بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، لم تولد النازية في ألمانيا كجنونٍ مفاجئ، بل كمنظومة سياسية متكاملة رأت في هزيمة الحرب الأولى دليلاً على "فساد الداخل" لا على خلل الخيارات العسكرية. بالنسبة لهتلر، لم يكن الطريق إلى استعادة قوة ألمانيا يمر فقط عبر التسلّح، بل عبر تطهير المجتمع من "العناصر الدخيلة" التي اعتُبرت عبئاً على الأمة، وفي مقدّمها حينذاك اليهود، تمهيداً لحرب كبرى جديدة لا تُخاض إلا بعد حسم الجبهة الداخلية.
بعد قرن تقريباً، لا تعود هذه الفكرة في كتب التاريخ فقط، بل تظهر اليوم في وثائق أمن قومي رسمية، وفي خطاب سياسي غربي متصاعد يعيد تعريف "الخطر الداخلي" بوصفه التهديد الأول قبل أي مواجهة عسكرية خارجية. الفارق أن اللغة تغيّرت: لم يعد الحديث عن تفوق آري مباشراً، بل عن هوية مهدَّدة، واندثار حضاري، وأوروبا غير الأوروبية. أما الجوهر، فلم يتغيّر.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يتقن التنكّر. أوروبا التي تستعد اليوم لحرب كبرى مع روسيا، تبدو وكأنها حسمت سلفاً من سيدفع الثمن داخلياً. ففي عشرينيات القرن الماضي، كان اليهود هم "أعداء الداخل". أما في عشرينيات هذا القرن، فالمسلمون هم الاسم الجديد للمشكلة القديمة.
وثيقة ترامب: نهاية الليبرالية وبداية الفرز العِرقي
إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أيام، عن استراتيجية الأمن القومي الأميركية، شكّل لحظة كاشفة وفاضحة في آن. الوثيقة، التي تجاوزت ثلاثين صفحة، جاءت شبه خالية من أي إشارة إلى الليبرالية أو الديمقراطية أو النظام الدولي القائم على القواعد. لا حديث عن القيم، ولا عن الحريات، ولا عن "العالم الحر". بدلاً من ذلك، قُدّمت رؤية فجة للعالم: انسحاب أميركي من الدفاع عن أوروبا ما لم تُعد ترتيب بيتها الداخلي.
الأخطر في الوثيقة لم يكن التخلي عن أوكرانيا أو رفض توسّع الناتو، بل اللغة المستخدمة لوصف أوروبا نفسها. فالقارة، بحسب النص، تسير نحو الاندثار الحضاري بسبب الهجرة، وتفقد هويتها الأوروبية، ويتهددها تغيّر تركيبتها السكانية. في أكثر من موضع، يُلمَّح بوضوح إلى أن بعض دول الناتو قد لا تكون جديرة بالحماية الأميركية إذا أصبحت ذات أغلبية "غير أوروبية". بكلمات صريحة: الأمن الأميركي بات مشروطاً بالعرق والهوية. ومن يريد المظلّة الأميركية، عليه أن يعالج مشكلة التنوع على أرضه، أي أن يعيد العرق الأبيض الأوروبي إلى موقع السيادة السياسية والديموغرافية.
من التحريض إلى التدخّل السياسي المباشر
ولا يتوقف الأمر عند حدود الخطاب. تسريبات صحفية موثّقة تحدّثت عن نسخة موسّعة وغير معلنة من الاستراتيجية الأميركية، تدعو صراحةً إلى دعم أحزاب وحركات يمينية متطرفة داخل أوروبا، والعمل مع دول مثل إيطاليا، بولندا، هنغاريا والنمسا، بهدف إضعاف الاتحاد الأوروبي، وربما دفع بعضها إلى الخروج منه، تحت شعار فجّ: Make Europe Great Again.
الوثيقة المسرّبة لا تترك مجالاً للالتباس. فهي تتحدث عن دعم أحزاب وحركات ومثقفين يعملون على استعادة نمط الحياة الأوروبي التقليدي والسيادة القومية، طالما بقوا موالين للولايات المتحدة. وهنا لا نتحدث عن نظريات مؤامرة، بل عن سياسة مكتوبة: دعم اليمين القومي المتطرف، محاصرة اليسار الليبرالي، وإعادة تعريف التحالف الغربي على أساس الهوية العرقية لا القيم السياسية.
أوروبا بين فزع روسيا وعداء المهاجرين
في المقابل، تعيش أوروبا حالة هلع أمني حقيقي. تحذيرات متكررة من قادة الناتو، أبرزهم الأمين العام مارك روته، تشير إلى أن روسيا قد تكون قادرة على شن مواجهة عسكرية مباشرة مع الحلف خلال خمس سنوات. هذا الخوف جعل القارة أكثر قابلية للابتزاز الأميركي، وأضعف قدرة الأحزاب الاشتراكية واليسارية على مقاومة التحوّل نحو سياسات إقصائية وعنصرية.
ولأنه تحت ضغط التهديد الروسي، بات كل شيء مباحاً، بالفعل، بدأت المظاهر تتكاثر: السماح بتظاهرات للنازيين الجدد في دول مثل السويد، تصاعد خطاب الكراهية العلني ضد المسلمين من سياسيين في أحزاب يمينية متطرفة، ونقاشات جدّية حول إلغاء قوانين تجريم خطاب الكراهية، بحيث يصبح التحريض على المهاجرين أمراً طبيعياً، في وقت يبقى فيه اليهود محميين بقوانين صارمة تجرّم معاداة السامية.
كيف تتخلّص أوروبا من «أعداء الداخل»؟
لا تستطيع أوروبا اليوم أن تعيد إنتاج نموذج هتلر حرفياً، لكن الأدوات الحديثة أكثر "نظافة" وأقل فجاجة: سحب الإقامات، إسقاط الجنسيات بحجة الجرائم، توسيع قوانين الأمن، والتضييق القانوني والإعلامي على المسلمين تحديداً، مقابل حماية قانونية مشددة لفئات أخرى. وبالتوازي، لا يمكن استبعاد سيناريو أكثر دهاءً وخطورة: دفع الشباب المسلمين إلى مغادرة أوروبا طوعاً، عبر تغذية بؤر صراع جديدة في العالم الإسلامي تحت عناوين مثل "محاربة الإرهاب" و"القضاء على تنظيم الدولة".
عودة ظهور مجلات جهادية ناطقة بالإنكليزية تابعة لتنظيم القاعدة مثل مجلة "انسباير"، وتحريك جبهات في أفريقيا كالصومال ونيجيريا، وفي دول عربية كسوريا، لا يمكن فصلها عن هذا السياق الدولي الذي يحتاج إلى تفريغ الداخل الأوروبي من عناصر يُنظر إليها كعبء أمني قبل الحرب الكبرى.
ما قبل الحرب… يتكرّر السيناريو
تتعامل أوروبا اليوم مع حرب أوكرانيا بوصفها هزيمة أولى أمام روسيا، وتستعدّ نفسياً وسياسياً لحرب ثانية. وبين الأولى والثانية، يُعاد إنتاج السيناريو نفسه: البحث عن عدو داخلي، شيطنته، والتخلّص منه باعتباره شرطاً ضرورياً للنصر. الاختلاف الوحيد أن كل ذلك يُكتب اليوم بلغة الأمن القومي، لا بلغة العنصرية الصريحة. أما الجوهر، فلم يتغيّر.
