نهاية الأولتراس: كيف حوّل السيسي الملاعب إلى رفاهية مقنّنة

أحمد عبد الحليمالخميس 2025/12/18
Image-1766062498
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يُعدّ مسار مجموعات الأولتراس في مصر قراءة معمقة لتاريخ صراع السلطة على العلنية وشروط الوجود الجماعي في المجال العام المعاصر، فلا يمكن التعامل مع هذه الظاهرة كحركة شبابية هامشية، بل باعتبارها نقطة تقاطع حادة بين قوة التنظيم الذاتي ومنطق الدولة السلطوية الساعي بلا هوادة إلى احتكار الفضاء العام، وضبط كل شكل من أشكال الظهور غير المُرخص أو المَرْضي عنه. فالنظام لا يلغي المجال العام بمرسوم، بل يقوم بما هو أخطر: إعادة تشكيله وتحويله إلى فضاء علني منزوع السياسة بالكامل. في هذا التحول، يُجرَّد الملعب من إمكانياته كساحة للنقاش ويصبح فضاءً سياسياً مُقنَّعاً، تُفرض فيه شروط الحضور مسبقاً، وتخضع فيه الأجساد والأصوات لرقابة دقيقة باسم الأمن والنظام.

 

المقاومة كنتاج للقمع

يُعَد تسييس الأولتراس ظاهرة شبه أنطولوجية لا أيديولوجية؛ فهو لم ينشأ من تبنّي وعي حزبي، بل من الممارسة، أي من الاحتكاك القسري والمُِستمر بما يُسميه ميشيل فوكو "السلطة التأديبية". إن التفتيش المهين، والمنع التعسفي للافتات والأدوات التي تكون بحوزة الجمهور عند حضورهم للمباريات، والتحِكم في كل حركة داخل الملعب، ليست مجرد إجراءات روتينية، بل هي تقنيات لإخضاع وتنميط الجسد الجماعي طالما مارستها قوات الأمن سواء في عهد حسين مبارك وعبد الفتاح السيسي، إنها كانت بمثابة محاولة لقولبة الجمهور في شكل يرضي منطق الانضباط الأمني.

غير أن ديناميكية فوكو الأعمق تؤكد أنه حيثما وجدت السلطة وجدت المقاومة داخل شبكة علاقاتها ذاتها. لم تُنتِج السلطة التأديبية الخضوع المطلق، بل ولَّدت التسييس غير المقصود. لقد أفرز القمع المتكرر هوية جمعية صلبة قوامها الشعور العميق بانتهاك الكرامة والحق الأصيل في الظهور العلني الحر. في هذا الفضاء المضغوط، تحولت الأغنية الرياضية من مجرد وظيفة تشجيعية إلى خطاب رمزي كثيف محمَّل بالرفض، والسخرية، والتحدي الصارخ للأنظمة السياسية، ولاسيما ممارستها الأمنية العنيفة. منا هنا، أصبح الصوت الجماعي للأولتراس وسيلة لاستعادة سيادة الجسد من قبضة الانضباط القسري.

تُعَد هذه اللحظة، أي لحظة الاشتباك بين روابط الأولتراس وأجهزة الأمن، بمثابة تشكّل مجال عام سياسي بديل بامتياز. فالخطر السلطوي الأساسي لم يكمن في محتوى الشعارات، بل في وجود بنية تواصلية مستقلة، قادرة على التعبئة والتجميع والمشاركة السياسة دون انتماء سياسي واضح، أي في إمكانية أن يجتمع الأفراد في فضاء حقيقي ويتحولوا إلى جماعة واعية بذاتها وبقوتها، ما شكل تهديدا كبيرا للسُلطوية السياسية في مصر.

 

فضاء الاستثناء

بعد ثورة كانون الثاني/يناير عام 2011، ومع انكشاف القوة التعبوية للأولتراس والتي ساهمت في نجاح الثورة واستكمال الحماسة الثورية في فترة بعد سقوط مبارك، انتقل منطق الدولة، بقيادة المجلس العسكري، من الضبط اليومي إلى العقاب الاستثنائي والعنيف، الذي هدِفَ إلى محو الأثر بالكامل. لقد مثَّلت مذبحة بورسعيد في شباط/فبراير عام 2012، بحق أولتراس النادي الأهلي لحظة فاصلة ليس فقط في سياق العنف، بل في رمزيته السياسية، إذ عُوقب الجسد الجماعي للأولتراس داخل فضاء مغلق ومحتجز، في تجسيد حي لمفهوم الفيسلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن عن "الحياة العارية"، حيث يُجرَّد الجسد من كل حماية قانونية ويُعرَّض للموت والقتل باسم استعادة النظام المطلق. هذا العنف لم يكن فوضوياً؛ بل كان عنفاً سيادياً يستهدف فاعلاً محدداً بهدف عقابه وإسكاتِه.

تكرر هذا المنطق بشكل مكاني مُهندَس في مذبحة الدفاع الجوي في شباط/فبراير من عام 2015، بحق أولتراس نادي الزمالك، إذ استُخدمت تقنيات الضبط المكاني — الأقفاص، الممرات الخانقة، الغاز المسيل — كأدوات مباشرة للقتل. لكن، والأهم من العنف الفيزيائي كان ما تلاه: تحويل هذا العنف إلى مبرر قانوني لتجريم الوجود التنظيمي بالكامل. كان تصنيف روابط الأولتراس كجماعات إرهابية في عام 2015، ومن ثم حظرها الصريح في قانون الرياضة في عام 2017، بمثابة انتقال من العنف العاري إلى ما يمكن تسميته بالتجريم القانوني.

هنا، يتحول الملعب إلى "فضاء استثناء"، حيث تُعلَّق القواعد القانونية العادية بشكل صريح على مجموعة محددة باسم السيادة المطلقة. في هذه المرحلة، يتقاطع منطق فوكو القائم على الضبط عبر المؤسسة والقانون مع منطق أغامبين القائم على تعليق القانون ذاته باسم الضرورة، والاستثناء، لينتجا معاً صيغة سلطوية هجينة تُقصي التنظيم الجماعي كلياً من أي إطار شرعي في المجال العام.

 

نظام "تذكرتي".. المراقبة وإدارة الجماهير

ابتداءً من عام 2018، لم تعد مقاربة السلطة للملاعب قائمة فقط على القمع المباشر أو المنع الأمني، كما كانت من قبل، بل دخلت مرحلة أكثر تطوراً وتعقيداً، يمكن وصفها بمرحلة إدارة التجربة الجماهيرية نفسها. لم يعد السؤال: كيف نمنع الجمهور؟ بل: كيف نسمح له بالحضور، ولكن وفق شروطنا، وبالصورة التي نريدها. ومع العودة المحدودة للجماهير إلى المدرجات بعد عام 2021، ظهر نظام "تذكرتي" بوصفه الأداة المحورية لتحقيق هذا التحول، ليس فقط كوسيلة تنظيم، بل كآلية حكم كاملة داخل الفضاء الرياضي.

ظاهرياً، يُقدَّم "تذكرتي" كنظام تقني حديث يهدف إلى تسهيل الدخول، ومنع التكدس، وتحقيق الانضباط. لكن، إذا نظرنا إليه من منظور ميشيل فوكو المتأخر حيال السياسية الحيوية، سنكتشف أن المسألة أعمق بكثير. فالنظام لا ينظم الدخول فحسب، بل يدير الحياة الجماهيرية عبر البيانات. إنه تطبيق واضح لـ"الضبط الرقمي"، حيث يُعاد تعريف الحضور بوصفه امتيازاً مشروطاً، لا حقاً جماعياً.

لم يعد الذهاب إلى الملعب فعلاً عفوياً أو تجربة جماعية مفتوحة، بل سلسلة إجراءات تبدأ بالتسجيل، وتمر بالتصنيف، وتنتهي بالفرز الأمني المسبق. كل مشجع يتحول إلى ملف رقمي: اسم، رقم قومي، سجل، قابلية للقبول أو الاستبعاد. وبضغطة زر، يمكن منع شخص من الدخول دون تفسير أو مساءلة. هكذا، ينتقل الجمهور من كونه جسداً حياً يهتف ويتفاعل، إلى مجموعة بيانات صامتة تُدار من خلف الشاشات، ويغدو الملعب فضاءً للانتقاء المسبق، لا ساحة للتجمع الحر.

في هذا السياق، لا يتم تفريغ المجال العام الرياضي بالقوة، بل بالتقنية. يُسمح بالحضور، لكن بعد تنقيته من أي عناصر "غير مرغوب فيها". وبهذا المعنى، يتم إفراغ المدرجات من إمكانياتها العفوية والتمردية، وتحويلها إلى فضاء منضبط سلفاً، لا يُفاجئ السلطة ولا يخرج عن النص المرسوم.

هنا، ينقلب تصور الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن المجال العام رأساً على عقب. فالعلنية، التي يفترض أن تعني إمكان النقاش والمساءلة وتشكّل الإرادة الجماعية، تتحول إلى شفافية قسرية. بمعنى، أن تكون حاضراً يعني أن تكون مرئياً بالكامل للسلطة، خاضعاً لمراقبتها، دون أن تمتلك أي قدرة مقابلة على مُساءلتها أو حتى الاختفاء عنها، حيث إنها علنية باتجاه واحد: من المواطن إلى الدولة، لا العكس.

وبهذا، لا يعود الحضور الجماهيري تعبيراً عن المجتمع، بل انعكاساً لاختيار أمني مسبق. الجمهور الموجود في المدرجات هو "الجمهور المرغوب فيه أمنياً" فقط، بينما يُقصى المشجعون الذين شكّلوا في الماضي نواة الفعل الجماعي، والذاكرة، والهتاف، والاحتجاج. يتم هذا الإقصاء بهدوء ومنهجية، دون صدامات أو ضجيج، لكنه أكثر فاعلية من المنع الصريح، وكانت النتيجة فضاء نظيف، معقّم، مجهّز للفرجة المنظمة، لكنه خالٍ من الروح التي جعلت المدرجات يوماً ما مساحة للسياسة، لا مجرد الترفيه.

نهاية، لا يمكن اختزال تجربة الأولتراس في مصر في كونها مجرد قصة قمع أمني لجماعة شبابية متمردة، بل يجب قراءتها بوصفها تجسيداً مكثفاً لاستراتيجية أوسع اعتمدتها السلطوية المعاصرة، سُلطوية السيسي، لإغلاق المجال العام وإعادة ضبطه. فهذه المجموعات لم تُستهدف لأنها رفعت شعارات سياسية بعينها، أو لأنها تبنّت خطاباً أيديولوجياً محدداً، بل لأنها جسّدت أخطر ما تخشاه الدولة السلطوية: إمكانية التنظيم المستقل خارج مؤسساتها، وقوة تعبئة جماعية غير رسمية لا تخضع لمنطق التوقع أو الاحتواء. لقد مثّل الأولتراس نموذجاً لجماعة قادرة على الاجتماع، والتنسيق، وإنتاج معنى مشترك دون إذن مسبق، وهو ما جعل وجودهم بحد ذاته تهديداً. 

ومن هنا، جاء قرار محوهم لا على مستوى واحد، بل عبر مسارات متداخلة: جسدياً من خلال العنف الاستثنائي والمجازر العقابية، وقانونياً عبر التجريم والتشريع الذي حوّل التنظيم إلى جريمة، ورمزياً وفضائياً عبر إعادة هندسة التجربة الرياضية نفسها وتجريدها من بعدها الثقافي والسياسي. ونتيجة لذلك، أُعيد تعريف الملعب ليغدو فضاءً للترفيه المُقنَّن لا للتعبير، وتحول الشباب من فاعلين اجتماعيين محتملين إلى جمهور سلبي صامت، أو إلى مجرد بيانات رقمية تُدار وتُفرز. ومع إغلاق فضاءات الجامعات والشوارع والمدرجات معاً، وغيرهم من الفضاءات، تكتمل دائرة السيطرة على المجال العام، ويُعاد رسم حدود المسموح والمرئي. عند هذه النقطة، يتجاوز السؤال عن الأولتراس إطار كرة القدم أو التشجيع، ليصبح سؤالاً فلسفياً وسياسياً جوهرياً: من يملك الحق في الظهور العلني؟ من يحدد شروط الكلام والتجمع؟ وكيف تُدار الجماعة وتُفرَّغ من قدرتها قبل أن تتحول إلى قوة فعلية قادرة على مساءلة السيادة أو تهديد استقرارها؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث