في حادث أمني نادر ومقلق، اخترق الرصاص هدوء لقاء محلي في مدينة تدمر شرقي حمص، ليُسقط جنديين أميركيين ومترجمًا مدنيًا، ويُصيب ثلاثة آخرين، في لحظة كشفت عن هشاشة البنية الأمنية في واحدة من أكثر المدن حساسية استراتيجيًا وأمنيًا في سوريا.
الهجوم، الذي وقع يوم الأحد داخل محيط فرع البادية (221)، لم يكن عشوائيًا، بل نُفّذ في لحظة دقيقة: أثناء مغادرة وفدٍ أميركي ومرافقه المحليين بعد اجتماعٍ مع قيادات أمنية، ما يطرح سؤالًا خطيرًا: هل كان الجاني "من الداخل"؟
وفق معلومات من مصادر مطلعة، فإن إطلاق النار جاء من مصدرٍ داخلي، من داخل الفرع نفسه، وليس عبر تفجير انتحاري كما تردد أولًا، ولا توجد مؤشرات على استخدام حزام ناسف أو أي وسيلة متفجرة. بمعنى آخر: من أطلق النار كان على معرفة دقيقة بتوقيت خروج الوفد، وربما حصل على تسهيلات تساعده على التواجد في المكان والزمان المناسبَين.
وقد غادر الرتل الأميركي تدمر فورًا باتجاه قاعدة التنف، مُحاطًا بمرافقة جوية من التحالف الدولي، في إجراء يشير إلى مستوى غير مسبوق من القلق الأمني، بل وربما فقدان الثقة في التغطية الأرضية المحلية.
السؤال الأصعب الذي تطرحه الحادثة: كيف لشخص، سواء كان موظفًا أمنيًا أو متعاونًا مع فرع، أن ينفذ عملية بهذا الحجم، في قلب مؤسسة أمنية، ضد وفد دولي، دون أن تنتبه له الأنظمة الأمنية؟
لا إجراءات مباشرة؟
وفي هذا الصدد، قال الخبير الأمني ضياء قدور في حديث لـ "المدن": "في المقام الأول، هناك إجراءات مباشرة يجب اتخاذها، أبرزها إعادة النظر في آلية تصفية واختيار العناصر، بما يضمن التخلص من جميع الشوائب، بما في ذلك كل من يُظهر أي تعاطف، ولو كان لفظياً، مع تنظيم "داعش"، إذ بات واضحاً أن هذه الفئة تشكّل خطراً أمنياً لا يمكن تجاهله، وينبغي أن تتم عملية انتقاء العناصر وفق معايير واضحة ومهنية".
وتابع: "وعلى المدى المتوسط والأبعد، يبرز رفع القدرات الاستخباراتية والاستباقية للقوات الحكومية كأولوية أساسية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر تعزيز التعاون العسكري والأمني بين القوات السورية والأميركية، إلى جانب رفع القيود القانونية والإجرائية (قانون قيصر) التي تعيق الحكومة السورية في مجالات الاتصالات والتعاون الاستخباراتي".
وأضاف: "كما يُعدّ من الضروري، على المدى البعيد، إلزام قوات سوريا الديمقراطية باتخاذ إجراءات سريعة وعاجلة وفورية، إذ إن تأخرها في الاندماج أثّر بشكل كبير على مسار مكافحة الإرهاب".
غياب أهالي تدمر الأصليين يراكم الثغرات
ويُشير متابعون ميدانيون إلى أن غياب أهالي تدمر الأصليين، الذين حاربوا "داعش" على أرض الواقع، وعرفوا خبايا الشبكات المحلية، عن دائرة القرار الأمني، قد ساهم في تراكم الثغرات، فكثير من هؤلاء، بالرغم من خبرتهم وانتمائهم الوطني الواضح، مُنعوا من الانضمام إلى المؤسسات الأمنية الجديدة، فيما وُظّف آخرون لم تُجرَ عليهم فحوصات دقيقة، أو يحملون سجلات مشبوهة مع النظام السابق أو التنظيمات المتطرفة.
وبعد الحادث، عبّر أهالي تدمر عن استيائهم بالقول: "ما حدث ليس صدفة، ولا استثناءً، نحن نعيش في ظل مؤسسات تعتمد على الكم لا النوع، وتهمّش الكفاءة لحساب الولاءات غير المبررة، فالاختراقات ليست واردة فقط، بل سهلة جدًا في هذا الوضع".
وطالب الأهالي مجددًا بتطهير صفوف الأجهزة الأمنية والعسكرية في تدمر من أي عناصر مرتبطة بالماضي أو بشبهة تعاون مع "التنظيم الأسود" (داعش)، إعادة النظر في آليات التوظيف، واعتماد معايير شفافة قائمة على الكفاءة والانتماء المجتمعي، إشراك قيادات محلية معروفة بمصداقيتها ونضالها في إدارة الملف الأمني.
اختبار أمني مبكّر
من جهته، قال المحلل السياسي، الدكتور عبد الظاهر وحود لـ"المدن"، إن "هجوم تدمر يعتبر بالدرجة الأولى اختبار أمني مبكر ومسؤولية دولة ولا يندرج تحت بند الفوضى، إذ يفتح الهجوم الذي وقع في مدينة تدمر شرقي حمص الباب أمام جملة من التساؤلات المشروعة، ليس فقط حول طبيعته وخلفياته، بل حول كيفية تعامل الدولة السورية الجديدة مع تحديات أمنية معقّدة، ورثتها في مرحلة انتقال حساسة، وفي بيئة إقليمية ودولية شديدة التشابك".
وأضاف: "أولًا، لا يمكن قراءة هذا الهجوم بمعزل عن الواقع وأن سوريا اليوم ما زالت ساحة مفتوحة لتقاطع مصالح دولية، في مقدمتها الوجود العسكري الأميركي شرق البلاد، فمثل هذه الهجمات، سواء كانت فردية أو منظمة، تُستخدم غالباً كذريعة لبقاء الوجود الأميركي تحت عنوان (محاربة الإرهاب وسد الفراغ الأمني) برغم أنه من الثابت أن هذا الوجود لم يمنع سابقاً الفوضى ولا الهجمات، بل كان جزءً من تعقيد المشهد الأمني".
ومن هذه الزاوية، فإن الحكومة السورية الجديدة، وحسب وحود، تدرك أن المعالجة لا تكون بردود فعل إعلامية أو أمنية متسرعة، بل عبر تثبيت معادلة واضحة ألا وهي أن الأمن مسؤولية الدولة وحدها، ولا يُبنى بالوصاية الخارجية. ولذلك فإن أي حادث أمني، مهما كان حجمه، يُقابل اليوم بمنهج مؤسساتي قائم على التحقيق، والمحاسبة، وسد الثغرات، لا بمنطق التعميم أو الاستثمار السياسي.
وأضاف: "ثانيًا، في ما يخص تعامل الحكومة مع هذه الملفات الحساسة، فإن المرحلة الحالية هي مرحلة تفكيك الإرث الأمني الثقيل الذي تراكم على مدى سنوات طويلة من الحكم البائد عبر إثارة النعرات الطائفية والانقسام، حيث تداخلت الأجهزة الأمنية، وتشوّهت البنى المجتمعية، واخترقت مفاصل حياة المواطن، ومن الطبيعي أن تظهر محاولات تخريب، سواء كانت بدوافع أيديولوجية أو انتقامية أو حتى بتوجيه خارجي، يستهدف إرباك المشهد وإرسال رسائل سياسية أكثر من تحقيق مكاسب ميدانية".
ورأى أن "الحديث عن احتمالية أن يكون المهاجم عنصرًا أمنياً حتى وإن ثبت ذلك لا يُعد دليل ضعف للدولة، بل العكس تماماً، فالدول الخارجة من النزاعات غالباً ما تواجه حالات اختراق أو أعمال فردية داخل مؤسساتها، والتعامل الشفاف والحازم مع هذه الفرضيات هو ما يميّز دولة القانون عن دولة التستر. الخطير كما كان يفعل النظام البائد ويتستر على جرائم عناصره".
رسالة الحكومة: لا أحد فوق المحاسبة
واعتبر أن الحكومة السورية الجديدة، وهي تواجه هذا النوع من التحديات، ترسل رسالة واضحة فحواها أن لا أحد فوق المحاسبة، ولا تساهل مع أي تهديد لأمن المواطنين، وفي الوقت ذاته لا انجرار إلى فوضى الاتهامات أو إلى استنساخ أساليب الماضي، والهدف هو بناء جهاز أمني ووطني ومهني، خاضع للمساءلة، وقادر على منع تكرار مثل هذه الحوادث عبر العمل الاستخباراتي الوقائي، لا عبر القبضة الحديدية، وفق وجهة نظره.
وختم قائلا: "هجوم تدمر ليس مؤشر انهيار، بل اختبار مبكر لجدية الدولة الجديدة في ترسيخ الاستقرار، والفرق الجوهري اليوم أن الدولة لا تتعامل مع الأمن كأداة حكم، بل كوظيفة سيادية لحماية المجتمع، وهذا ما يقلق خصوم الاستقرار ودعاة الانفصال و اللامركزية".
وبالرغم من أن البنتاغون أكد أن الحادث لا يزال قيد التحقيق، فإن مقتل جنديين أميركيين في منطقة تُصنف "مستقرة نسبيًا"، قد يُعيد فتح جدل داخلي في واشنطن حول جدوى الوجود العسكري في سوريا، خصوصًا في ظل تباطؤ التقدم الميداني ضد خلايا داعش، وتزايد المخاطر على القوات غير المقاتلة.
لكن في الوقت نفسه، قد يدفع الحادث الإدارة الأمريكية إلى تشديد شروط الدعم مشروطًا بتغييرات هيكلية في المؤسسات الأمنية السورية في مناطق مثل تدمر، أي أن واشنطن قد لا تغادر، لكنها ستُصعّد من الضغط على دمشق لـ"ترتيب بيتها الداخلي"، كما طالب أهالي تدمر.
عملية مفاجئة
بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي، أحمد العربي لـ "المدن": "لقد كانت العملية مفاجئةً للجهات الأمنية السورية، حين أقدم أحد العناصر، كان يرافق لقاءً مهمًّا مع قوات أمريكية في منطقة تدمر السورية، على إطلاق النار على الوفد الأميركي، ما أسفر عن جنديَين ومترجم مدني، وسرعان ما أوضحت الجهات الأمنية السورية أن ما قام به العنصر يُعتبر عملاً فرديًّا، وأنه يحمل أفكارًا متطرفة، مشيرةً إلى أنه كان قيد المتابعة أمنيًّا، وكان من المقرر إبعاده عن منصبه في المؤسسة الأمنية، وبهذا، نأت السلطات الأمنية بنفسها عن الحادث، ووصفت الواقعة بأنها (عمل إرهابي)، وقدمت القيادة السورية تعازيها للولايات المتحدة بوفاة العسكريين والمترجم".
من جهتها، أكّدت أعلى السلطات الأميركية أنها تدرك أن الحادث يُصنّف عملاً فرديًّا، وأنها ما زالت تثق بالسلطات السورية، وتعوّل عليها في مواصلة دورها في مكافحة إرهاب تنظيم (داعش)، حسب العربي، وعلى أثر ذلك، أقدمت القوات الأمنية السورية على اعتقال خمسة أشخاص يُشتبه في صلتهم بالمهاجم، الذي قُتل خلال العملية، وفق ما أعلنته الجهات الأمنية السورية.
ولفت إلى أنه "في الوقت الحالي، تشهد الساحة الأمنية في سوريا تصعيدًا مفتوحًا بين القوات الأمنية وفلول داعش، إذ يدخل في سياق هذا التصعيد الهجوم الذي وقع أمس في معرة النعمان، وأسفر عن مقتل أربعة من عناصر الأمن السوري، إضافةً إلى الهجوم الذي استهدف ريف حلب، عقب حادثة تدمر، وأسفر عن إصابة أحد عناصر الأمن"، مرجحاً أن تشهد الأيام القادمة موجةً واسعة من المتابعات الأمنية والعمليات الميدانية الرامية إلى استئصال بقايا داعش في سوريا، حسب تعبيره.
يُشار إلى أنه لا توجد أي جهة أعلنت مسؤوليتها، ولا دليل قاطع على أن الهجوم من تخطيط داعش أو فصيل آخر، لكن إذا تأكدت فرضية "العنصر الأمني" أو "التسهيل الداخلي"، فإن الحادث لن يكون مجرد خرق أمني، بل مؤشرًا خطيرًا على عمق اختراقات في مؤسسات تُفترض أن تكون خط الدفاع الأول ضد الإرهاب.
وفي انتظار نتائج التحقيق المشترك، تبقى تدمر، المدينة التي عادت من حطام تنظيم داعش، تنتظر من دمشق إجابة واحدة: هل ستُعالج الجذور، أم تكتفي بإخماد الحرائق؟
