البنزين في السويداء: أزمة مفتعلة واقتصاد ظلّ تحكمه البنادق

Image-1765619856
أزمة البنزين في السويداء إلى الواجهة مجدداً (خاص المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في حين تبدو محطات الوقود في محافظة السويداء مغلقة أو شبه خالية من البنزين، تنتشر المادة بكثافة لافتة للانتباه على البسطات وجوانب الطرقات، وفي محطات متنقلة، بأسعار لا تقل عن ضعف السعر الرسمي. هذا المشهد اليومي يكشف جانباً من أزمة مركبة تتجاوز مسألة نقص مادة أساسية، تتضح معها ملامح خلل إداري عميق بين الحكومة السورية الانتقالية في دمشق والسلطات المحلية الناشئة في السويداء، إضافة إلى منظومة فساد متشابكة تحكمها قوى مسلحة واقتصاد موازٍ تشكّل بعد أحداث تموز. 

بعد سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، أعلنت الحكومة السورية الانتقالية تحرير أسعار الوقود، منهيةً سنوات من التسعير القائم على شرائح مدعومة وغير مدعومة في عهد النظام السابق. مع بداية التحرير، توحّد سعر ليتر البنزين في معظم الأراضي السورية عند نحو دولار و20 سنت، باستثناء مناطق الإدارة الذاتية النفطية في شمال شرق البلاد حيث بقي السعر أدنى. في السويداء، لم تُسجّل أي أزمة مباشرة بعد التحرير، وكانت المادة متوفرة بكميات كافية، سواء للبنزين أو للمازوت. 

 

وقود على شكل مساعدات إغاثية

لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً. أحداث تموز/يوليو، وما رافقها من اشتباكات بين القوات الحكومية والفصائل المحلية، أدت إلى تلاشي أي وجود فعلي للحكومة المركزية داخل المحافظة. ومع بروز سلطات محلية تشكّلت برعاية الشيخ حكمت الهجري، دخلت السويداء مرحلة إدارة أمر واقع. في الأيام الأولى للاشتباكات، قطعت الحكومة السورية توريدات الوقود بشكل كامل. وبعد استقرار نسبي أواخر تموز/يوليو وبدء تنفيذ وقف إطلاق النار، لم تعد التوريدات كما كانت، إذ تحوّلت المسألة إلى جزء من استعصاء سياسي وخلاف إداري مفتوح. 

إحدى المفاصل الأساسية للأزمة كانت آلية ترصيد ثمن صهاريج الوقود. قبل أحداث تموز/يوليو، كان أصحاب محطات الوقود يرصّدون قيمة الطلبات في المصرف المركزي بالسويداء -يدفعون ثمنها مسبقاً- إلا أن الحكومة أوقفت أي تعامل مع فروع المصارف في المحافظة، مبرّرةً ذلك بتعرّض بعضها لعمليات سطو خلال الفوضى. لاحقاً، حاولت الحكومة حصر الترصيد في بلدة المزرعة في ريف السويداء الغربي، حيث افتتح المحافظ مصطفى بكور فرعاً للمصرف التجاري في منطقة تخضع لسيطرة القوات الحكومية. هذا الطرح قوبل برفض من أصحاب المحطات، الذين اشترطوا الترصيد في المصرف المركزي بدمشق، بدعم وضغط من اللجنة القانونية في السويداء، التي اعتبرت الخطوة محاولة لفرض أمر واقع إداري. 

استمر الجمود لعدة أسابيع، وخلال هذه الفترة لم يدخل الوقود إلا على شكل مساعدات إغاثية وبكميات محدودة، ما خلق طلباً هائلاً في السوق. ومع مطلع آب/أغسطس، انفجرت السوق السوداء وبلغ سعر ليتر البنزين نحو 100 ألف ليرة سورية، في وقت كان سعره الرسمي لا يتجاوز 12,500 ليرة. هذه السوق اعتمدت على مصادر متعددة: تهريب من مناطق سيطرة الحكومة بمشاركة حواجز حكومية وحواجز للفصائل المحلية، إضافة إلى تورّط  أصحاب المحطات أنفسهم. كذلك مواطنون عاديون باتوا يسافرون إلى ريف دمشق أو درعا لتعبئة الوقود وبيعه في السويداء بأسعار مضاعفة. حتى أن بعض شاحنات نقل المساعدات شاركت في عمليات تهريب الوقود. 

 

انفراج مؤقت

أواخر أيلول/سبتمبر، وافقت الحكومة السورية على الترصيد في المصرف المركزي بدمشق. انتظمت عملية دخول الوقود تدريجياً، وتراجعت السوق السوداء نسبياً بين نهاية أيلول/سبتمبر ومنتصف تشرين الثاني/نوفمبر. غير أن هذا الانفراج كان مؤقتاً. ففي 11 تشرين الثاني/نوفمبر، أعلنت الحكومة السورية تخفيض أسعار الوقود، ليصبح سعر ليتر البنزين 85 سنت (نحو 10,500 ليرة)، والمازوت 75 سنت (نحو 9,000 ليرة). بالتزامن، توقفت فجأة طلبات البنزين إلى السويداء، رغم أن 35 محطة كانت قد أنجزت الترصيد في دمشق وكانت جاهزة للاستلام وفق ما ذكر مصدر في شركة المحروقات لـ"المدن". بررت مصادر حكومية تقنين إرسال الوقود إلى السويداء بعدم قدرتها على الرقابة وتحكم قوى الأمر الواقع بالمادة وحرمان المواطنين منها. 

بين 11 تشرين الثاني/نوفمبر و10 كانون الأول/ديسمبر، لم يصل إلى السويداء سوى 10 طلبات بنزين فقط، في حين تحتاج المحافظة إلى 6-8 طلبات يومياً لتغطية الطلب الفعلي. انعكست هذه الفجوة مباشرة على حياة المدنيين، الذين يضطرون لشراء البنزين بسعر 20 ألف ليرة لليتر الواحد. المشهد الأكثر تناقضاً هو انتشار البنزين على البسطات بجانب المحطات المغلقة نفسها، إضافة إلى محطات متنقلة وبنزين لبناني مهرّب، يدخل عبر طرق تخضع لسيطرة حواجز حكومية من جهة، وحواجز الحرس الوطني من جهة أخرى، ما يطرح أسئلة حول طبيعة العلاقة بين هذه الحواجز. 

 

محاولات معالجة غير فعّالة

محاولات السلطات المحلية -اللجنة القانونية العليا- لمعالجة الأزمة بقيت غير فعالة. فقد فرضت على أصحاب المحطات الاحتفاظ بـ1500 ليتر من كل طلب كمخزون احتياطي لا يُصرّف إلا بموافقتها، فيما خُصّص هذا المخزون عملياً لتأمين وقود الحرس الوطني بالسعر الرسمي. أما المواطن العادي، فلا يملك حق الوصول إلى هذا الاحتياطي، ويُترك أمام خيارين: انتظار طوابير قد تمتد ليومين للحصول على عشرة ليترات فقط، أو اللجوء إلى سوق سوداء مزدهرة. 

وبالرغم من تسيير دوريات للأمن الداخلي التابع للسلطات المحلية، فشلت محاولات ضبط السوق السوداء. بل تحوّلت تجارة الوقود إلى نشاط مربح لأي شخص يمتلك صلة بالحرس الوطني أو الفصائل المحلية. وتشير مصادر محلية للمدن إلى أن بعض لجان الرقابة على محطات الوقود التي شكلتها اللجنة القانونية نفسها تورّطت في تسهيل تهريب نصف كميات الطلبات إلى السوق السوداء، فيما يُباع النصف الآخر بالسعر الرسمي للطوابير المصطفة. 

ولا تبدو أزمة الوقود في السويداء أزمة إمداد بقدر ما هي أزمة إدارة وصراع نفوذ، حيث تحوّلت مادة حيوية إلى أداة ضغط ومصدر ربح في اقتصاد حرب مكتمل الأركان، يدفع ثمنه المدنيون وحدهم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث