كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن جيش الاحتلال وضع خلال الأسابيع الأخيرة، خططاً لهجوم واسع النطاق على مواقع حزب الله في لبنان، في حال لم تلتزم الحكومة اللبنانية بمهلة نهاية عام 2025 لنزع سلاح الحزب. ووفق التقرير، أبلغت إسرائيل الإدارة الأميركية بنيّتها التحرك عسكرياً، إذا لم تُنفَّذ عملية نزع السلاح ضمن المهلة المحددة، فيما نقلت واشنطن هذا التحذير إلى بيروت.
ومن المرتقب أن يناقش رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ملف التصعيد في لبنان، وفق صحيفة "يديعوت أحرونوت"، التي كشفت أن اللقاء المرتقب سيكون "حاسماً" في تحديد ما إذا كانت إسرائيل ستحصل على موافقة أميركية لشن الهجوم.
في هذا الحوار مع "المدن"، يقرأ الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، طبيعة هذا النقاش، متتبعاً الصراع الدائر داخل مراكز القرار الإسرائيلية، بين من يرى في الحرب الواسعة أداةً لتفكيك البنى العسكرية للخصوم وتثبيت سردية النصر، ومن يدعو إلى إدارة مرحلة انتقالية تُستثمر فيها الإنجازات الميدانية عبر ترتيبات سياسية وأمنية، دون استنزاف إضافي للجيش.
ويتناول الحوار أيضاً، الدور الأميركي في رسم الخطوط الحمراء، وتوظيف "الخطر اللبناني" في الصراعات الداخلية الإسرائيلية، فضلاً عن التصورات المستقبلية التي قد تجعل من جنوب لبنان ساحة لترتيبات أمنية واقتصادية تُكمل معادلة الردع العسكري.
وفيما يلي نص الحوار:
- كيف يمكن أن نلخّص التحوّل في النظرة الإسرائيلية إلى لبنان خلال الأشهر الأخيرة، تحديداً بعد وقف اتفاق وقف الحرب مع حزب الله؟
تعكس المقاربة الإسرائيلية الراهنة تجاه لبنان تحوّلاً نوعياً من النظر إليه بوصفه جبهة تصعيد عسكري محتملة إلى التعامل معه كملف سياسي - أمني يقع ضمن مرحلة انتقالية دقيقة، تُدار فيها الصراعات أكثر مما تُحسم. لم يعُد لبنان يُقارَب فقط باعتباره مصدر تهديد مباشر، بل كحقل اختبار لترتيبات ما بعد الحرب، على غرار ما يجري في غزة، حيث تسعى إسرائيل إلى تثبيت إنجازاتها العسكرية ضمن أطر سياسية وأمنية طويلة الأمد.
هذا التحوّل لا ينطوي على تخلي عن الخيار العسكري، بل على تعليق استخدامه الواسع، واستبداله بإدارة ضغط محسوبة، ريثما تنضج ترتيبات دولية قادرة على ضبط الجبهة الشمالية دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة.
في الداخل الإسرائيلي، يتجسّد هذا التحوّل في صراع واضح بين مقاربتين. الأولى سياسية - شخصية، تتمسّك بخطاب النصر المطلق وتطرح الحرب الواسعة كأداة نهائية لتفكيك البنى العسكرية لحماس وحزب الله، وترى في أي انتقال إلى التهدئة خطراً على مكانة القيادة وسرديتها السياسية.
في المقابل، تتبلور مقاربة مؤسسية - عسكرية تميل إلى الاكتفاء بعمليات محدودة ومنضبطة، تُستخدم فيها الضربات الموضعية كوسيلة ضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع إعطاء أولوية واضحة لإعادة بناء الجيش واستثمار ما تحقق ميدانياً عبر ترتيبات سياسية. في هذا السياق، تُطرح الحرب الواسعة كخيار مؤجَّل ومشروط، لا كقرار وشيك، بينما تُستخدم الحرب المحدودة كأداة لإدارة مرحلة انتقالية حساسة.
- في الخطاب الإسرائيلي الداخلي، كيف تُستخدم التجربة اللبنانية في النقاش حول الأمن على الحدود وإعادة تشكيل مفهوم الردع أو المناطق العازلة؟
يُعاد تعريف مفهوم الأمن على الحدود الشمالية باعتباره عملية سياسية–عسكرية مركّبة، لا تُختزل في وقف إطلاق النار أو الحفاظ على الهدوء. فالردع لم يعد يُقاس فقط بغياب المواجهة، بل بقدرة الترتيبات الجديدة على منع إعادة إنتاج القوة العسكرية للخصم.
وتُستَحضَر التجربة اللبنانية لإثبات محدودية الردع القائم على التهديد وحده، ولتبرير الحاجة إلى إدخال عناصر دبلوماسية وتنسيقية، وربما اقتصادية، تُدار عبر قنوات رسمية وغير رسمية، بما يخلق بيئة أقل قابلية للانفجار. وفي هذا السياق، تُفهم قوات "اليونيفيل" كجزء من منظومة دولية قائمة لكنها غير حاسمة: ليست عائقاً مباشراً، ولا ضمانة كاملة للأمن، بل عنصراً ضمن ترتيبات أوسع يجري التفكير في إعادة تفعيلها أو تجاوز قصورها عبر آليات تنسيق جديدة، مع انتقال واضح من التعويل الحصري على القوة الدولية إلى البحث عن ترتيبات سياسية أمنية أكثر شمولاً، بتأثير دولي مباشر، ولا سيما أميركي.
- إلى أي حدّ تؤثّر العلاقة الأميركية–الإسرائيلية في رسم الخطوط الحمراء تجاه لبنان، خصوصاً في ما يتعلق بإمكانية شنّ حرب واسعة أو الاكتفاء بضربات موضعية؟
تُعدّ العلاقة الأميركية-الإسرائيلية عامل الضبط المركزي في رسم حدود هذه المقاربة. فقرارات الحرب الواسعة لا تُتخذ بمعزل عن الرغبة الأميركية في تثبيت الاستقرار وفتح المسار المدني والسياسي. وتُرسَم الخطوط الحمراء وفق ميزان دقيق يسمح بممارسة ضغط عسكري محدود، مقابل منع انفجار شامل قد ينسف فرص الترتيبات طويلة الأمد أو مسارات التطبيع الإقليمي.
- كيف يستخدم صنّاع القرار في إسرائيل "الخطر اللبناني" في ساحة السياسة الداخلية، سواء في الصراعات الحزبية أو في تبرير سياسات الأمن والدفاع والميزانيات؟
ضمن هذه الرؤية، يُدرج لبنان كجبهة ينبغي احتواؤها سياسياً ما أمكن، وتأجيل الحسم العسكري فيها. وفي الوقت ذاته، يُوظَّف الخطر اللبناني في الساحة الداخلية الإسرائيلية بوصفه أداة مزدوجة: لتبرير استمرار خطاب التهديد والحاجة إلى اليقظة الأمنية، وللحدّ من الضغوط الدافعة نحو الانتقال الكامل إلى مرحلة ما بعد الحرب، عبر شرعنة التمسك بخطاب النصر المطلق في مواجهة مطالب إنهاء القتال النشط.
وتتعمق الفجوة هنا بين تقديرات المؤسسة العسكرية، التي تقارب لبنان بمنطق إدارة مرحلة انتقالية وتثبيت إنجازات الحرب دون استنزاف إضافي، مع إعطاء أولوية لإعادة البناء والاستعداد للتحديات المستقبلية، وبين الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بالقيادة، الذي يميل إلى تضخيم التهديد اللبناني واستخدامه ذريعة لرفض الانتقال الكامل إلى منطق غسق الحرب، خشية التداعيات السياسية الداخلية.
- كيف تتوقع أن تتطوّر التصورات الإسرائيلية تجاه لبنان في السنوات المقبلة، تحديداً إذا ما فهمناها ضمن احتمالات تبدل مواقف الحكومات القادمة داخل إسرائيل؟
من المرجّح أن تتبلور التصوّرات الإسرائيلية تجاه لبنان ضمن مقاربة مزدوجة تجمع بين العمل العسكرية والردع المستمر والحفاظ على خيار الضربات الاستباقية عند أي تهديد بتعاظم القدرات العسكرية، وبين تعزيز المسار الدبلوماسي كأداة لضبط الجبهة الشمالية لا لحسمها. وفي هذا الإطار، قد يُدفَع نحو ترتيبات تجعل جنوب لبنان منطقة منزوعة السلاح أو خاضعة لشروط أمنية، بالتوازي مع توظيف أدوات اقتصادية - طاقية، ولا سيما التحكم بمسارات تزويد لبنان بالغاز وتنظيم استخراجه، بما يخلق اعتماداً طويل الأمد يربط الاستقرار بالمصالح المادية ويُكمل معادلة الردع العسكري.
