حضور هادئ، لكنه يقول الكثير. في قاعة الاستقبال في قصر الشعب، كانت هديل، بلباسها الرسمي، تتحرّك براحة لا تخطئها العين. تمسك قلماً ودفتر ملاحظات، تجلس إلى جوار الرئيس المخلوع بثقة كاملة، خلال اجتماعاته مع وفود جرى اختيارها بعناية لمناقشة ما كان يُسمّى آنذاك "حلّ الأزمة السورية".
لم تكن مجرّد حاضرة صامتة. كانت تقاطعه أثناء الحديث، أكثر من مرة، وتعيد توجيه النقاش بلا تردّد. تصدر التعليمات، تطلب من الحضور خفض سقف المطالب حين يرتفع، وتدوّن ملاحظاتها بهدوء محسوب.
وعند انتهاء الاجتماعات، كانت تودّع الوفود بالطريقة ذاتها التي استقبلتهم بها، بثبات وثقة من يتصرّف وكأنه يعرف المكان جيداً… بل يملكه.
فتاة شابة، جميلة وذكية، تتحرّك داخل القصر بلا حواجز، وتصدر الأوامر للجميع، في مشهد يلخّص كيف كانت تُدار السلطة من خلف الأبواب المغلقة.
الظهور الاول
في آذار/مارس 2012، فيما كانت سوريا تدخل عامها الثاني تحت النار، برز اسم هديل العلي فجأة في المشهد الإعلامي، كأنه قادم من خارج المعادلة المعروفة لدائرة بشار الأسد الضيّقة. شابة درست العلوم السياسية في الولايات المتحدة، ثم الأدب الإنكليزي في دمشق، وعاشت فترة قصيرة في بولندا قبل أن تعود إلى سوريا. لم تكن شخصية عامة، ولا تنتمي إلى إطار حزبي، ولا تُعرف بوصفها جزءاً من الجهاز الأمني. ومع ذلك، ظهرت دفعة واحدة داخل واحدة من أكثر المساحات حساسية وسرّية في النظام: البريد الإلكتروني الشخصي لرئيس الجمهورية.
كان هذا الظهور كافياً لإطلاق سيل من الأسئلة التي لم تتوقف منذ ذلك الحين. من تكون هديل العلي؟ هل كانت مجرّد وسيطة إعلامية تنقل النصائح والانطباعات؟ أم "عيناً ثقافية" تساعد الأسد على فهم خطاب الغرب ولغته؟ أم أنها كانت جزءاً من علاقة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها السياسة بالحميمية، والولاء بالسعي إلى موقع داخل هرم السلطة؟
أسئلة بقيت معلّقة، وربما لن تجد إجابات حاسمة. فالنظام السوري نفسه يقوم، منذ عقود، على إدارة الغموض، وتحويل الوقائع إلى طبقات متراكبة من الظلال، حيث لا تُفهم السلطة من مواقعها المعلنة، بل من المسافات غير المرئية التي تفصل بين الهامش والمركز.
بين السلطة والهوة
في الأنظمة السلطوية المغلقة، لا يمكن فهم آليات الحكم من خلال الوزراء أو القادة الأمنيين وحدهم. فمحيط الرئيس، ولا سيما في لحظات الاحتجاج أو الحرب، يضم شخصيات "غير مرئية"، لا تشغل مواقع رسمية ولا تنتمي إلى المؤسسات العسكرية، لكنها تؤدي أدواراً نوعية في تثبيت السردية الرسمية، إدارة الانطباعات، وسدّ الفراغات التي تعجز البُنى التقليدية للدولة عن ملئها.
في هذا السياق تحديداً، يصبح اسم هديل العلي لافتاً. لم تظهر كموظفة، ولا كمستشارة معلنة، بل كشخص يقدّم للرئيس مقالات وتعليقات ونصائح إعلامية، إضافة إلى تحليلات تتعلّق بالصحافيين الأجانب، وباختيار الوفود الشابة التي يُسمح لها بالوصول إلى القصر. وتشير الرسائل المسرّبة إلى أنها لم تكن مجرّد "متلقّية للردود"، بل فاعلة في النقاش، تقترح وتجادل وتبرّر، وتبثّ ثقة غير متوقعة في قدرتها على التأثير في مسار الحديث وفي هوامش القرار.
لغة عاطفية
لم تُقدّم التسريبات التي نُشرت عام 2012 دليلاً قطعياً على وجود علاقة جنسية، لكنها كشفت نبرة شخصية ودافئة، وربما "حميمية" بالمعنى غير المعلن للكلمة. وتشير إحدى الرسائل المسرّبة إلى أن هديل العلي أرسلت إلى بشار الأسد صورة له عندما كان شاباً، مرفقة بتعليق يحمل إيحاءات إعجاب وثقة، وانجذاباً رمزياً على الأقل. وفي رسالة أخرى، وبحسب مصدر خاص لـ"المدن"، يردّ الأسد بكلمات تتضمّن قدراً واضحاً من العاطفة والتشجيع، بما يتجاوز الصيغة الرسمية المتوقّعة في مراسلات من هذا النوع.
حتى مع افتراض أن هذه الرسائل لا ترقى إلى إثبات علاقة حميمية صريحة، فإن مجرّد وجود هذا النوع من الخطاب بين رئيس يقود بلداً في حالة حرب، وشخصية مقرّبة غير رسمية، يكشف أكثر من دلالة. أولها غياب الحدود الفاصلة بين الخاص والعام في بنية النظام السوري. ثانيها قابلية السلطة لاستيعاب الولاءات الشخصية عبر روابط غير سياسية. وثالثها اهتزاز صورة الرئيس بوصفه فاعلاً عقلانياً منفصلاً عن الدوائر العاطفية. تاريخ الأنظمة السلطوية يقدّم نماذج عديدة عن هذا التداخل، حيث تتحوّل العلاقات الشخصية إلى أدوات حكم موازية للمؤسسات.
في هذا السياق، تبدو هديل العلي نموذجاً سورياً لإحدى آليات "الحكم بالعلاقات" التي تعمل خارج الأطر الرسمية. فهل كان دورها إعلامياً؟ أم عاطفياً؟ أم أنها أدّت وظيفة ثالثة، أكثر تعقيداً؟
تحليل مضمون المراسلات يكشف ثلاثة خطوط متداخلة:
أولاً: وظيفة دعائية ــ إعلامية. كانت هديل تكتب مقالات، وتجمع معلومات عن صحفيين أجانب، وتقدّم للرئيس نصائح حول كيفية توجيه السردية في الإعلام الدولي. يتقاطع هذا الدور مباشرة مع حاجة النظام، في عامي 2011 و2012، إلى تحسين صورته الخارجية في ظل تصاعد الانتقادات الدولية.
ثانياً: وظيفة تأكيد الولاء السياسي. حملت بعض رسائلها نبرة تهدئة وتطمين، وتعزيزاً واضحاً لـ"الأنا الرئاسية" التي كانت تتعرّض لضغط نفسي وسياسي كبير. هنا تظهر بوصفها "صوتاً قريباً"، لا يناقش الشرعية ولا يشكّك فيها، بل يعيد إنتاجها في أبسط مستويات الخطاب الشخصي.
ثالثاً: وظيفة على حافة الحميمية. حتى من دون دليل قاطع على علاقة جنسية، تكشف طبيعة الخطاب الشخصي في عدد من الرسائل علاقة غير متكافئة، تتداخل فيها السلطة بالانجذاب، والخوف بالانبهار. وفي الأنظمة السلطوية، كثيراً ما تتحوّل هذه الحميمية إلى أداة سياسية بحدّ ذاتها، سواء قصد أصحابها ذلك أم لم يقصدوه.
قراءة بنيوية
لفهم دلالة هذه الحالة، لا بدّ من وضعها ضمن السياق الأوسع لبنية الحكم في سوريا، حيث تتجلّى مجموعة من السمات البنيوية التي تفسّر صعود شخصيات غير رسمية إلى محيط القرار.
- المركزية المفرطة حول الرئيس
في النظام السوري، يدور الجميع ــ وزراء، ضباط وإعلاميون ــ حول "العقدة المركزية": بشار الأسد. ظهور شخصية غير رسمية مثل هديل العلي داخل هذه الدائرة يفضح عمق الفراغ المؤسسي، إذ تعجز المؤسسات عن أداء وظائفها، فيُستعاض عنها بأفراد يُستدعون من خارجها لسدّ الثغرات.
- ضعف الثقة داخل النظام
لم يكن حضور هديل نتيجة تكليف رسمي، بل ثمرة ثقة شخصية. وهذا يشير إلى أن دوائر السلطة المعلنة لم تكن موضع ثقة كافية. فالأنظمة السلطوية، حين تشعر بأن أجهزتها التقليدية "مخترَقة" أو "غير مضمونة"، تميل إلى تشكيل دوائر ظلّ موازية تعمل خارج الأطر المؤسسية.
- تسييل العلاقة بين السلطة والجندر
كثيراً ما تستخدم الأنظمة السلطوية النساء في محيط الزعيم لا بوصفهن أفراداً مستقلين، بل كرموز أو أدوات لأدوار متعدّدة: تقديم الدعم النفسي، تحسين الصورة العامة، أو حتى ممارسة رقابة غير رسمية على المحيط القريب من الرئيس. حالة هديل العلي تقع عند تقاطع هذه الوظائف، حيث يتداخل الشخصي بالسياسي ضمن علاقة غير متكافئة.
- انعدام الشفافية واحتكار السردية
منذ ظهور التسريبات، لم يصدر عن النظام أي تكذيب تفصيلي أو توضيح رسمي. هذا الصمت لا يبدو عرضياً، بل جزءاً من استراتيجية مدروسة: إبقاء الشك قائماً أفضل من الاعتراف أو النفي، لأن الغموض نفسه يتحوّل إلى أداة من أدوات السلطة.
لماذا اختفت هديل؟
منذ عام 2012، اختفى اسم هديل العلي من المشهد العام. لا تصريحات، لا مقابلات، ولا ظهور بصفتها مستشارة أو ناشطة أو مسؤولة. ويمكن تفسير هذا الغياب عبر ثلاثة احتمالات رئيسية: أولها، انتهاء وظيفتها بعد استقرار الرواية الرسمية للنظام في السنوات اللاحقة.
ثانيها، إعادة تدويرها داخل مؤسسات غير مرئية، كما حصل مع كثير من الأسماء التي أدّت أدواراً ظرفية ثم تلاشت.
وثالثها، تهميش متعمّد، لمنعها من التحوّل إلى مركز اهتمام، خصوصاً بعد التكهنات الإعلامية التي أحاطت بطبيعة علاقتها بالرئيس.
غير أن الاحتمال الأرجح هو أنّ هديل العلي كانت جزءاً من شبكة لا مؤسسية شكّلتها الرئاسة في عامي 2011–2012 لإدارة الأزمة، ثم جرى تفكيكها لاحقاً مع انتقال النظام إلى المقاربة العسكرية الكاملة.
في المحصّلة، قد تبدو هديل العلي شخصية ثانوية في التاريخ الرسمي لسوريا، لكنها تكشف نمطاً أوسع في كيفية التعامل مع النساء داخل محيط السلطة، حيث يُنظر إليهن غالباً بوصفهن وسيطات عاطفيات ــ سياسيات، لا فاعلات مستقلات.
قصة هديل لا تقول الكثير عن هديل نفسها، بقدر ما تكشف عن طريقة اشتغال السلطة السورية في أكثر مراحلها هشاشة. إنها نافذة صغيرة على بنية أكبر، تذوب فيها الحدود بين الدولة والأسرة، بين السياسة والمشاعر، بين الإدارة والرغبة، بين السرّ والعلن.
وفي أنظمة كهذه، لا يعود السؤال: من هي هديل العلي؟ بل كم هديل أخرى لم نسمع باسمها بعد؟
