بعيداً عن نظريّات المأزومة والمهزومة والمآزق وغيرها من مفردات اللغة الخشبيّة التي ما زال بعض المهرّجين في لبنان والمنطقة يقاربون من خلالها واقع إسرائيل الحالي، فإنّ ثمّة حقيقة ثابتة لا جدال فيها بدأت بالظهور منذ عدّة سنوات، وحتى قبل 7 تشرين الأوّل 2023، ألا وهي تهشّم وتراجع صورة إسرائيل في العالم، خصوصاً في الغرب، وتحديداً، (وهنا الخطورة الكبرى بنظر تل أبيب)، عند الفئة الشبابيّة من الإنجيليّين الذين يشهد دعمهم وتأييدهم التاريخي له انحساراً وانخفاضاً غير مسبوق، وفقاً لآخر الإحصاءات الأميركيّة.
بالأرقام: الشباب الإنجيليّون يتخلّون عن إسرائيل
في العام 2024، لفتت صحيفة "جيروزالِم بوست" إلى أنّ الدعم لإسرائيل بين الإنجيليّين الشباب قد انهار بأكثر من 50% خلال ثلاث سنوات، استناداً إلى كتاب صدر عام 2023 بعنوان: "الصهيونيّة المسيحيّة في القرن الحادي والعشرين: الرأي الإنجيلي الأميركي تجاه إسرائيل". وبالمثل، أظهر استطلاع للرأي أُجري بين 22 آذار و2 نيسان 2021، قامت به مجموعة "بارنا"، وهي منظّمة بحثيّة اجتماعيّة، بالتعاون مع مردخاي إنباري وكيريل هومين (أستاذان في جامعة نورث كارولينا في مدينة بيمبروك الأميركيّة)، أظهر أنّ الدعم لإسرائيل بين الإنجيليّين الأميركيّين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً انخفض إلى النصف بين عامي 2018 و2021. ليس هذا فحسب، ففي استطلاع عام 2021، عبّر 33.6% فقط من المستطلَعين عن دعمهم الإيجابي لإسرائيل، بعد أن كان 69% عام 2018. كما كشف الإحصاء ذاته أيضاً أنّ 42% من الإنجيليّين الشباب ضمن تلك الفئة العمريّة عرّفوا عن أنفسهم على أنّهم محايدون، فلا يدعمون إسرائيل ولا فلسطين.
ومع أنّه لا توجد بيانات لمسح ميداني تتتبّع على وجه التحديد مواقف الإنجيليّين الشباب تجاه إسرائيل منذ عام 2021 حتّى الآن، غير أنّ استبياناً حديثاً، أُنجز في آب/أغسطس 2025 من قبل جامعة هارفارد ومؤسّسة هاريس للأبحاث، وجد أنّ غالبيّة أبناء الجيل Z (المولودين بين عامي 1997 و2012) يدعمون حركة "حماس". وعند سؤالهم عمّا إذا كان ينبغي لـ"حماس" أن تبقى في السلطة في حال أفرجت عن الرهائن الإسرائيليّين المتبقّين، ردّ 60% من مستطلَعي الجيل Z بالإيجاب.
أسباب تراجع التأييد
لا شكّ أنّ "تسونامي" وسائل التواصل الاجتماعي المعادي لإسرائيل، الذي أعقب الحرب الأخيرة على غزّة، لعب على الأرجح دوراً مهمّاً في هذا التحوّل العميق، لكن هناك عدّة عوامل لا تقلّ أهميّة أسهمت في هذا التراجع في دعم إسرائيل. أوّلها: ما يُعرف باسم "التفكيكيّة"، أي انتشار أيديولوجيا الـ"ووك" (Woke ideology) أو "أيديولوجيّة الصحوة"، وهي توجّه فكري حديث ينتشر بقوّة بين الشباب عبر الجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي، ويركّز على قضايا مثل:
1 ــ الظلم التاريخي
2 ــ حقوق الأقليّات
3 ــ الصراع بين "الضحيّة" و"الجلّاد" (من هنا تُصوَّر إسرائيل كقوّة محتلة، والفلسطينيّون كضحايا)
وثانيها: الجهل بالكتاب المقدّس، أي ضعف معرفة الجيل الجديد بالنصوص الدينيّة والكتاب المقدّس، خصوصاً تلك التي شكّلت تاريخيّاً الأساس اللاهوتي لدعم الإنجيليّين لإسرائيل.
ما هي التفكيكيّة الإنجيليّة الشبابيّة؟
عمليّاً، يعيد كثير من الإنجيليّين الشباب حاليّاً تقييم إيمانهم ومعتقداتهم من خلال عمليّة أُطلق عليها اسم "التفكيكيّة". وتؤدّي هذه العمليّة إمّا إلى رفض الإيمان بالكامل، أو، في بعض الحالات، إلى اعتناق شكل "تقدّمي" أكثر من المسيحيّة.
أكثر من ذلك، إنّ إحدى العقائد الإنجيليّة الأساسيّة التي يجري تفكيكها، ولا سيّما في ما يتعلّق بإسرائيل، هي عقيدة "التدبيريّة" التي تقوم على فكرة أنّ الله يتعامل مع البشر عبر مراحل مختلفة في التاريخ، بحيث تكون لكلّ مرحلة طبيعتها ودورها الخاص. ووفقاً لهذا الفهم، فإنّ لإسرائيل مكانة ودوراً مميّزين في خطّة الله، يختلفان عن دور الكنيسة، ولا سيّما في ما يتعلّق بالشعب اليهودي. ولهذا السبب، شكّلت هذه العقيدة أساساً دينيّاً قويّاً لدعم كثير من الإنجيليّين لإسرائيل في السابق.
غير أنّ انتشار ما يُعرف بـ"التفكيكيّة" بين الإنجيليّين الشباب، أدّى إلى التشكيك في هذه العقيدة أو التخلّي عنها. ومع تراجع هذا الأساس الديني، انخفض الدعم لإسرائيل، بعدما لم تعد تُنظَر إليها على أنّها جزء من دور ديني خاص، بل كدولة عاديّة كسائر الدول.
"التدبيريّة" وتحَوُّل النظرة تجاه إسرائيل
ترتبط "التدبيريّة" ارتباطاً وثيقاً بالإطار الأخروي لما قبل الألفيّة، حيث يُعرَّف علم الأخرويّات بأنّه دراسة أحداث نهاية الزمان. بدورها، تركّز عقيدة ما قبل الألفيّة على الإيمان المسيحي بـ"اختطاف الكنيسة"، وهو حدث أخروي تُختطف فيه الكنيسة، أي المؤمنون الأحياء، "يُؤخَذون" إلى السماء، حيث يلتقون يسوع المسيح في الهواء، إلى جانب المؤمنين الذين قاموا من بين الأموات.
ويؤكّد أتباع المذهب التدبيري أنّ اختطاف الكنيسة سيحدث بعد عودة الشعب اليهودي إلى أرض إسرائيل، وأنّه سيسبق فترة سبع سنوات تُعرَف بالضيق العظيم، وهي فترة ألف عام يحكم خلالها المسيح على الأرض.
رفض عقيدة "شعب الله المختار"
على عكس آبائهم وأجدادهم، فإنّ شباب الإنجيليّين اليوم أقلّ اهتماماً بالأحداث المستقبليّة، مثل اختطاف الكنيسة أو الضيقة العظيمة. كما يُبدون اهتماماً أقلّ باللاهوت المعقّد للتدبير الإلهي. وبالمثل، تضاءلت أهميّة عودة الشعب اليهودي إلى الأرض الموعودة لهم في عهد إبراهيم (سفر التكوين 12) ضمن رؤيتهم الأخرويّة. إذ أصبحوا يميلون بشكل متزايد إلى التقليل من شأن أهميّة عودة إسرائيل في نهاية الزمان، واختطاف الكنيسة، والمجيء الثاني للمسيح.
إلى جانب ذلك، يرفض العديد من الإنجيليّين الشباب مذهب ما قبل الألفيّة، خصوصاً تركيزه على أهميّة أرض إسرائيل وإيمانه بأنّ اليهود هم "شعب الله المختار". ونتيجةً لذلك، لم يعد لوجود إسرائيل أيّ أهميّة تُذكَر في إطار إيمان ومعتقدات العديد من الإنجيليّين الأميركيّين الشباب.
العدالة الإجتماعية وتحرير الشعوب
ومع تزايد انخراط الإنجيليّين الشباب في تفكيك إيمانهم، ينجذبون إلى موضوعات العدالة الاجتماعيّة وإلى لاهوت يركّز على تحرير الشعوب التي يُنظَر إليها على أنّها مُضطهَدة. وضمن هذا الإطار، تُصوَّر إسرائيل على أنّها الجلّاد، والفلسطينيّون على أنّهم الضحايا، كما تُقدَّم تل أبيب نفسها بوصفها دولة فصل عنصري واستعماراً استيطانيّاً عنصريّاً.
