رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تقديم أي تنازلات جديدة بشأن شروط إنهاء الحرب في أوكرانيا، معتبراً أن المسؤولية تقع على عاتق كييف والدول الأوروبية لاتخاذ "الخطوة التالية"، في موقف يعكس استمرار التصلب الروسي إزاء المسار التفاوضي الجاري.
ويأتي موقف بوتين في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة تحركاتها الدبلوماسية لدفع مفاوضات سلام بين موسكو وكييف، وسط تباينات متزايدة بين الأطراف المعنية، وتصعيد عسكري واقتصادي متزامن مع الجهود السياسية.
جولة تفاوض جديدة
في هذا السياق، قال كبير المفاوضين الأوكرانيين ووزير الدفاع رستم أوميروف إن وفد بلاده سيبدأ، جولة جديدة من محادثات السلام مع الولايات المتحدة، لبحث مقترحات تتعلق بكيفية إنهاء الحرب المستمرة منذ قرابة أربع سنوات.
وأوضح أوميروف، الموجود في الولايات المتحدة لإجراء هذه المحادثات، في منشور عبر تطبيق "تلغرام"، أن شركاء كييف الأوروبيين سيشاركون في الجولة الجديدة، في إطار تنسيق غربي أوسع بشأن مسار التسوية.
وأضاف: "نتمتع بعقلية بناءة. أجرينا بالفعل مشاورات تمهيدية مع زملائنا الأوروبيين، ونستعد لمزيد من المناقشات مع الجانب الأميركي. يجب ضمان أمن أوكرانيا على نحو يعتدّ به على المدى الطويل".
وتسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تسريع الجهود الرامية لإنهاء الحرب، في ظل ضغوط سياسية داخلية وخارجية، فيما أجرى مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر صهر الرئيس، محادثات هذا الأسبوع في برلين مع مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن ويتكوف وكوشنر يخططان أيضاً للقاء وفد روسي في مدينة ميامي مطلع الأسبوع المقبل، في مسعى لفتح قناة تفاوض موازية مع موسكو.
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد أعلن أن كييف وواشنطن اتفقتا على عدد من الوثائق، من بينها إطار سلام من 20 بنداً، وضمانات أمنية، وخطة لإعادة إعمار أوكرانيا، غير أنه أقر بعدم التوصل إلى مقترحات نهائية موحدة حتى الآن، مشيراً إلى أن قضايا الحدود لا تزال عالقة.
تحذير ماكرون من التهميش
في موازاة ذلك، حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من تهميش الدور الأوروبي في محادثات السلام، مؤكداً أن أوروبا قد تضطر إلى إعادة الانخراط في حوار مباشر مع بوتين إذا فشلت الجهود التي تقودها الولايات المتحدة.
وقال ماكرون، في مؤتمر صحافي عقده في بروكسل على هامش قمة قادة الاتحاد الأوروبي، إن القارة لا يمكنها حرمان نفسها من قناة اتصال مع موسكو في وقت تمتلك فيه إدارة ترامب خطاً تفاوضياً مباشراً مع الكرملين.
وأضاف "إما أن يتم التوصل إلى سلام قوي ودائم، مع الضمانات الأمنية المطلوبة، أو سنحتاج في الأسابيع المقبلة إلى إيجاد طرق لإعادة انخراط الأوروبيين في حوار شامل مع روسيا، وبشفافية كاملة".
وأشار ماكرون إلى أن استبعاد الأوروبيين من محادثات السلام أثار امتعاض عدد من قادة الاتحاد الأوروبي، الذين اضطروا إلى دعم الموقف التفاوضي الأوكراني من الهامش، محذراً من أن بقاء أوروبا خارج غرفة التفاوض سيؤدي إلى فقدان التأثير في مخرجات أي اتفاق محتمل.
تصعيد عسكري أوكراني
وأعلنت أوكرانيا أنها وسّعت نطاق عملياتها ضد البنية النفطية الروسية، مستهدفة للمرة الأولى ناقلة نفط تابعة لما يُعرف بـ"أسطول الظل" الروسي في البحر المتوسط باستخدام طائرات مسيّرة جوية.
وقال مسؤول في جهاز الأمن الأوكراني إن الناقلة "قنديل" تعرضت لأضرار بالغة أثناء وجودها في مياه دولية قبالة السواحل الليبية، على بعد أكثر من ألفي كيلومتر من الأراضي الأوكرانية، مشيراً إلى أن السفينة كانت فارغة عند استهدافها.
وبحسب بيانات ملاحية، كانت الناقلة في طريقها من ميناء سيكا الهندي إلى ميناء أوست لوغا الروسي على بحر البلطيق. ولم تصدر موسكو تعليقاً رسمياً على الهجوم.
ويأتي هذا التطور في إطار حملة أوكرانية متصاعدة خلال عامي 2024 و2025، ضد مصافي النفط والمنصات والناقلات الروسية، في محاولة لتقويض مصادر تمويل الحرب، رغم العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.
دعم مالي أوروبي
ورحبت أوكرانيا بقرار قمة الاتحاد الأوروبي تزويدها بدعم مالي بقيمة 90 مليار يورو على مدى العامين المقبلين، عبر قرض مضمون بميزانية الاتحاد، بعد فشل القادة الأوروبيين في التوصل إلى اتفاق لاستخدام الأصول الروسية المجمدة بسبب تعقيدات قانونية وسياسية.
وكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على تطبيق "تلغرام": " إن الدعم الكبير يعزز قدرتنا على الصمود"، فيما قال نائب وزير الخارجية الأوكراني سيرغي كيسليتسيا إن القادة الأوروبيين توصلوا إلى "نتيجة قابلة للتطبيق"، رغم صعوبة المفاوضات.
في المقابل، اعتبر بوتين أن تراجع الاتحاد الأوروبي عن خطة استخدام الأصول الروسية المجمدة حال دون ما وصفه بـ"سرقة علنية"، محذراً من أن تنفيذها كان سيقوض الثقة باليورو ويزعزع النظام المالي الأوروبي.
ويعكس هذا التداخل بين المفاوضات السياسية، والتحذيرات الأوروبية، والتصعيد العسكري، والضغوط الاقتصادية، حجم التعقيد الذي يحيط بمحاولات إنهاء الحرب، في وقت تتزايد فيه داخل أوروبا مخاوف من تراجع الدعم الشعبي واستفحال ما يصفه بعض القادة بـ"الإرهاق من الحرب".
