لم يكن الكمين الذي نفذه مسلح من تنظيم "داعش" قرب مدينة تدمر، وأسفر عن مقتل عسكريين أميركيين ومدني وإصابة آخرين، مجرد حادث أمني عابر في جغرافيا مضطربة، بل شكل نقطة كاشفة لبنية أمنية مختلة في إدارة البادية والمنطقة الشرقية، حيث تتداخل الصلاحيات، وتتقاطع الولاءات، وتغيب المرجعية الموحدة بين وزارتي الداخلية والدفاع.
ففي منطقة تصفها القيادة الوسطى الأميركية بأنها "بالغة الخطورة وخارجة عن السيطرة الكاملة"، كانت دورية مشتركة سورية–أميركية تنهي جولة ميدانية قرب مقر محصن تابع لقيادة الأمن الداخلي، قبل أن تتعرض لإطلاق نار، استدعى تدخلاً جوياً أميركياً وإجلاء المصابين إلى قاعدة التنف. لكن خلف هذا المشهد الميداني، تكمن طبقات أعمق من الخلل البنيوي.
مطار عسكري خارج المنطق
وحسب مصادر خاصة لـ"المدن"، فإن واحدة من أبرز علامات هذا الخلل تتمثل في تبعية مطار السين العسكري لوزارة الداخلية، في خطوة غير مسبوقة في البنية الإدارية–العسكرية السورية. فالمطار، الذي يُعد منشأة ذات طابع عسكري وأمني حساس، بات يُدار من جهة يفترض أن يقتصر دورها على الأمن الداخلي، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المهام الفعلية الموكلة للوزارة في البادية.
وتربط المصادر هذه الخطوة بعلاقة وزارة الداخلية الوثيقة مع جيش سوريا الحرة، الفصيل الذي نشأ وتدرب في قاعدة التنف الأميركية، ويُعد الشريك المحلي الأبرز للتحالف الدولي في البادية. وتشير المعلومات إلى أن هذا الفصيل يتمتع بقنوات اتصال مباشرة مع قيادة الوزارة، بما يمنحه دوراً يتجاوز كونه قوة مساندة، ليقترب من موقع "الذراع التنفيذية" للسياسات الأمنية المرتبطة بالتحالف.
وفي هذا السياق، تلفت المصادر إلى أن مطار السين كان خاضعاً لفترة طويلة للسيطرة الروسية، واستخدم ضمن ترتيبات عسكرية مرتبطة بالانتشار الروسي في وسط وجنوب سوريا، قبل أن يُعاد ترتيب وضعه الإداري والأمني. وتشير التقديرات إلى أن المطار يُعد اليوم مرشحاً ليكون مركز القاعدة الأميركية المتوقعة جنوب سوريا، في حال استُكملت ترتيبات إعادة التموضع الأميركي خارج التنف، وهو ما يفسر حساسية نقل تبعيته إلى وزارة الداخلية، ودلالات ذلك على مستوى النفوذ والوظيفة المستقبلية للموقع.
مطار ضمير… ازدواجية السيطرة
ويكتسب هذا التداخل بعداً إضافياً عند النظر إلى مطار ضمير العسكري، الذي يبعد نحو 15 كيلومتراً فقط عن مطار السين، ويخضع في المقابل لسيطرة وزارة الدفاع، حيث تتولى إدارته "الفرقة 70".
وحسب مصادر مطلعة، فإن "الفرقة 70" تعود في جذورها التنظيمية إلى "أحرار الشرقية"، الفصيل الذي كان منضوياً ضمن تشكيلات الجيش الوطني المدعوم من تركيا قبل سقوط نظام الأسد، ما يضفي على المطار بعداً سياسياً وأمنياً حساساً، ويعكس استمرار حضور التوازنات الإقليمية داخل بنية وزارة الدفاع نفسها.
ويكشف هذا الواقع عن ازدواجية ميدانية لافتة: مطاران عسكريان متجاوران تقريباً، أحدهما يتبع لوزارة الداخلية ويُرجّح أن يدخل في ترتيبات أميركية مستقبلية، والآخر تحت إدارة وزارة الدفاع، بقوى ذات خلفية مرتبطة بالمحور التركي، في مشهد يلخص عمق الانقسام داخل مقاربة الدولة لملف الجنوب والبادية.
وزارة دفاع خارج المعادلة؟
في المقابل، لا يتقاطع هذا المسار مع نهج وزارة الدفاع، التي تبدو، وفق مصادر مطلعة، أقل حماسة لأي انخراط ميداني مباشر مع التحالف الدولي، وأكثر ميلاً إلى مقاربة إقليمية تراعي الحسابات التركية بالدرجة الأولى، خصوصاً في ما يتعلق بملف "قسد".
ويؤكد المصدر أن إعلان دمشق انخراطها سياسياً في التحالف الدولي ضد "داعش" لم يكن نتيجة توافق داخلي كامل، بل جاء لتعويض رفض وزارة الدفاع الدخول العملي في التحالف. هذا الرفض يستند إلى عاملين رئيسيين، عامل داخلي يتمثل بوجود فصائل ذات خلفية إسلامية ضمن مظلة وزارة الدفاع، ترى في التنسيق العسكري مع الولايات المتحدة إشكالية أيديولوجية وسياسية.
وعامل إقليمي يتمثل بالموقف التركي، الذي يشترط أن يكون أي دخول سوري إلى التحالف مبنياً على الاعتراف الكامل بدمشق كسلطة تسيطر على كامل الأراضي السورية، بما يعني عملياً سحب الدعم الأميركي عن "قسد"، وهو شرط لم توافق عليه واشنطن حتى الآن.
هذا التناقض أنتج حالة ازدواجية قرار بين وزارة داخلية منخرطة ميدانياً مع التحالف، ووزارة دفاع تتحفظ سياسياً وعسكرياً، دون إطار ناظم يحدد من يقود ملف البادية.
تحذيرات أمنية… ومسؤولية مهملة
وفي أعقاب الكمين، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أن قيادة الأمن الداخلي كانت قد وجهت تحذيرات مسبقة للتحالف الدولي بشأن احتمال تنفيذ هجمات من قبل تنظيم "داعش"، إلا أن هذه التحذيرات لم تؤخذ بالاعتبار.
الأخطر، وفق التصريحات الرسمية، أن منفذ الهجوم كان خاضعاً لتقييم أمني تحدث عن اعتناقه أفكاراً تكفيرية، وكان من المقرر اتخاذ إجراء بحقه، لكن القرار لم يُنفذ بسبب تزامن الحادث مع عطلة إدارية. وهو ما يفتح باب الأسئلة حول فعالية منظومة التقييم والمتابعة، وحول مسؤولية القيادة في بيئة أمنية لا تحتمل التأجيل.
كتيبة الهندسة 55: ملف مظلم
ولا ينحصر الارتباك في ملف التنسيق مع التحالف على هذا الجانب، إذ تكشف المصادر عن سيطرة وزارة الدفاع على كتيبة الهندسة 55، التي تضم مواقع تحتوي على مقابر جماعية، مع ارتباط مباشر لهذه الكتيبة بجهاز الاستخبارات، خارج التسلسل الإداري المعروف.
هذا الارتباط، وفق قراءة قانونية–أمنية، يشكل نقطة خطرة، إذ يجمع بين سلطة عسكرية واستخباراتية على ملف بالغ الحساسية القانونية والإنسانية، دون رقابة مدنية أو قضائية واضحة، ما يهدد بتحويل الملف من مسار العدالة إلى مسار أمني مغلق.
كمين كاشف لا مفاجئ
و لم تأتِ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي وصف فيها الهجوم بأنه "ضد الولايات المتحدة وسوريا معاً"، وإقراره بأن المنطقة "خارجة عن السيطرة الكاملة"، بمعزل عن هذه الوقائع. فالكمين، وفق مصادر أمنية، لم يكن فشلاً استخباراتياً بقدر ما كان نتيجة طبيعية لبيئة مفككة، تتوزع فيها الصلاحيات دون تنسيق، وتُدار فيها الملفات الكبرى بعقلية مؤقتة.
ما بعد التحقيق
وفيما أعلنت وزارة الداخلية عن إجراءات بروتوكولية جديدة بالتنسيق مع التحالف الدولي، يرى مراقبون أن المعالجة الأمنية وحدها لن تكون كافية، ما لم يُحسم سؤال جوهري: من يدير البادية؟ ومن يملك القرار؟
ففي ظل مطارات متجاورة تخضع لمرجعيات متناقضة، وتحالفات متداخلة، واستمرار التنافس الصامت بين الداخلية والدفاع، تبقى البادية مفتوحة على مزيد من الاختراقات، ليس فقط من تنظيم "داعش"، بل من فراغ القرار نفسه.
