عندما توسّعت "الإدارة الذاتية" الكردية إلى المدن العربية بعد معارك طرد تنظيم "داعش"، وُلدت رواية جديدة عن مشروع حكم محلي، ديمقراطي، تشاركي، يعكس خصوصية المجتمعات ويمكّن السكان من إدارة شؤونهم.
لكن بعد سنوات من التجربة، برزت صورة مختلفة: نموذج إداري مترهل، يفتقر إلى المشاركة العربية الحقيقية، تهيمن عليه هياكل أمنية تتقدّم على المؤسسات المدنية، وتتحكم به كوادر لا تنتمي إلى البيئة الاجتماعية التي يُفترض أنها تديرها.
ورغم أن الإدارة الذاتية تمتلك أكبر خزّان نفطي وزراعي في سوريا، إلا أن الفقر والفساد وانعدام الثقة، أصبحوا سمات أساسية في مناطقها العربية.
بنية القرار
تقوم الإدارة الذاتية نظرياً على اللامركزية: مجالس محلية، كميونات، لجان خدمات وهيئات منتخبة. لكن في الواقع، القرار النهائي لا يصدر عن هذه المؤسسات، بل من حركة المجتمع الديمقراطي، ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، والقيادة الأمنية والعسكرية لقسد، والكوادر المرتبطة بحزب "العمال الكردستاني"، وهو ما جعل انتساب العرب للمؤسسات الإدارية أشبه بـ واجهة محلية، بينما الجوهر الفعلي للقرار بقي عابراً للجغرافيا، وغير منسجم مع البنى المجتمعية العربية.
عندما طالبت المجالس المحلية بتوسيع صلاحياتها ووقف تدخل الأمن الداخلي، رُفض الطلب نهائياً، وظلت القرارات الكبرى من تعيينات وضرائب وحملات أمنية، تصدر من الحسكة أو القامشلي، لا من دير الزور نفسها.
محاولة صناعة شيوخ على الورق
المجتمع العربي في الجزيرة والفرات مجتمع عشائري. والعشيرة ليست مجرد هوية، بل مؤسسة اجتماعية متماسكة، لها شرعية راسخة. بدلاً من التعامل مع الشيوخ الحقيقيين الذين يمثلون الثقل التاريخي للعشائر، لجأت الإدارة الذاتية إلى دعم "شخصيات بديلة" بلا وزن اجتماعي، وتلميع وجوه محلية حديثة، وإنشاء "مجالس عشائرية" مصطنعة، وتهميش القيادات التقليدية.
وتشكل مجلس العشائر في الحسكة عام 2019، من شخصيات غير معروفة في بيئتها، وتم تصويره إعلامياً كمرجعية عربية، بينما قاطعته العشائر الكبرى—البكارة، الجبور، العكيدات— لأن أعضاءه لا يمثلون أي إجماع قبلي.
هذه السياسة خلقت شرخاً عميقاً بين الإدارة والبيئة الاجتماعية، وأدت إلى فشل أي مشروع محلي حقيقي.
الموارد الضخمة… والنتائج الضئيلة
تملك الإدارة الذاتية موارد هائلة تتضمن: حوالي 70% من النفط السوري، أكبر مخزون للقمح والشعير، حقول الغاز، موارد المعابر، ضرائب التجار وإيرادات الخدمات.
لكن رغم ذلك، بقيت المناطق العربية بلا مشاريع بنى تحتية حقيقية، وبلا شبكات ري فعالة، وبلا استثمار زراعي حديث. كما حُرمت من المعامل أو خطوط إنتاج، وبقبت خدمات الصحة والتعليم متدهورة.
الرقة ودير الزور بعد التحرير
رغم مرور سنوات، ما تزال شبكات الصرف مدمرة، والكهرباء تعتمد على المولدات الخاصة، والطرق الرئيسية تُرقّع كل ستة أشهر، رغم أن المحافظة تنتج ملايين الدولارات عبر المعابر والضرائب.
فيما يُستخرج النفط دير الزور ويُنقل إلى القامشلي أو خارج المنطقة، بينما يبقى الريف الشرقي غارقاً في الفقر، بلا مستشفى مركزي لائق، وبمدارس مهترئة وطرقات مدمرة.. وفي شهر أيلول/سبتمبر 2025، خصصت الإدارة الذاتية مبلغ 375 الف دولار للبنية التحتية في دير الزور من خارج الموازنة العامة، ولكن إلى الآن لم يُحرّك من المبلغ سوى 117 ألف دولار لصالح مركز مياه محميدة، في الريف الشرقي لدير الزور.
العقل الأمني… فوق العقل الإداري
يُبنى كثير من القرارات في الإدارة الذاتية على معيار أمني. من يحصل على منصب ليس الأكفأ، بل الأكثر ولاءً والأقل اعتراضاً والأكثر قابلية للسيطرة.
النتيجة: رؤساء مجالس بلا خبرة، إدارات تعطي الأولوية للتعليمات لا للحاجات، خوف من اتخاذ أي قرار محلي، وحضور كثيف لـ"الانضباط" و"الأمن الداخلي" في تفاصيل الحياة اليومية.
ويعدّ اعتقال رئيس مجلس الشحيل المحلي عام 2020، أبرز مثال على العقل الأمني. تم اعتقاله بسبب اعتراضه على آلية توزيع الأفران واتهامه لقسد بفرض مسؤولين فاسدين. وانتهى الأمر بعزله وتعيين شخصية أخرى "أكثر تعاوناً".
الفجوة بين العرب والسلطة
يدخل العربي إلى الإدارة الذاتية كموظف، لكنه لا يدخل كمشارك سياسي، لا في الأمن، لا في التمويل، ولا في القرارات الحساسة. هذا الأمر خلق حالة شعورية عند العرب بأنهم "موظفون لدى سلطة لا تمثلهم".
واتسعت الفجوة مع الزمن، وتجسّدت في الاحتجاجات المتكررة في دير الزور
مظاهرات الرقة، والعصيان المدني في بعض المناطق، وتصريحات عشائر كبرىو تطالب بإدارة "ذات طابع عربي"، إضافة إلى ارتفاع حالات الانسحاب من مجالس محلية.
فشل الاندماج بين "العقل الثوري" و"البيئة التقليدية"، نتيجة تعنت "قسد"، ومن خلفها الكوادر القادمة من جبل قنديل والتي تحمل فكراً أيديولوجياً ثورياً مناهضاً للعشيرة والدين والبنى المحافظة وللنماذج التقليدية.
لكن المجتمع العربي محافظ وعشائري ومرتبط بالتاريخ والرموز ويقوم على شرعية أبوية متوارثة وبعيد تماماً عن الخطاب الأيديولوجي لقسد.
وعليه كان التصادم "حتمياً". ففي منبج التي يُمكن أخذها كمثال، حدث رفض واسع عندما حاولت قسد فرض دورات "فكرية" على موظفين عرب، ، وتم إيقاف المشروع بعد احتجاجات علنية من الأهالي.
غياب الرؤية الاقتصادية.. تضخم دور
تعيش المنطقة العربية اقتصاداً "شكلياً" يتمل بورشات صغيرة ومحلات تجارية وزراعة فردية ونشاط محدود للتجار، وذلك دون رؤوس أموال أو بنوك، وخالية من الاستثمارات ومعامل الانتاج.
السبب الرئيسي لذلك يأتي من أن الإدارة الذاتية لم تنجح في خلق بيئة استثمارية آمنة أو واضحة، بسبب هيمنة الأجهزة العسكرية وغياب القضاء المستقل وعدم وجود قوانين استثمار واضحة والخوف من التغيّر السياسي المقبل.
سيناريو الانهيار الإداري… ماذا بعد؟
إذا تغيرت موازين القوى - انسحاب أميركي أو دخول الجيش السوري، أوضغط تركي - فسيحدث انهيارا الإدارة المدنية بسرعة كما حدث في منبج خلال ساعات، لأن المؤسسات لم تُبنَ من الداخل، بل فُرضت من فوق. كذلك سينسحب الموظفين العرب لأنهم لا يحملون ولاءً للمشروع بل للوظيفة.
والضربة الأكبر ستكون بتفكك المجالس المحلية لأنها بلا جذور اجتماعية، وعودة الإدارة للعشائر أو للدولة السورية بحكم الشرعية التاريخية والوزن الاجتماعي.
مشروع بلا جذر
وأظهرت التجربة أن الإدارة الذاتية في المناطق العربية قامت على ثلاث ركائز خاطئة:
• تمثيل صوري للعرب
• تدخل أمني فوق البنية المدنية
• موارد هائلة دون مشروع تنموي حقيقي
ولم يكن فشل الإدارة الذاتية نتيجة ضعف الموارد، بل نتيجة غياب البيئة الحاضنة، وفرض نموذج سياسي دخيل لا يشبه المجتمع الذي يدير شؤونه. وبما أن الإدارة الذاتية كانت مشروع حكم محلي لم ينشأ من داخل المجتمع، ولا يعكس هويته وثقافته وبنيته، ستظل نموذجاً هشّاً، ينتظر التحول الإقليمي الأول ليعود إلى الأرض التي لم يغرس فيها جذوره يوماً.
