الإقصاء وتصنيف السوري الآخر عدواً

مالك ونوسالاثنين 2025/12/15
Image-1764698373
(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مرَّت سنةٌ على سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، وما زال كثير من السوريين يرون أنفسهم مستبعَدين خارج كل ما يجري من نشاطٍ سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي على مستوى الحكومة والإدارات. وقد أيقنوا أن لا دور لهم ولا رأي، لا بل، وفي حالاتٍ كثيرةٍ، لا يسمح لهم بالعمل النقابي والسياسي الحر والمستقل بعد تدجين النقابات وحظر الأحزاب السياسية. هذا المجال الذي يمكنهم عبره إيصال صوتهم بحرية من أجل تصويب ما يرونه من أخطاء، على الرغم من المحاذير الكثيرة لسياساتٍ من هذا القبيل على بلادٍ، تحاول النهوض من الدمار وتحتاج جهد جميع أبنائها لتنجح في ذلك. 

 

أين رموز المعارضة؟

حدث هذا فيما تفاءل معظم السوريين بالتغيير، وتأملوا بأن أزمنة القتل والظلم والإقصاء التي كانت جزءاً من بنية سلطة الأسد وآلية حكمها، قد ولت إلى غير رجعة، وأن قرار المواطن السوري صار بيده، يساهم في صياغة سياسات بلده وبنائه، من خلال ورشة عملٍ جماعية يتشارك الكل فيها برأيه أو بجهده. ولم تتأخر العلامات التي تؤكد تَعَمُّد اتباع هذا الأمر، كان ذلك حين قررت الحكومة الانتقالية برئاسة محمد البشير، مبكراً، فصل مئات الآلاف من وظائفهم، في مجزرة إدارية لم تشهدها أي دولة من قبل، وهي خطوة كفيلة بإصابة البلاد بشلل إداري، خصوصاً أن من بين المفصولين كوادر مؤهلة ومدربة وخبيرة. كما برز نقل عمال وموظفين من بعض الدوائر والمرافق الاقتصادية على أساس طائفي، وإحلال آخرين محلهم، كما حصل في المرافئ وغيرها. ونظر كثيرون إلى هذا العمل على أنه بداية مسيرة إقصاء، يُتَّخذُ فيها القرار من دون مناقشةٍ، انطلاقاً من مبدأ "مَنْ يُحرّر يُقرّر" الذي صار شعاراً ثم سياسةً ثابتة.

من جهة أخرى، انتظر الجميع طويلاً لكي يروا رموز المعارضة السورية، من الكوادر والخبرات القديمة في مختلف صنوف العمل السياسي والثقافي والاجتماعي والحكومي، وقد استعانت بهم السلطة الجديدة، وهم الذين حملوا على أكتافهم قضية السوريين الذين عانوا من حرب الأسد على شعبه، وتجولوا بها في عواصم القرار لتعريف رجالاتها وشعوبها بالمقتلة السورية وبجرائم النظام السابق اليومية، من أجل إقناعهم بفعل أي شيء لوقفها. فكانت المفاجأة أن هؤلاء استُبعدوا أيضاً، مثلما استُبعد آلاف الضباط والجنود الذين انشقوا عن نظام الأسد بدايات الثورة، وفضلت السلطة الجديدة عدم الاستعانة بهم لإعادة تشكيل جيش البلاد الجديد، فبدأت بوادر الإحباط عند هؤلاء وعند سوريين آخرين باتوا يشعرون أن استبعادهم هو نوع من النفي غير المعلن.

 

تسيّد الخطاب الديني و"شيطنة" الأقليات

حين تسيَّدت القوى الدينية على الخطاب السياسي والإعلامي، وعلى القرار الحكومي والإداري في البلاد، تكرَّس الخطاب الذي صنف السوريين وفق تقسيماتٍ دينية ومذهبية وعرقية ومناطقية. وبدأت تنتشر العقلية التي تحاول هي الأخرى تكريس التعامل مع الآخر من مبدأ الأغلبية والأقلية، في الوقت الذي تتمتع فيه الأغلبية بالحقوق التي يخولها تعدادها حكم الأقلية وسلبها حقوقها. وكانت تلك العقلية والخطاب الطائفي كفيلين بـ"شيطنة" الأقليات عبر اتهامهم أنهم فلول أو عملاء وتقسيميين، وبالتالي استسهال الانتقام منها، وهو ما حصل على مستوى واسع خلال مجازر الساحل والسويداء، واستمر على شكل انتهاكات فردية من خطف للنساء وقتل متنقل، لتظهر مقولة "سبحان الذي أعزنا وأذلكم" التي باتت شتيمة مباشرة رافقت تلك المجازر، وصنفت جماعة كاملة من السوريين أذلاء. وهي مقولة رددها الذباب إلكتروني، وتبناها من كانوا ثواراً، أو أنصاراً للثوار الذين خرجوا بثورة أطلقوا عليها تسمية "ثورة الكرامة"، فهل يراد بالكرامة ذاتها أن تكون فئوية أيضاً؟

على الرغم من الشعور بالانتصار وبتمكن السطلة الحالية من الهيمنة على الدولة والمجتمع والتحكم بهما وتوجيههما، عبر أجهزتها الأمنية وإعلامها والجيش الكبير من المثقفين الموالين لها والإعلاميين والجيوش الإلكترونية، إلا أن هذا لم يمنعها من وقف سياسة الاقصاء والعمل بمبدأ التشاركية، كأن الأمر بات جزءاً من بنيتها وأسس نظامها. ولهذا السبب، كان طبيعياً من الجريدة الرسمية الجديدة التي أطلقت أخيراً، وسميت جريدة "الثورة السورية"، أن تمارس هذه السياسة وتحاول نشرها لتكرسها في عقول الموالين للحكم الجديد فتصبح مُسلّمةً. فقد نشرت الصحيفة المذكورة، في 11 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، أي بعد أيامٍ من صدورها، رسماً كاريكاتورياً يُظهر عدداً من الجرذان الخارجين من تمثال محطم لحافظ الأسد، بينما أحد الجرذان يقول: "نطالب بدولة مدنية.. بالشفافية..". لا يحتاج هذا التصرف لكثيرٍ من التحليل لمعرفة أن الرسم لا يعدو كونه انعكاساً لسياسة الإقصاء التي اتبعتها السلطة الجديدة، والتي باتت منتشرة على نطاق واسع ضمن أجهزة السلطة وبين مواليها. كذلك انعكاساً لعملها على تشييئ الآخرين المخالفين بالرأي والمعتقد، ليتجاوز الأمر خطورة الاستهزاء بمطالبهم وحقوقهم، فيصل إلى درجة تصنيفهم جرذاناً، بينما هي ومواليهم أنفسهم أخذوا على بشار الأسد تصنيف معارضيه جراثيماً.

يأتي هذا بعد دعوة الرئيس أحمد الشرع مواليه للخروج بمسيرات لدعم الحكم الجديد، والرد على من يريدون تقسيم البلاد عبر إظهار الوحدة الوطنية. فخرجت الجموع تفعل عكس ما طالب، حين وجهت الشتائم للطوائف الأخرى والإهانات للحط من قيمة أبناء الأكراد. كما ظهر شيوخ ودعاة يشتمون السوريين الآخرين من أبناء الطوائف الأخرى على منابر المساجد، ووصل الأمر بأحد الدعاة أن صنف أبناء بعض الطوائف أنهم "أعداء الداخل"، محذراً بأنهم "أشد خطراً من أعداء الخارج". 

 

حسرة السوريين

يصاب السوري بالحسرة لدى مطالعة الشروط الأميركية التي وضعتها الولايات المتحدة لحكومة الشرع للالتزام بها من أجل إقرار إلغاء "قانون قيصر"، حين يشعر أن الخارج حريص عليه أكثر من أبناء جلدته. فالشرط الثالث من الشروط الثمانية التي على الرئيس الأميركي تحديثها دورياً، لكي يبين مدى التزام الحكومة السورية بها، ينص على: "احترام حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، والتمثيل العادل والمتوازن في مؤسسات الحكم، بما في ذلك الوزارات والبرلمان"، فهل ستعمل السلطة الجديدة على وقف العمل بسياسة الإقصاء؟

إذا لم تفعل السلطة ذلك، وإذا لم تمضِ في تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية وتجري التسوية السياسية المنتظرة، فإنها لا تغامر بإجبار الأميركيين على إعادة فرض "قانون قيصر" عليها فحسب؛ بل تغامر بإعادة إنتاج النظام القديم وفق الآليات نفسها، وبالتالي ستعيد البلاد إلى ما كانت عليه قبل ثورة السوريين. في هذه الحالة ستكون قد أوجدت واقعاً متفجراً، لا تكون الأقليات وقوده، بل كل من لا ترى فيه موالاةً وتسليماً وطاعةً عمياء.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث