثلاثة على الأكثر عبر انتخابات ديمقراطية حقيقية.

 

التحدي المجتمعي

توقف غليون مطولاً عند التحديات المجتمعية العميقة، محذراً من خطورة "حالة الاستقطاب" التي يتحول من خلالها أي خلاف بسيط إلى أزمة كبرى، كما حدث في الجنوب والسويداء، والساحل، حيث تحولت المطالبات السياسية إلى نزاعات مفتوحة. وأشار إلى عودة ظهور "العصبيات العشائرية والطائفية والإثنية"، مما يعكس جذوراً أعمق في بنية المجتمع السوري. وتساءل: كيف يمكن تغيير هذه البنى الراسخة على أرض الواقع؟ مؤكداً أن المهمة لا تقع على عاتق النخب وحدها، بل تحتاج إلى عمل ثقافي وإعلامي مستمر لترسيخ فكرة أن "الشعب هو مصدر السلطة"، وهي فكرة لا تزال غائبة عن وعي الكثيرين.

 

المجتمع المدني لبناء مستقبل سوريا

اختتم غليون مداخلته بالتأكيد على الدور المحوري للمجتمع المدني، الذي وصفه بـ"المروحة الواسعة" التي تضم النقابات ولجان الأحياء والأحزاب. واعترف بفشل النخب المعارضة في قيادة الثورة بشكل مناسب، لكنه شدد على أن "الثورة لم تفشل"، لأن تطلعات الشعب نحو الحرية والتخلص من الاستبداد ما زالت حيّة. وفسّر وصول أشخاص غير منتمين للثورة إلى الحكم بأنه دليل على أن الثورة هي التي أوصلتهم، معتبراً أن الإسقاط الفعلي للنظام كان بفعل الشعب، بينما كان الفشل في "إيصال الثورة إلى بر الأمان" بسبب القيادة غير الملائمة للمعارضة. ودعا إلى تعزيز المجتمع المدني كقوة ضاغطة وفاعلة في صناعة المستقبل السوري الديمقراطي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث