جاءت عملية تدمر التي أعلنت الحكومة السورية تورط شخصية منتمية لداعش فيها، كمؤشر على استراتيجية جديدة لداعش في سوريا، تتمثل بمحاولة ضرب العلاقة الناشئة بين سوريا والولايات المتحدة، في تطور لافت لتكتيكاته القديمة المعتمدة على استهداف التجمعات المدنية. في المقابل يشكك مراقبون في فرضية الحكومة حول الهوية الداعشية لمنفذ العملية، كما يرون أن الرد الداعشي على انضمام دمشق للتحالف الدولي، ليس سوى معركة انتحارية اضطر لخوضها.
زعزعة الثقة الأميركية
ويوضح الأكاديمي والباحث المتخصص في الجماعات الدينية عبد الرحمن الحاج، خلال حديث لـ"المدن"، أن الاستراتيجية التي اتّبعها داعش بعد إسقاط النظام تمثلت بمنع استقرار حكم الرئيس أحمد الشرع، قائلاً: "لأن العمل على كسب الأرض لم يعد مجدياً، وكذلك القتال في البادية والمساحات الكبيرة لا يحدث هذا التأثير فقد انتقل على الفور لإنشاء خلايا في المدن والاستفادة من خطوط الانقسام في المجتمع الدينية والعرقية ومحاولة تعزيز هذا الانقسام وإضعاف شرعية الحكم (الشرعية الثورية)".
بعد توقيع اتفاقية الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، صار الهدف المباشر للتنظيم هو زعزعة الثقة الأميركية والغربية بحكم الرئيس الشرع. ويلفت الحاج إلى أن داعش غير تكتيكه، من الخلايا في المدن والحواضر ومناطق هشة أمنياً وغير مستقرة تماماً، إلى استهداف قوات الجيش والأمن.
ويشير إلى أن هذا التطور جاء سعياً خلف تحقيق مكاسب عدة من بينها: تقليل عبء استهداف المدنيين والتركيز على الهدف السياسي، فضلاً عن كونه أقل تكلفة وخطورة، فالأهداف يمكن أن تكون أكثر تحديداً وأكثر سهولة في التنفيذ دون وقوع خسائر كبيرة، إضافة إلى أن العوائد السياسية التي يحققها أكبر بكثير في ظل الوضع الحالي من أي أهداف أخرى.
ونتيجة هذا التغيير في التكتيك، باتت البادية وعمق الأراضي التي تسيطر عليها القوات الحكومية، مسرحاً لعمليات داعش مقابل انكماشه في المدن، لكن خطر قيامه بعمليات في المدن لا يزال قائماً، لأن الاستراتيجية التي يسعى لتحقيقها بعد نظام الأسد لم تتغير، بل تغيرت التكتيكات في الوصول إليها.
عناصر داعشية في الجيش!
لا تتوفر معلومات دقيقة يمكن الوثوق بها، بأن داعش استطاع اختراق صفوف قوات الأمن أو الجيش، لكن هذا غير مستبعد، وفقاً للحاج، لأن الحاجة إلى متطوعين لتشكيل قوات أمن داخلي على مساحات واسعة من البلاد، تتطلب سرعة، وتؤدي إلى فحص غير دقيق لخلفيات المنتسبين إلى صفوف هذه القوات وهو ما قد يسمح بحدوث اختراق.
كذلك، فإن سعي داعش لاجتذاب عناصر سلفية جهادية ساخطة على توجهات الرئيس الشرع، قد تسمح بتشكيل اختراقات أمنية لصالح التنظيم، لذلك فإن الحكومة أمام تحدٍ لضمان عدم حدوث الاختراق وهذا سيتطلب عمليات إعادة فحص وتقييم دورية، وكذلك يتطلب وضع خطط واعتماد أساليب فعالة لحماية عناصر قواتها من الاستهداف.
ويرى الحاج أن عملية تدمر، وفق هذا السياق، تأتي في إطار تغيير تكتيك داعش والانتقال إلى هدف جديد هو زعزعة الثقة الأميركية والغربية بالرئيس الشرع وحكمه، وبالتالي، كانت أهداف داعش في السنة الماضية داخلية، أما فالآن فالهدف الرئيس خارجي، ما يعني أن عملية تدمر تؤشر على تغير في الهدف والتكتيك معاً.
تسهيلات وراءها التيار القنديلي
ويلفت المحلل السياسي عبد الله الحمد، في حديث لـ"المدن"، إلى أن داعش بدأ في ظل الحملات الأمنية التي تقوم بها الحكومة ضده، باللجوء إلى تنفيذ عمليات في المناطق التي تعاني هشاشة أمنية، مثل المناطق والطرق الصحراوية، مؤكداً أن "التنظيم اليوم غير مهتم بإعادة إنتاج نفسه، بل يعتمد على الضربات السريعة التي تحدث خلخلة أمنية تعيق تطور الدولة السورية".
ويؤكد أن هذا التطور على مستوى الاستراتيجية، ناتج عن التسهيلات التي يقدمها التيار القنديلي المتحكم بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرقي الفرات، مضيفاً أن البادية السورية فضلاً عن تمركز خلايا داعش، كانت مليئة بالميليشيات الإيرانية مثل زينبيون وفاطميون.
تتلخص الاستراتيجية الجديدة التي يلاحظها الحمد، بعدم اعتماد التمركز والتمدد مقابل اتباع سياسة هجمات الكر والفر بهدف إحداث تصدعات أمنية تستهدف ضرب الثقة بالقدرات الأمنية السورية من جهة، وضرب التحالف الاستراتيجي بين سوريا والولايات المتحدة من جهة أخرى.
وتزامنت عملية تدمر مع تحركات مريبة لداعش نجم عنها استهدافات طاولت قوى الأمن السورية. ويعزو الحمد هذه التحركات إلى محاولات التيار القنديلي خلط الأوراق عبر تمرير داعشيين من مخيم الهول نحو مناطق سيطرة الحكومة السورية، الأمر الذي يؤشر على تحالفات جديدة يتم رسمها بالدم بين أعداء الحكومة، لاسيما بعد النجاح الكبير للدبلوماسية السورية.
من جانب آخر، يستبعد الحمد، نجاح داعش في تجنيد عناصر موالية له ضمن مؤسسات الدولة السورية، حتى في ظل حالة التنسيب المستعجلة للعناصر الجديدة، التي واكبت إنشاء مؤسستي الجيش والأمن.
شكوك في فرضية الحكومة
من جانبه، يرى الكاتب والباحث حسام جزماتي في حديث لـ"المدن"، أن الجهاز الأمني الحكومي كان مرتبكاً أمام الحادثة التي جرت في تدمر، سواء من حيث تناقض التصريحات أو وجود عناصر وربما مجموعات داخل المنظومة الأمنية والعسكرية تشعر بالغضب إزاء السياسة الحكومية تجاه واشنطن. ويلفت إلى أن التصريح الحكومي الأخير حول الهوية الداعشية لمنفذ العملية، يحتاج إلى إثبات، خصوصاً أن وكالة أعماق التابعة لداعش، تبنت جميع العمليات السابقة واللاحقة لحادثة تدمر، ولم تشِر إلى انخراطها في العملية.
ومن جانب آخر، يوضح جزماتي أنه لا توجد استراتيجية جديدة لتنظيم داعش الذي كان يحاول إعادة بناء نفسه، إلا أن انضمام سوريا للتحالف وشروعها بتنفيذ ضربات وعمليات أمنية ضد خلايا التنظيم، اضطرته إلى الرد والقيام بعمليات يمكن وصفها بمعركة انتحارية كونها غير متناسبة مع قوة التنظيم المتراجعة.
