بعيد سقوط النظام الأسدي لم تشهد سوريا مرحلة الاستقرار الحقيقي. ما زالت الكثير من المناطق خارج سيطرة الدولة، وسط هشاشة أمنية في المناطق التي تحت سيطرة الحكومة.
الهجوم الأخير في تدمر لم يكُن مجرد حادث أمني عابر، بل مؤشر سياسي واقتصادي على الهشاشة الأمنية لمؤسسات الدولة السورية، واستمرار الإرهاب كظاهرة كامنة في الفراغات الجغرافية والسياسية، كما أنه متجذر في أفكار المقاتلين الذين تنقلوا بين العديد من الفصائل خلال فترة الثورة. ما حدث يطرح أسئلة مركبة حول الدولة، التنظيمات المتطرفة، ودور الفاعلين المحليين والدوليين في إدارة الملف السوري.
البادية السورية: قلب الفراغ الأمني
البادية السورية تمثل منذ سنوات، الحلقة الأضعف في بنية السيطرة السورية. شاسعة المساحة، قليلة السكان، ومتداخلة النفوذ، مع غياب الإدارة المدنية الفاعلة. في هذا الفضاء، لا تحتاج التنظيمات المتطرفة إلى حاضنات اجتماعية تقليدية، فهي تستثمر في ضعف الدولة، وتفكك السلطة، وتضارب المرجعيات الأمنية.
الإرهاب هنا لا يعمل كجيش منظّم، بل كشبكة ظلّية مرنة، قادرة على التخفي، والضرب، ثم الاختفاء، مستفيدة من اقتصاد التهريب، وضعف المحاسبة، وتآكل الانضباط المؤسسي. هذا الواقع يعكس هشاشة البنية الأمنية، وغياب قدرة الدولة على فرض سيطرتها حتى على مناطق تعتبر "نقاط تماس استراتيجية".
الاختراق من الداخل: مؤشرات أزمة الثقة
الأخطر في تدمر ليس الهجوم ذاته، بل طبيعة الاختراق الأمني الذي تكشفه المعطيات. عندما يصبح الزي الرسمي أحياناً غطاءً للعنف، تتحول الدولة نفسها إلى ساحة صراع صامت. هذا النوع من الاختراق لا يمكن عزله كخلل فردي، بل هو انعكاس لأزمة ثقة عميقة داخل المؤسسات، وفشل في منظومات الفرز والرقابة والعقيدة الأمنية.
في هذه اللحظة، يتبدّل السؤال من "كيف تسلل المهاجمون؟" إلى كيف تآكلت الحدود بين الحامي والتهديد؟ فغياب الانضباط المؤسسي يجعل الدولة عرضة للزحف التدريجي للتنظيمات المتطرفة، ويؤكد أن الهجوم لم يكن حدثاً معزولاً بل نتيجة طبيعية لبيئة هشّة ومفتوحة.
الوجود الأميركي تحت الضغط
استهداف دورية مشتركة قرب تدمر حمل رسالة مباشرة إلى واشنطن: الوجود العسكري المحدود لا يضمن الحماية ولا الكلفة المحدودة. الشراكات المحلية، التي تعد حجر الزاوية في الاستراتيجية الأميركية بسوريا، تبدو عرضة للاختراق، ما يضع الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة: تشديد الانخراط الأمني، تقليص الحضور، أو الاكتفاء بردود فعل انتقائية لا تعالج جذور المشكلة.
في كل الحالات، يزداد عبء البقاء دون أفق سياسي واضح، خصوصاً في ظل هشاشة المؤسسات وغياب سلطة مركزية قادرة على إدارة الأزمة بفعالية.
تدمر: المدينة كرمز للخطر المتجدد
ليست تدمر مجرد موقع جغرافي؛ هي مدينة محمّلة بالرمزية التاريخية والسياسية، وشاهد حي على صعود تنظيم "داعش" وانكساره سابقاَ. عودة العنف إلى محيطها، ولو بشكل محدود، يحمل دلالة واضحة: التنظيمات المتطرّفة لم تعد بحاجة إلى السيطرة العلنية، بل يكفيها تقويض سردية "الاستقرار"، وإبقاء البلاد في حالة توتر دائم.
إنها عودة بلا رايات، لكنها أكثر خطورة لأنها تعكس قدرة الإرهاب على التكيف مع الفراغات السياسية والأمنية، وتحويل ضعف الدولة إلى عامل استمراريته.
استراتيجيات الردع المشترك
في أعقاب الحادث، انضم نحو 200 عنصر من قوات "مكافحة الإرهاب"، التي جرى تدريبها في الأردن، إلى غرفة عمليات مشتركة مع التحالف الدولي. القوة تتشكل من عناصر تابعة للحكومة السورية وأخرى من "قسد"، ضمن تنسيق أمني–عسكري محدود، على أن يبدأ انتشارها على محور دير الزور–تدمر.
يشير هذا التشكيل إلى مستوى متقدم من التنسيق الأمني غير المعلن، خصوصاً في ملف مكافحة الإرهاب في البادية. اختيار هذا المحور يعكس إدراكاً مشتركاً لخطورة المنطقة، الأكثر نشاطاً للخلايا الإرهابية، ويشير إلى أهمية وجود أدوات محلية مشتركة قبل أي تدخل خارجي واسع.
قسد ومعادلة الاستفادة
أعادت حادثة تدمر تثبيت معادلة شبه محسومة لدى الفاعلين الدوليين: أي عمل عسكري ضد "قسد" سيخلق فراغاً أمنياً مباشراً، ما سيؤدي إلى إعادة نشاط خلايا داعش بقوة، خصوصاً في البادية وعلى خطوط التماس الحساسة. بهذا تصبح "قسد" طرفاً محمياً ضمن الحسابات الأمنية الدولية، بوصفها حاجزاً مؤقتاً أمام الفوضى، وليس حلاً دائماَ.
في الوقت نفسه، بات التحالف الدولي ينظر بريبة متزايدة إلى بعض العناصر التابعة للحكومة السورية الجديدة، خصوصاً في ظل مؤشرات الاختراق الأمني وضعف إعادة الهيكلة المؤسسية وتضارب الولاءات. هذه الريبة لا تصل إلى حد القطيعة، لكنها تكفي لإعادة ترتيب الثقة، وتفضيل نماذج الشراكة المختلطة مع "قسد"، بدل الاعتماد الحصري على مؤسسات لم تكتمل بعد عملية الإصلاح البنيوي.
القامشلي: تفاوض صامت
بالتوازي، وصل وفد حكومي سوري في 14 كانون الأول/ديسمبر 2025، إلى مدينة القامشلي عبر معبر سيمالكا، في زيارة سرية للغاية، بهدف استكمال مسار الاندماج بين الحكومة "قسد"، ومتابعة تنفيذ بنود اتفاق 10 آذار/مارس 2025.
اختيار مسار الدخول غير التقليدي يعكس حساسية المرحلة، والخشية من تدخلات خارجية أو ضغوط سياسية قد تعرقل المفاوضات. كما تشير السرية إلى أن النقاشات المحتملة تتناول نقاطاً جوهرية وخلافية في ملف الاندماج، وأن أي تسريب مبكر قد يؤثر سلباً على النتائج. هذه الخطوة توحي بأن المسار التفاوضي مستمر، رغم التعقيدات، لكنه مرهون بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات إلى خطوات تنفيذية ملموسة.
الإرهاب: عرض للأزمة وليس أصلها
حادثة تدمر تذكّر بأن الإرهاب في سوريا ليس أصل الأزمة، بل أحد أعراضها المستمرة. الدولة غير المتماسكة، المؤسسات المخترقة، الفراغات الجغرافية والسياسية، كلها عوامل تضمن استمرار العنف بأشكال جديدة، حتى مع تغيّر الأسماء والأساليب.
وفي ظل هذا الواقع، تصبح المدن مثل تدمر عنواناً متجدّداً لهشاشة الدولة، وبيئة خصبة للإرهاب المستمر. ولا يمكن لأي استراتيجية أمنية أو عسكرية مؤقتة أن تحقق الاستقرار الدائم، ما لم تُعالج الجذور السياسية والمؤسساتية للأزمة.
الهجوم على تدمر ليس مجرد إنذار أمني، بل مؤشر سياسي على هشاشة الدولة السورية المستمرة بعد الحرب. الأحداث الأخيرة تؤكد أن الدولة غير المتماسكة، الفراغات الأمنية والمؤسسات المخترقة توفر بيئة مثالية لتكرار العنف، بينما تستفيد "قسد" من هذه المعادلة، ويعيد التحالف الدولي ترتيب حساباته الأمنية تجاه الحكومة الجديدة.
تدمر اليوم تمثل مرآة سوريا بعد الحرب: مكان رمزي، هش، معرض دائم للعنف، حيث لا يُقاس الاستقرار بعدد الجنود أو الدوريات، بل بقدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية، واستعادة سيادة فعلية على كل شبر من الأرض.
