يبرز الهجوم الذي استهدف دورية أميركية سورية مشتركة في مدينة تدمر في 13 كانون الأول 2025، في سياق عملياتي وسياسي معقّد، عدم اكتمال المرحلة الانتقالية الأمنية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لا سيما في ظل انخراط سوريا في تحالف دولي ضد تنظيم "داعش"، وهو التنظيم الأشرس في البادية السورية الممتدة.
وبحسب المعلومات المتوفرة، كانت الدورية تُنفذ مهمة لمكافحة الإرهاب في وسط سوريا عندما تعرضت لإطلاق نار كثيف داخل فرع البادية (221) ، ما أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم مدني أميركي، وعنصرين من الأمن العام السوري، بالإضافة إلى عدد من الجرحى. وتمكنت قوات الأمن السوري من الاشتباك مع المهاجم وتحييده في الموقع، وقد نسب مسؤولون أميركيون الهجوم مبدئياً إلى مسلح منفرد مرتبط بتنظيم "داعش"، إلا أن التحقيقات لا تزال جارية ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسمياً عن الهجوم.
عنف إنتهازي
لا تقل طبيعة الهجوم أهمية عن نتائجه؛ فهو يحمل سمات عملية محدودة النطاق ومنخفضة التأثير، مصمّمة لاستغلال الثغرات الأمنية بدلاً من الإعلان عن عودة استراتيجية؛ في ظل غياب أي ادعاء رسمي، والاعتماد على فرد أو جهة فاعلة ذات شبكة محدودة، واختيار دورية مشتركة كهدف، إذ كلها تشير إلى تحول أوسع في تكتيكات داعش من عمليات مركزية مدفوعة إعلامياً إلى عنف انتهازي متأصل في بيئات متساهلة كالبادية السورية. ويكتسب هذا الحادث أهمية خاصة لأنه يمثل أول هجوم مُميت ضد القوات الأميركية في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، مما يدحض الافتراضات القائلة بأن مرحلة ما بعد النظام قد انعكست على بيئة تهديد أقل حدة؛ بل يكشف هذا الحادث عن واقع أمني قائم على التعاون ضد داعش، ولكنه لا يزال عرضة للاضطرابات غير المتكافئة، والسيطرة غير الكاملة على الأراضي، واستمرار وجود أنظمة متطرفة قادرة على العمل دون وجود تنظيم رسمي. وبهذا المعنى، ينبغي النظر إلى هجوم تدمر ليس كخرق معزول، بل كمؤشر على مدى هشاشة ساحة المعركة ضد داعش في سوريا، ومدى تنافسها وقدرتها على التكيف.
قراءة في المشهد
تنفي المعطيات الحالية ما جرى تداوله عن استخدام حزام ناسف أو تنفيذ تفجير انتحاري، مؤكدة أن العملية نُفّذت عبر إطلاق نار مباشر من مصدر مجهول داخل الفرع نفسه، ما يرفع مستوى الخطورة في تقييم البيئة الأمنية ويطرح تساؤلات جدية حول آليات الحماية والفرز الأمني داخل المقرات الحساسة في مناطق العمليات المشتركة؛ لا سميا وأن أفراد داعش يجيدون الاشتباكات المنفردة من مسافة صفر.
عقب الهجوم، غادر الرتل والقوة المشتركة مدينة تدمر باتجاه قاعدة التنف، بمرافقة جوية من طيران التحالف الدولي، في خطوة تعكس مستوى القلق الأمني العالي، وتندرج ضمن إجراءات احترازية تهدف إلى منع تكرار الاستهداف أو تطوره إلى مواجهة أوسع.
وفي قراءة أعمق لأسباب الاختراق، يبرز عامل لا يقل أهمية، يتمثل في التغييب شبه الكامل لأبناء مدينة تدمر المعروفين بانخراطهم المبكر في الثورة السورية وعدائهم الصريح لتنظيم داعش، والذين يمتلكون معرفة دقيقة بالبنية الاجتماعية والشبكات المحلية المتعاونة مع التنظيم. إن إقصاء هؤلاء عن المعادلة الأمنية قد يكون ساهم في خلق فراغ معرفي وميداني، أتاح تسلل التهديد من داخل البيئة نفسها بدل أن يأتي من أطرافها.
على الرغم من أن هجوم تدمر لا يُمثل مواجهة بين دولتين، إلا أن تداعياته تتجاوز بكثير النطاق التكتيكي المباشر؛ ففي منطقة تتسم أصلاً بتداخل الوجود العسكري ( بقايا القاعدة الروسية في تدمر، بقايا خلايا إيران والحشد الشعبي، خلايا داعش، القوات الأميركية) وتفتت السيادة، وعدم استقرار مراحل ما بعد النزاع، حتى عمل عنف محدود قد يُؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
وأي رد فعل أميركي، لا سيما إذا اتخذ شكل ضربات مُستهدفة، أو مداهمات موسعة، أو تكثيف للمراقبة، يُنذر بخطر إشعال سلسلة من ردود الفعل بين الجهات المسلحة المحلية التي تعمل على مقربة جغرافية وسياسية. وقد تُفسر الميليشيات والتشكيلات القبَلية ووحدات الأمن شبه المُدمجة (من الفصائل المحلية التي تدير مدينة تدمر) الرد ليس كإجراء لمكافحة الإرهاب، بل كإعادة ضبط لموازين القوى في وسط سوريا، مما يدفعها إلى اتخاذ مواقع استباقية، ورفع مستويات التأهب، أو اللجوء إلى العنف الانتهازي تحت غطاء انعدام الأمن المُعمم.
تحديات أمنية
يُفاقم الهجوم التحديات الهيكلية التي تواجه البنية الأمنية السورية في مرحلة ما بعد الأسد، كون سوريا انضمت برقم 90 ضمن التحالف ضد داعش. فقد سعت الإدارة الجديدة إلى توحيد المشهد الأمني الذي تشكّل بفعل سنوات من الانهيار المؤسسي، وسلاسل القيادة المتوازية، والترتيبات الأمنية المحلية التي نشأت في غياب دولة فاعلة. كانت قد فعّلت الإدارة الجديدة دوريات ضد تنظيم داعش، لا سيما في الجنوب السوري ( ريف دمشق و درعا و القنيطرة) وفي حمص القريبة من تدمر و صادرت أسلحة و ذخائر و اعتقلت أفراداً متطرفين، ولم تكن الدوريات المشتركة مجرد أدوات عملياتية، بل كانت بمثابة تمارين رمزية تهدف إلى إظهار التماسك والشراكة، وإعادة تأكيد السلطة المركزية تدريجياً.
يُزعزع الهجوم على إحدى هذه الدوريات هذا المسار، ويكشف هشاشة آليات القيادة والسيطرة، لا سيما في المناطق البعيدة عن المركز، حيث لا يزال الولاء وتدفق المعلومات الاستخباراتية والانضباط العملياتي غير متكافئ.
والأخطر من ذلك، أنه يُهدد بتقويض الثقة بين القوات السورية وشركائها الغربيين، حيث يُعيد كل طرف تقييم موثوقية معلومات الطرف الآخر، واستعداده، وعمليات التدقيق الداخلي. بمرور الوقت، قد يترجم انعدام الثقة هذا إلى أطر تنسيق أكثر جموداً، وتقليص تبادل المعلومات، واللجوء إلى العمل الأحادي؛ وهي نتائج تُبطئ جهود تحقيق الاستقرار، وتُبقي المناطق الهشة أصلاً، مثل ريف حمص والصحراء المحيطة بها، في حالة انعدام أمن مُطوّلة.
وبعيداً عن سوريا نفسها، من المرجح أن يتردد صدى هذا الحادث في أطر مكافحة التطرف القائمة على المستوى الإقليمي؛ إذ أن غياب جهة معلِنة واضحة والاعتماد على أعمال عنف محدودة النطاق وقابلة للإنكار، يشكّل تحدياً لنماذج مكافحة الإرهاب التقليدية التي تعتمد على منظمات محددة، وهياكل قيادية، ونوايا صريحة في هذا المسار.
ونتيجة لذلك، قد يشعر الشركاء الدوليون بضرورة إعادة تقييم قواعد الاشتباك في سوريا، ومنهجيات الاستخبارات، وتتغير مفاهيم الدوريات. من المتوقع التحول نحو تدابير حماية القوات بشكل أكبر، وزيادة الاعتماد على المراقبة الجوية والقدرات عن بُعد، وتشديد القيود العملياتية على المهام المشتركة؛ وفي حين أن هذه التعديلات قد تقلل من المخاطر المباشرة على الأفراد، إلا أنها تنطوي على تكاليف طويلة الأجل منها انخفاض في الدوريات المشتركة، وتراجع في الاحتكاك المباشر ، وتزايد المسافة المادية والنفسية بين قوات الأمن الأميركية والمجتمعات التي تعمل فيها. ومن المفارقات، أن هذه التدابير قد تخلق الفراغات التي تزدهر فيها الأنظمة المتطرفة، مما يعزز حلقة انعدام الأمن التي يُفترض أن يتجاوزها التحول.
الانضمام إلى التحالف الدولي
تطور التعاون بين الولايات المتحدة والسلطات السورية في الحرب ضد داعش، إلى ترتيب عملي ذي دوافع أمنية، لا يتأثر بالتحالفات السياسية بقدر ما يتأثر بتقارب تصورات التهديد. ففي سياق ما بعد الأسد، ينظر كلا الجانبين إلى داعش لا كإزعاج متبقٍ، بل كخطر بنيوي مستمر متجذر في البادية السورية ومناطقها الحدودية وثغراتها المؤسسية لا سيما في ظل عدم وجود تدريب عسكري كافٍ ضمن بيئة عسكرية مؤسسية واضحة، وفق توجيه سياسي وأمني واضح؛ وفي ظل إبقاء بعض العناصر على عقلية الفصائل دون عقلية الدولة، مع وجود بعض العناصر المتطرفة التي لا يمكن التنبؤ بنواياها، الامر الذي يشكل تحدياً لواقع الدمج الأمني الذي حصل بعد يناير 2025.
بالنسبة لواشنطن، يُؤطر استمرار المشاركة ضمن تفويض مكافحة الإرهاب الذي يهدف إلى منع داعش من إعادة بناء قدراتها العملياتية، أو تهديد القوات الأميركية، أو استخدام الأراضي السورية كمنصة لشن هجمات إقليمية ودولية.
أما بالنسبة لدمشق، فيخدم التعاون غرضين هما التعويض عن محدودية قدرات الدولة الانتقالية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والطيران، والحفاظ على الشرعية والمسؤولية الدوليتين في معالجة المخاوف الأمنية العالمية. وقد اتخذ هذا التعاون شكل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وآليات تجنب الاشتباك، وفي حالات مختارة، عمليات ميدانية منسقة أو متوازية مثل الدوريات المشتركة، لا سيما في وسط سوريا والبادية.
ومع ذلك، تبقى العلاقة هشة وذات طابع تبادلي. يُقيّد هذا التعاون انعدام ثقة متبادل عميق، واختلالات في موازين القوى والمعلومات بين سوريا وأمريكا، وخلافات سياسية عالقة حول السيادة والوجود الأميركي طويل الأمد ضمن تفاهمات دولية ( الوجود الروسي والتركي والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة). ونتيجةً لذلك، يعمل التعاون الأميركي السوري ضد داعش ضمن نطاق ضيق؛ فهو فعال بما يكفي لتفكيك الخلايا والحد من عودة التنظيم إلى مناطق معينة، ولكنه غير مؤسسي بما يكفي لضمان استدامته أو حمايته من الصدمات - كالهجمات التي لا تتبنى مسؤوليتها - والتي تكشف عن قصور التنسيق وعدم اكتمال النظام الأمني السوري في مرحلة ما بعد الحرب.
توقيت حسّاس
من منظور استراتيجي، لا تكمن أهمية هجوم تدمر في أثره العسكري المباشر بقدر ما تكمن في دلالاته الرمزية التي يُثيرها في سوريا والمنطقة بأسرها؛ فتدْمر ليست مجرد موقع جغرافي على الخريطة، بل تحتل مكانة فريدة في الذاكرة الجماعية السورية والوعي الدولي، كموقع مُدرج على قائمة "اليونسكو" للتراث العالمي، ومسرح سابق لمحاولة تنظيم "داعش" تسخير الدمار الثقافي لأغراض أيديولوجية ونفسية، ومسرح سابق للقوات الروسية التي أعلنت النصر عام 2016 على تنظيم داعش في المدينة بالتنسيق مع نظام الاسد.
كان هدف داعش من الاستيلاء على تدمر وتدميرها في السابق هو إظهار قدرته على طمس التاريخ، وتحدي الأعراف العالمية، وفرض روايته الجهادية الخاصة؛ وبالتالي فإن أي هجوم في هذا المكان نفسه اليوم، حتى لو كان محدوداً، يُعيد فتح هذا الجرح الرمزي، وينقل رسالة قوية مفادها أن العنف المتطرف لا يزال قادراً على اختراق المواقع التي يُفترض أن تُجسّد التعافي والسيادة والحماية الدولية. عندما يقع هجوم كهذا خلال عملية أميركية سورية مشتركة، يتعمق البعد الرمزي أكثر، محولاً تدمر إلى ساحة تُختبر فيها ضمنياً مصداقية الترتيبات الأمنية لما بعد الأسد.
يحمل هذا الهجوم تبعات سياسية ملموسة. فهو يُشكك في افتراض أن المناطق المستعادة من داعش قد تحولت من مناطق متنازع عليها إلى مناطق آمنة تماماً، ويقوض روايات التقدم الحتمي في تحقيق الاستقرار. بالنسبة للسكان المحليين، يُعزز هذا الهجوم الشعور بالخطر المستمر وهشاشة سلطة الدولة ويعرضهم لخطر الانتقام من أطراف متباينة؛ أما بالنسبة للشركاء الدوليين، فيثير تساؤلات حول ما إذا كانت الانتصارات الرمزية على داعش قد اقترنت بسيطرة أمنية مستدامة. وبهذا المعنى، لا تُعد تدمر مجرد معلم ثقافي، بل مؤشراً على بيئة مكافحة الإرهاب الأوسع في المناطق الداخلية السورية.
تعقيدات دولية
وبعيداً عن الرمزية، يرسل الهجوم إشارات جيوسياسية تتجاوز حدود سوريا؛ لا سيما بعد يومين من رفع العقوبات عن البلاد، إذ سيخضع رد الولايات المتحدة، سواء كان متحفظاً أم حازماً، لتدقيق دقيق من قبل جهات إقليمية ودولية ذات مصالح متضاربة في سوريا ما بعد الأسد. وستقيّم روسيا ما إذا كانت واشنطن تعتزم تحويل التعاون في مكافحة داعش إلى دور أكثر حزماً قد يحد من نفوذ موسكو أو يعيد تشكيل الترتيبات الأمنية في وسط سوريا. وستقيّم إيران وبقايا ميليشياتها المتحالفة معها ما إذا كان تصاعد النشاط الأميركي يهدد حرية تنقلها السري ، أو ممراتها اللوجستية الخفية، أو نفوذها المحلي، مما قد يدفعها إلى اتخاذ أشكال غير مباشرة أو يمكن إنكارها من ردود الفعل. في غضون ذلك، ستنظر تركيا إلى الحادث من منظور أولوياتها في مكافحة الإرهاب ومخاوفها بشأن التواجد العسكري الأميركي طويل الأمد، بينما ستدرس دول الخليج تداعيات ذلك على الاستقرار الإقليمي، وآفاق الاستثمار، وجدوى إعادة دمج سوريا التدريجي في النظام العربي.
قد يؤدي اتخاذ الولايات المتحدة موقفاً عسكرياً أكثر حزماً رداً على هجوم تدمر إلى إعادة تنظيم دقيقة، ولكنها ذات عواقب وخيمة على أرض الواقع؛ فقد تعيد الجماعات المسلحة المحلية ضبط سلوكها لتجنب المواجهة، أو طلب الحماية، أو استغلال التوترات الناشئة بين القوى الكبرى. في المقابل، قد تختبر القوات الوكيلة المتحالفة مع إيران أو غيرها من القوى الإقليمية الحدود من خلال عمليات مضايقة أو إشارات منخفضة الحدة، بهدف رفع تكلفة التدخل الأميركي دون تجاوز عتبات تستدعي رداً مباشراً. وبهذه الطريقة، يُهدد هجوم واحد محدود بتغذية منظومة أوسع من الإشارات التنافسية، حيث لا يُستخدم العنف كوسيلة للسيطرة على الأراضي بقدر ما يُستخدم كأداة لتشكيل التصورات والردع والتأثير.
الإسناد والغموض والمخاطر المحتملة
إن أحد أهم جوانب هجوم تدمر ليس ما هو معروف، بل ما هو غائب بشكل لافت؛ إذ حتى الآن، لم يصدر أي بيان رسمي من تنظيم داعش أو أي تنظيم مسلح آخر يُعلن مسؤوليته عن العملية. إلا أن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أعلن أن منفذ الهجوم الذي استهدف دورية أمنية سورية-أميركية قرب تدمر لا يشغل أي موقع قيادي في الأمن الداخلي ولا يُعد مرافقاً للقيادة، مؤكّداً أن التحقيقات جارية لتحديد ما إذا كان مرتبطاً بتنظيم داعش أو متأثراً بفكره. وأوضح أن قيادة الأمن الداخلي كانت قد وجّهت تحذيرات مسبقة لقوات التحالف حول احتمال وقوع هجوم، إلا أنها لم تُؤخذ بعين الاعتبار، مشيراً إلى أن الهجوم وقع عند مدخل مقر محصّن بعد انتهاء الجولة المشتركة؛ مع التأكيد على ان التحقيق يشمل فحص بياناته الرقمية وشبكة علاقاته، معلناً عن إجراءات بروتوكولية جديدة لتعزيز الأمن والتنسيق مع التحالف الدولي في البادية.
لم يصدر أي اعتراف عبر أي وكالة أو حساب مرتبط عادةً بوسائل الإعلام الجهادية، ولا أي رسائل شبه رسمية تُحاول تأطير الحادث ضمن سردية أيديولوجية أو استراتيجية أوسع. بدلاً من ذلك، جاءت جميع الأوصاف العلنية للهجوم حصراً من مصادر أمنية أميركية وسورية، والتي وصفت منفذ الهجوم بأنه مرتبط بتنظيم داعش أو مستوحى منه، بدلاً من وصفه بأنه عنصر يعمل لصالح تنظيم تبنى الهجوم علناً. هذا التمييز ليس مجرد اختلاف في المصطلحات. في بيئات مكافحة الإرهاب المعاصرة، يشكل الفرق بين عملية معلنة وعملية غير معلنة كيفية تفسير التهديدات وتحديد أولوياتها ومعالجتها.
عناصر منفردة
يمكن تفسير غياب إعلان المسؤولية جزئياً بالوضع الراهن لتنظيم داعش في وسط سوريا؛ فقد أدت سنوات من الضغط المتواصل إلى إضعاف قدرة التنظيم على القيادة والسيطرة بشكل كبير، تاركةً وراءها مشهداً مجزأً من خلايا صغيرة وشبكات مترابطة بشكل ضعيف، وعناصر منفردة أو شبه منفردة تعمل بدافع الانتماء الأيديولوجي بدلاً من التوجيه العملياتي المباشر. في مثل هذا السياق، غالباً ما تُنفذ الهجمات من قبل أفراد أو خلايا صغيرة تفتقر إلى الوسائل اللوجستية أو التواصلية أو التنظيمية اللازمة لإعلان المسؤولية، لا سيما عند مقتل المهاجم في موقع الهجوم. إن ضعف هياكل القيادة أو تشتتها، إلى جانب فقدان قنوات الإعلام الآمنة، يعني أن بعض العمليات تختفي ببساطة وسط ضجيج الأمن دون أن تُعتمد رسمياً، حتى لو كانت مستوحاة من عقيدة داعش أو رواياته.
وإلى جانب هذا التدهور، قد يعكس غياب إعلان المسؤولية أيضاً حسابات استراتيجية مدروسة. فبالنسبة لداعش أو أي فصيل او ميليشيا أخرى تحمل فكراً تكفيرياً او جهادياً، في مرحلته الحالية، يمكن أن يخدم عدم إعلان المسؤولية عن الهجوم أغراضاً متعددة. يقلل هذا من احتمالية شنّ هجمات انتقامية فورية ضد شبكات محددة، ويحافظ على قدر من الإنكار، ويتيح للجماعة مراقبة وتقييم الاستجابات الأمنية دون كشف البنية التحتية المتبقية. منذ عام 2022 على الأقل، اعتمد تنظيم داعش في البادية السورية بشكل متزايد على ما يمكن وصفه بـ "العمليات الصامتة" Lone Wolf، فيها أعمال عنف فردية تهدف إلى زعزعة استقرار قوات الأمن، واستكشافها، واستنزافها، بدلاً من إثارة ضجة دعائية. في هذا النموذج، يصبح الأثر النفسي والعملياتي للغموض لا يقل أهمية عن الهجوم نفسه.
والأهم من ذلك، أن حادثة تدمر تختلف أيضاً عن النمط العملياتي الكلاسيكي المرتبط تاريخياً بتنظيم داعش. فلم يكن هناك استخدام عبوة ناسفة مرتجلة محمولة على مركبة، ولا هجوم منسق متعدد الخلايا، ولا نشر دعائي فوري، ولا محاولة - على الأقل حتى الآن - لتصوير العملية كجزء من حملة أوسع. بدلاً من ذلك، يبدو الهجوم أقرب إلى كمين مُستهدف أو اشتباك داخلي، يستغل القرب ونقاط الضعف المؤقتة بدلاً من استخدام القوة الغاشمة. يثير هذا احتمال أن يكون منفذ الهجوم فرداً متأثراً بتنظيم داعش يعمل بشكل مستقل، أو مسلحاً محلياً مندمجاً ضمن منظومة قريبة من داعش دون توجيه مباشر من قيادة مركزية. في كلتا الحالتين، يُعقّد هذا الغموض العملياتي تصنيف التهديدات التقليدية.
ومن المفارقات أن غياب تبنّي الهجوم يجعل أثره أكثر زعزعة للاستقرار، إذ يبدّد وضوح المسؤولية ويُربك التقييمات الاستخباراتية، ويدفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع دائرة الشك بدل توجيهها نحو خصم محدد.
وفي هذا السياق، لا تقتصر الأسئلة على هوية المنفّذ، بل تمتد إلى احتمال وجود ثغرات في التدقيق الأمني أو الاستخبارات أو حتى اختراق داخلي، وهو ما يضعف الثقة بين الشركاء ويعطّل آليات التنسيق في العمليات المشتركة. فعلياً في نمط العمليات المشتركة، يؤدي تآكل الثقة إلى إضعاف التنسيق بين الشركاء، وهو ما يحمل تداعيات خطيرة على الجهاز الأمني الانتقالي في سوريا. فهجوم غير مُعلَن في قلب البادية يكشف استمرار قابلية الاختراق وحدود السيطرة في المناطق الهشة، ويغذّي انعدام الثقة والتشرذم المؤسسي في مرحلة تتطلب أعلى درجات التكامل.
في نهاية المطاف، يُحوّل غياب إعلان المسؤولية عن هجوم تدمر من حادث أمني منفصل إلى إنذار استراتيجي. فهو يُشير إلى مرحلة من الصراع لم يعد فيها العنف يُعلن عن نفسه، ويتم فيها التعتيم على تحديد المسؤول عنه عمداً، ويصبح الخط الفاصل بين الإرهاب المنظم والتطرف المنتشر أكثر ضبابية. في مثل هذه البيئة، لا يكمن الخطر الأكبر في حجم الهجمات الفردية، بل في قدرتها التراكمية على تقويض الثقة والتعاون والبنية الهشة للأمن في سوريا ما بعد الحرب.
