مطرقة منتصف الليل

Image-1765361505
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يعتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أنه يقدر على ما لا يقدر عليه سواه، مرة لأن معه قدرات وإمكانات الولايات المتحدة، ومرة لأنه دونالد ترامب الزعيم الخارق الذي يمكنه دوماً أن يأتي بما لم يأتِ به الأوائل، هكذا يحب هو أن يرى نفسه، وهكذا يتصور أن من لا يراه كذلك، هو أعمى، أو احمق، أو جاهل. 

الاستراتيجية الأميركية للأمن القومي التي أعلن عنها ترامب قبل أسبوعين فقط ، والتي كشفت عن خطة البيت الأبيض تجاه العالم، تفصح بجلاء عن ذلك، إذ يكشف في مقدمة الاستراتيجية الأميركية، عن سيطرة "عقيدة المخلص" على أفكار الرجل وتصوراته عن ذاته وعن الآخرين وحتى عن العالم الذي ينبغي أن يقرّ بذلك. 

يقول ترامب في مقدمة استراتيجيته: "لقد أنقذنا أمتنا، والعالم أجمع، اللذين كانا على شفا الكارثة، وذلك خلال تسعة أشهرفقط". ثم يكرر ذات المعنى مجدداً فيقول:" لم تحقق أي إدارة في التاريخ تحولاً بهذا الحجم، في هذا الوقت القصير جداً". 

 

يعتقد الرجل أنه يحمل رسالة أو ربما تكليفاً مقدساً بمهمة مقدسة، فهو قد سعى إلى البيت الأبيض من أجل "حماية المصالح الوطنية الجوهرية"، معتبراً أن النخب الأميركية قد أخطأت في تقدير استعداد الولايات المتحدة لتحمل مسؤوليات عالمية إلى ما لا نهاية، وأن هذه النخب ذاتها قد بالغت كذلك في تقدير قدرة الولايات المتحدة على تمويل "دولة الرفاهية"، وأنها لذلك، اختارت بشكل خاطئ ومدمر الرهان على العولمة!!   

اعترف أنني لم آخذ الرئيس ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، على محمل الجد، فالرجل يطرح أهدافاً تبدو غير قابلة للتحقق، إما لصعوبة بناء رأي عام مواتٍ بشأنها، وإما لقصور في الأدوات، أو لأن محاولة تحقيقها قد تقتضي عملية هدم كبرى لكيانات قائمة ومستقرة على مدى عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن ما قاله بدا حريصاً على أن يفعله، وما وعد به بدا حريصاً على أن يفي به، مهما بدا صعباً. 

 

سحب ترامب أميركا بسلاسة إلى أبعد محطات اليمين التقليدي المحافظ، وراح يحلم بأميركا التي يريدها، طارحاً في مقدمة استراتيجيته الجديدة ثلاثة أسئلة ينبغي أن تطرحها أميركا على نفسها وهي بصدد تبني تلك الاستراتيجية هي:

* ماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تريد؟ 

* ما هي الوسائل المتاحة لتحقيق ما تريد؟

* كيف يمكن ربط الغايات بالوسائل في استراتيجية أمن قومي قابلة للتطبيق؟

 

خمسة مطالب يتطلع اليها ترامب في استراتيجيته الجديدة، أولها هو التخلص من حلم أسلافه في العولمة، والعودة إلى أفكار العزلة عند سلفه جيمس مونرو (1823)، اذ يؤكد ترامب أنه يريد فقط أن يضمن بقاء نصف الكرة الغربي مستقراً وخاضعاً لحكم رشيد "لينفرد هو لاحقاً بتحديد المقصود بالاستقرار كما يراه، وبالحكم الرشيد كما يريده"!

وتقول الاستراتيجية الجديدة في هذا الشأن، إن "الولايات المتحدة بعد سنوات من الإهمال، ستعيد تأكيد وتطبيق مبدأ مونرو من أجل استعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي وحماية أراضينا وضمان وصولنا إلى مناطق جغرافية أساسية في أنحاء المنطقة. وسنمنع المنافسين من خارج هذا النصف من نشر قوات، أو قدرات تهديدية أخرى، أو امتلاك أو السيطرة على أصول ذات أهمية استراتيجية حيوية داخل نصف كرتنا". إن هذا "الملحق الترامبي" لمبدأ مونرو يمثل استعادة عقلانية وقوية للنفوذ والأولويات الأميركية، بما يتوافق مع المصالح الأمنية للولايات المتحدة.

 ثاني المطالَب، هو الحفاظ على حرية وانفتاح منطقة المحيطين الهندي والهادي، وصون حرية الملاحة في جميع الممرات البحرية الحيوية.

ثالث المطالب في الاستراتيجية الجديدة: مساعدة الحلفاء على الحفاظ على حرية اوروبا وأمنها. 

رابع المطالب هو منع أي قوة معادية من السيطرة على الشرق الأوسط، واحتياطيات النفط والغاز، ومنطقة قناة السويس. 

أما خامس المطالب فهي أن تسيطر أميركا على القدر الأكبر من قدرات الذكاء الإصطناعي والحوسبة الكمومية،والتقنية الحيوية. 

 

هذا ما يريده ترامب لأميركا، فما هي وسائله لتحقيقه؟!

تجيب استراتيجية ترامب الجديدة عن سؤال الوسيلة فتقول: "لدينا، نظام سياسي مرن وقادر، وأقوى جيش في العالم، وأقوى شبكة حلفاء وشركاء، وأكبر أسواق مالية، وأكبر اقتصاد في العالم، وقوة ناعمة ونفوذ ثقافي لا مثيل لهما، ولدينا التكنولوجيا الأكثر تقدماً، ولدينا الموقع الجغرافي والمواردالطبيعية".

 

وتحدد استراتيجية ترامب الجديدة للأمن القومي،المباديء التي سوف تسترشد بها في مجالات الخارجية، والدفاع، والأمن القومي، ومن بينها ما يلي:

  1. تعريف محدد وانتقائي للمصلحة الوطنية، باعتبار أن التركيز على كل شيء يعني عدم التركيز على أي شيء. 

  2. السلام من خلال القوة!

  3. الميل إلى عدم التدخل، إذ إنه من غير الممكن التمسك الصارم بعدم التدخل.

  4. توازن القوى.

  5. لواقعية المرنة.

 

أما عن استراتيجية ترامب الجديدة إزاء منطقة الشرق الاوسط، فقد تراجع الاهتمام بالمنطقة بعدما كان الشرق الأوسط أكبر مورِّد للطاقة في العالم، والساحة الرئيسية للتنافس بين القوى العظمى، ومسرحاً لصراعات كانت تهدد بالامتداد إلى بقية العالم وحتى إلى الأراضي الأميركية.

ولا تزال الصراعات هي الديناميكية الأكثر إشكالية في الشرق الأوسط، إلا أن هذه المشكلة اليوم أقل خطورة مما توحي به العناوين الرئيسية. فإيران، القوة الأكثر زعزعة للاستقرار في المنطقة، قد أُضعفت بشكل كبير بفعل الإجراءات الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبفعل عملية "مطرقة منتصف الليل" التي نفّذها الرئيس ترامب في حزيران/يونيو 2025، والتي أضعفت بدرجة كبيرة البرنامج النووي الإيراني.

 

وطبقاً للاستراتيجية فإن مفتاح العلاقة المثمرة مع الشرق الأوسط هو "قبول المنطقة وقادتها ودولها كما هم، مع التعاون في مجالات المصالح المشتركة، إذ يظهر شركاء الشرق الأوسط التزامهم بمكافحة التطرف؛ وهي نزعة ينبغي للسياسة الأميركية أن تواصل تشجيعها. ويتطلب ذلك التخلي عن التجربة الأميركية غير الحكيمة المتمثلة في ترهيب هذه الدول، ولا سيما ملكيات الخليج، لدفعها إلى التخلي عن تقاليدها وأشكال حكمها التاريخية. وينبغي لنا تشجيع الإصلاحات والإشادة بها عندما تنشأ بشكل طبيعي، من دون السعي إلى فرضها من الخارج..

وسيظل للولايات المتحدة دائماً مصلحة أساسية في ضمان ألا تقع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو معلن، وأن يظل مضيق هرمز مفتوحاً، وأن يبقى البحر الأحمر سالكا للملاحة، وألا تصبح المنطقة حاضنة أو مصدّرة للإرهاب ضد المصالح الأميركية أو الأراضي الأميركية، وأن تبقى إسرائيل آمنة. ويمكننا، ويجب علينا، مواجهة هذا التهديد على المستويين الأيديولوجي والعسكري، من دون الانخراط في عقود من الحروب.

 

لكن الحقبة التي كان فيها الشرق الأوسط يهيمن على السياسة الخارجية الأميركية، سواء في التخطيط طويل الأمد أو في التنفيذ اليومي، قد ولّت لحسن الحظ، لا لأن الشرق الأوسط لم يعد مهماً، بل لأنه لم يعد مصدر الإزعاج المستمر والكوارث الوشيكة التي كان يشكّلها سابقاً.

 ما خلصت اليه الوثيقة الأميركية، يوسّع إلى حد ملموس هامش السياسة في الشرق الأوسط، ويتيح فضاءاً للمناورة والمحاورة والمداورة، في سياق عملية إعادة ترتيب الاوضاع في الاقليم، بما لا يسمح لقوة وحيدة - مهما كانت- أن تستفرد بإدارته وفق ما تهوى.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث