فانون في غزة: نحو مقاومة المحو بعد الإبادة

أحمد عبد الحليمالأحد 2025/12/14
Image-1765653323
(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يشكّل كتاب الفيلسوف الثوري الفرنسي فرانز فانون معذّبو الأرض - وتحديدًا الفصل الأخير "الحرب الاستعمارية والاضطرابات النفسية"- مدخلًا نظريًا حاسمًا لفهم، وإعادة فهم، ما يحدث في غزة اليوم. ففانون، الذي درس البُنى العميقة للعنف الكولونيالي، لم يعالج العنف بوصفه حدثًا آنيًا أو انفجارًا غريزيًا، بل رآه أداة مادية-تاريخية لإعادة تشكيل الوعي، ولتحويل الجماعات إلى كيانات مُنهَكة تُحاصَر إمكاناتها وتُفكَّك قدرتها على الحياة. ومن هذه الزاوية، تبدو غزة —في ظل حرب الإبادة التي اجتاحتها وما بعدها- مختبرًا قاسيًا لإعادة اختبار تحليلات فانون تحت شروط أكثر تطرفًا مما عرفه هو في زمنه، إذ يتقاطع الاستيطان الطويل الأمد مع أدوات عسكرية وتكنولوجية فائقة الحداثة.

لم يُقدّم فانون قراءة عاطفية أو إنسانوية للعنف، بل نظر إليه كعملية ممنهجة تستهدف الوجود ذاته. فالاضطرابات النفسية التي يصفها ليست مجرد حالات فردية أو أعراض مرضية، بل هي نتيجة مباشرة لمحاولة مستمرة لنزع الإنسانية عبر الإخضاع، والتهميش، والعزل. بهذا المعنى، فإن حرب الإبادة في غزة لا تُعد امتدادًا للعنف الكولونيالي التقليدي فحسب، بل التعبير الأكثر جذرية عنه؛ إذ تنتقل من السيطرة إلى محو الوجود، ومن إدارة السكان إلى محاولة إلغاء الذات الجماعية لهم. ولذلك، يصبح السؤال الذي يطرحه فانون: كيف يُعاد تشكيل الإنسان تحت رغبة منظّمة في محوه؟ سؤالًا محوريًا لقراءة ما يجري في غزة اليوم.

 

الصدمة الوجودية وسياسات التفكيك والمقاومة

إن المشهد النفسي في غزة اليوم يتجاوز بكثير التصنيفات المعروفة للاضطرابات الناتجة عن النزاعات. فالتقارير الصحية التي ظهرت في أعقاب بدء الإبادة، تشير إلى أن الأعراض لا تنحصر في اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، بل تتطور إلى ما يُعرف بالصدمة المتعاقبة أو المُعقّدة، حيث يتحوّل الضغط النفسي المستمر إلى بنية راسخة في الوعي. إن فقدان الأحبة، ونزوح العائلات المتكرر، ودمار العمران والأجساد، واستمرار الخطر، وتدفّق الأخبار القاسية، كل ذلك يمنع حدوث عملية التعافي الطبيعي للذات الإنسانية، ويؤدي إلى إرهاق دائم للجهاز النفسي يخلق حالة تُشبه الدوامة التي يستحيل الخروج منها.

وفي هذا السياق بالتحديد، يحضر فانون بقوة. فالصدمة في غزة ليست منفصلة عن التاريخ، بل هي مُتجذرة في تسلسل يمتد إلى ما قبل نكبة 1948 وما تلاها من حصار طويل منذ عام 2006. هنا، الصدمات لا تتراكم فقط، بل تُفعَّل باستمرار، فتتحول إلى ظاهرة جماعية تتجاوز الأفراد لتطال الوعي الجمعي نفسه. بهذا، يصبح الاضطراب النفسي في غزة ليس "تشخيصًا طبيًا" بقدر ما هو حالة وجودية تشكّل مستقبل المجتمع وتضعه أمام تحديات التفكك والإنهاك.

تُمارس سياسات القهر الاستعماري عبر عنف بنيوي يومي يستهدف شروط البقاء نفسها: الحصار، التجويع، وتدمير البنى التحتية، وتقويض الخدمات الصحية والتعليمية. ليست هذه الإجراءات "أضرارًا جانبية"؛ بل مكوّنًا مركزيًا لاستراتيجية تهدف إلى إضعاف المجتمع، وتفكيك علاقاته، وتهجير الوعي من ذاته. كما يُعاد تأطير الفلسطينيين، خصوصًا في غزة، ضمن خطاب يعتبرهم "عدوًا وجوديًا"، وهو تأطير يُستخدم لتبرير مستويات غير مسبوقة من العنف والعزل والتدمير.

غير أن أخطر أشكال العنف هو ما يسميه بعض منظّري ما بعد الاستعمار بـ"الإبادة المعرفية" (Epistemicide)، فتدمير الجامعات والمراكز الثقافية والمدارس لا يهدف فقط إلى محو الأماكن، بل إلى منع إنتاج المعرفة، وحجب الذاكرة، وتجريد الأجيال القادمة من أدوات الفهم والتمثيل. وهذا النوع من العنف يفرض على المجتمع حالة من الإرهاق الإدراكي الدائم، ويخلق بيئة ضغط نفسي تمتد إلى كل جوانب الحياة.

وعلى الرغم من هذا كله، يظل مفهوم الصمود أحد أبرز مسارات المقاومة النفسية- الاجتماعية. فالصمود ليس موقفًا رمزيًا ولا وصفًا عاطفيًا، بل استراتيجية وجودية متجذرة تاريخيًا، تقوم على رفض الانكسار، وعلى الحفاظ على الهوية في وجه التفكك. ويبرز دور العائلة، التي شكّلت عبر العقود ركيزة البقاء، بوصفها خط الدفاع الأول عن التماسك، إذ تُعيد تنظيم الحياة اليومية، وتوفّر شبكات أمان بديلة، وتُعيد صياغة معنى الجماعة. 

 

تجاوز فانون: الإبادة المعرفية والعنف التكنولوجي. 

على الرغم من أن إطار فانون يظل أساسيًا لفهم العنف الاستعماري، إلا أن غزة تطرح تحديًا جديدًا على هذا الإطار. فالعنف الذي درسه فانون كان يهدف في نهاية المطاف إلى إخضاع المُستعمَر وإدماجه في نظام استعماري. أما العنف المُمارس على غزة فيسعى إلى محو الوجود وإلغاء الذاكرة، وهدم العمران، وهو ما يجعل الحرب الحالية شكلًا أكثر تطرفًا من كل ما وصفه أو عايشه من قبل في استعمار الجزائر.

في ظل الإبادة، استخدمت تكنولوجيا متقدمة تعتمد على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، مثل الأنظمة التي تُعرَف إعلاميًا بـ"لافندر" و"الإنجيل"، والتي تُستخدم لتحديد الأهداف. هذا الاستخدام الواسع للتكنولوجيا خلق "مسافة أخلاقية" بين الفاعل والضحية، وحوّل عملية القتل إلى قرار آلي يمر عبر طبقات تقنية لا تُظهر الوجه الإنساني للصراع. وهنا، نرى نوعًا جديدًا من العنف: عنف سريع، غير شخصي، ومكثّف، يتم عبر أدوات لا تتيح للوعي وقتًا لاستيعاب الحدث، ما يضاعف أثر الصدمة النفسية ويخلق حالة من الترقب الدائم.

بل إن الحرب لا تُشن على الجسد وحده، بل على السردية أيضًا. السيطرة على تدفق المعلومات، وتشويه الوقائع، وفرض الرواية الرسمية، كلها أدوات لحجب الذاكرة وتقييد العالم عن رؤية ما يحدث. وبهذا يصبح الصراع على الحقيقة جزءًا من البنية النفسية للحرب.

ومقابل هذا العنف التكنولوجي، يُعاد إنتاج الصمود بصيغ جديدة. فالمجتمع يحاول ترميم ذاكرته، وبناء شبكات تضامن، وحماية السردية من التشويه، في ما يشبه معركة دفاعية عن الوجود ذاتها. وقد تحوّل الصمود، هنا، من أداة لحفظ التماسك الاجتماعي إلى فعل مقاومة ضد محو الجسد والعمران والذاكرة.

نهاية، تُظهر التجربة الغزّية أن عالم اليوم يحتاج إلى تطوير سيكولوجيا سياسية جديدة، قادرة على فهم العنف الذي يُمارس بأدوات غير مرئية ومحسوبة رقميًا، وعبر تكنولوجيا تُحوّل الحرب إلى عملية تقنية ذات أثر نفسي شديد العمق. إن العنف الاستعماري الذي تحدث عنه فانون لم يختفِ، بل تغيّر شكله وتضاعفت قوّته. لقد أصبح أكثر سرعة، وأكثر تجريدًا، وأكثر استهدافًا للهوية والجسد والذاكرة.

وفي مواجهة هذا العنف الشامل، يبقى الصمود الفلسطيني، بأشكاله اليومية والجمعية، الفعل الوجودي الجذري الذي يمنع محو الذات، ويحافظ على إمكانية الحياة في وجه آلة الإبادة. وبهذا المعنى، يتحول الصمود إلى إعادة بناء للمعنى، وترميم للذاكرة، وإحياء للقدرة، بكافة أشكالها، على مواجهة واقع شديد القسوة، ليصبح بذلك ليس مجرد رد فعل، بل مشروعًا وجوديًا كاملًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث