مبدأ مونرو.. هيمنة أميركية لم تنتهِ

شفيق طاهرالثلاثاء 2025/12/16
Image-1765893393
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يعدّ مبدأ مونرو، الذي أُعلن عام 1823 على لسان الرئيس الأميركي جيمس مونرو، ووزير خارجيته جون كوينسي آدامز، أحد أكثر الثوابت تأثيرا في تاريخ السياسة الخارجية للولايات المتحدة. في صيغته الأصلية، أعلن المبدأ أن نصف الكرة الغربي مغلق أمام أي استعمار أو تدخل أوروبي جديد، مقابل تعهد أميركي بعدم التدخل في الشؤون الأوروبية. وقد صُمّم هذا الإعلان أساساً كدرع سياسي يحمي الجمهوريات الناشئة في أميركا اللاتينية، لكنه سرعان ما خضع لتحولات عميقة عكست تغير موازين القوة العالمية وطموحات واشنطن المتنامية.

 

قلق دولة فتية ومن الحماية إلى التدخل

في مرحلته الأولى خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان المبدأ تعبيرا عن قلق اميركا الفتية التي تخشى عودة القوى الاستعمارية الأوروبية، خصوصاً إسبانيا وفرنسا، إلى القارة الأميركية. ورغم أن الولايات المتحدة لم تكن تملك آنذاك القوة العسكرية لفرض هذا المبدأ، إلا أنه أسّس لسابقة مفادها أن لواشنطن مصلحة خاصة في شؤون نصف الكرة الغربي. ومع مرور الوقت، تحول هذا الادعاء من موقف دفاعي رمزي إلى إطار نظري للتوسع والنفوذ.

لكن، ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، شهد مبدأ مونرو تحولاً جوهرياً. فبعد الحرب الأهلية وصعود الولايات المتحدة كقوة صناعية وعسكرية، لم يعد المبدأ مجرد حاجز ضد أوروبا، بل أصبح أداة تبرر التدخل الأميركي المباشر في شؤون دول أميركا اللاتنية. وقد تجسد هذا التحول بوضوح في "استنتاج روزفلت" عام 1904، الذي منح فيه واشنطن حق التدخل في دول أميركا اللاتينية بحجة حفظ الاستقرار أو ضمان سداد ديون هذه الدول إلى أميركا، ما نقل الولايات المتحدة من دور الحامي المعلن للاستقلال إلى دور "شرطي" نصف الكرة الغربي.

 

حسن الجوار وإعادة تعريف أيديولوجيا

في ثلاثينيات القرن العشرين، حاولت إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت، التخفيف من الإرث التدخلي عبر اتباع سياسة حسن الجوار مع دول أميركا اللاتينية ، التي ركزت على احترام السيادة وعدم التدخل العسكري المباشر. غير أن هذا التحول لم يلغ جوهر المبدأ، بل أُعيدت صياغته بأدوات دبلوماسية واقتصادية، حافظت على النفوذ الأميركي بوسائل أقل صدامية.

خلال الحرب الباردة، اكتسب مبدأ مونرو بعداً أيديولوجياً جديداً، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أي نفوذ سوفياتي في الأميركتين، انتهاكاً مباشراً لروحه. وبهذا المنطق، بررت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، ودعمت أنظمة موالية لواشنطن، ونفذت عمليات سرية في دول مثل تشيلي وغواتيمالا، تحت شعار حماية نصف الكرة الغربي من الخطر الشيوعي.

 

ما بعد الحرب الباردة إعادة تدويره

مع انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد المبدأ مبرره الأيديولوجي التقليدي، واتجهت الولايات المتحدة إلى أدوات جديدة للنفوذ، مثل الاتفاقيات التجارية والتكامل الاقتصادي، مع الاستمرار في خطاب القيادة الإقليمية. وفي هذا السياق، جاء إعلان وزير الخارجية جون كيري عام 2013، بأن عصر مبدأ مونرو قد انتهى، في إشارة إلى إدراك أميركي رسمي بتغير بنية النظام الدولي وتراجع قابلية الهيمنة الأحادية، خصوصاً مع تنامي الدورين الصيني والأوروبي في أميركا اللاتينية.

على الرغم من ذلك، لم يختف المبدأ من النقاش السياسي الأميركي. فبعض الأصوات في واشنطن تدعو إلى مبدأ مونرو حديث لمواجهة التمدد الصيني، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة. في المقابل، يحذر منتقدون من أن إحياء هذا المبدأ سيعيد إنتاج أنماط تاريخية من الوصاية وتقويض السيادة، ويقوض فرص بناء شراكات متكافئة مع دول أميركا اللاتينية، داعين إلى الاعتماد على أطر إقليمية متعددة الأطراف لمواجهة تحديات مشتركة مثل الهجرة وتغير المناخ.

 

فنزويلا كنموذج حي للإرث المتناقض

تعد العلاقات الأميركية الفنزويلية مثالاً على هذا الإرث المتناقض. فمنذ الحرب الباردة، ارتبطت سياسة واشنطن تجاه فنزويلا بمخاوف الطاقة والاستقرار الإقليمي. ومع صعود الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز وخطابه المعادي للولايات المتحدة، ثم تحالفاته مع قوى خارجية كروسيا والصين وإيران، عادت منطقية مبدأ مونرو إلى الواجهة دون تسميته صراحة. واستمرت هذه المقاربة في عهد الرئيس نيكولاس مادورو عبر العقوبات والضغوط السياسية، التي قدمت باعتبارها دفاعا عن الديمقراطية، لكنها واجهت انتقادات بوصفها شكلا حديثا من الإكراه، مما يفسر الحشد الأميركي العسكري امام السواحل الفزويلية.

في المحصلة، يوضح تاريخ مبدأ مونرو وكيف تحول من إعلان دفاعي ضد الاستعمار إلى إطار يستدعى لتبرير سياسات متباينة، من التدخل العسكري إلى العقوبات الاقتصادية. ورغم الإعلان عن نهايته رسمياً، فإن منطقه لا يزال حاضراً في خلفية السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية. ويبقى التحدي الأساسي أمام صانعي القرار في واشنطن هو الاختيار بين إحياء صيغة جديدة من الهيمنة، أو القبول بشراكات تقوم على الاحترام المتبادل وتعكس واقع عالم متغير ومتعدد الأقطاب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث