التعامل السوري مع موجة التصعيد الإسرائيلية الأخيرة على الجبهة الجنوبية، يمكن وصفه بأنه اختبار مباشر لنهج الرئيس السوري أحمد الشرع في إدارة الصراع مع إسرائيل، في مرحلة تتقاطع فيها التحولات الميدانية مع رسائل سياسية واضحة.
وخلال الأيام الماضية، نفّذ جيش الاحتلال سلسلة توغلات محدودة داخل محيط محافظة القنيطرة، بالتوازي مع خرق متكرر للأجواء السورية عبر طلعات استطلاع وهجمات محدودة.
كما بثّ الإعلام العسكري الإسرائيلي لقطات، تُظهر انتشار قوات راجلة على قمة جبل الشيخ المحتلة، في خطوة حملت مؤشرات على رغبة تل أبيب في إظهار جاهزيتها لفتح الجبهة متى شاءت.
سقف لقواعد الاشتباك
هذه التحركات تُقرأ في دمشق كجزء من "تصعيد محسوب" تحاول إسرائيل من خلاله رسم سقف جديد لقواعد الاشتباك، في لحظة ترى فيها أن الظروف الإقليمية والسياسية تتيح لها توجيه رسائل ضغط باتجاه الحكومة السورية الجديدة.
وبحسب مراقبين، فإن التقدير الأولي يشير إلى أن تل أبيب لا تسعى إلى حرب واسعة، لكنها تختبر حدود الرد السوري وقدرة القيادة الجديدة على ضبط الإيقاع في الجنوب.
وفي هذا الجانب، يرى الدبلوماسي السوري بسام بربندي، في حديثه لـ"المدن"، أن "إسرائيل تتهرب من أي اتفاق سلام ترى فيه أنها لا تمتلك الأفضلية، وتحاول دائماً الاعتماد على قوتها لفرض شروطها في تعاملها مع سوريا أو مع غيرها"، لافتاً إلى أن "الاتفاقية العسكرية التي أُبرمت عام 1974 بين سوريا وإسرائيل، والقاضية بوقف إطلاق النار والعودة إلى خطوط 24 تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، تمت بموافقة وإشراف أميركييين".
ويوضح بربندي أن المصادر الأميركية كافة تشير إلى أن الطرفين، السوري والإسرائيلي، كادا في مراحل عديدة أن يتوصلَا إلى اتفاق سلام شامل، بل وتم تسريب معلومات عن (اتفاق وشيك) أكثر من مرة خلال مراحل تفاوض متفرقة، لكن النتيجة النهائية كانت دائماً واحدة: لم يُوقَّع أي اتفاق، معتبراً أن "هذا يعني بوضوح أن هناك طرفاً لا يريد التوصل إلى تسوية، وواضح أن هذا الطرف ليس سوريا، ولا الولايات المتحدة، بل إسرائيل".
وبما إن إسرائيل تتهرب من أي اتفاق سلام أو حتى من اتفاق لمنع الاحتكاك، فإنها تسعى دائماً إلى إيجاد مبرّر أمني أو عسكري لتبرير ذلك التهرب، ولذلك، ينشر الإعلام الإسرائيلي بين الحين والآخر، مزاعم عن وجود جماعات إسلامية مصنّفة إرهابية في الجنوب السوري، على غرار "الجبهة الإسلامية" أو ما يُطلق عليه "الجهاد الإسلامي"، رغم أن تلك المزاعم لا تُسنَد – في كثير من الأحيان – إلى أدلة موثوقة، وفق بربندي.
واشنطن جادة بالتوصل لاتفاق
في المقابل، يجب التأكيد أن قضية السلام بين سوريا وإسرائيل هي في جوهرها قضية أميركية، أكثر منها سوريّة أو إسرائيلية، فهي طلب أميركي صريح، وإن كانت الرغبة السورية في التسوية واضحة وثابتة، وتجلّت في مرونة كبيرة وحسن نية من القيادة السورية.
وبالتالي، ووفق كلام بربندي، إذا كانت الولايات المتحدة جادة حقاً في التوصل إلى اتفاق سلام، أو اتفاق لنزع السلاح، أو حتى لمنع الاحتكاك المسلح، فإن العقدة الحقيقية تكمن في الموقف الإسرائيلي، وليس في الموقف السوري. لكنه يشدد على ضرورة أن "تواصل الحكومة السورية التمسّك بموقفها المبدئي والمعتدل، وتجنّب ارتكاب أخطاء تكتيكية قد تستغلها إسرائيل لتعزيز موقفها أمام الغرب.
في المقابل، يبدو أن الرئيس السوري أحمد الشرع، يركّز على إدارة الصراع عبر ثلاث آليات متوازية: ضبط الميدان ومنع الانزلاق غير المحسوب، رفع مستوى الاستنفار الدفاعي على الجبهة، وإبقاء باب التواصل غير المباشر مفتوحاً عبر القوى الدولية المعنية.
وتعتبر أوساط سياسية في دمشق، أن هذه المقاربة تهدف إلى منع الاحتلال من فرض واقع أمني جديد، دون الانجرار إلى مواجهة شاملة يمكن أن تغيّر الأولويات الداخلية.
وتتباين التقديرات بشأن ما إذا كانت الجبهة تتّجه نحو انفجار أوسع، فبينما يرى محللون أن ما يجري يدخل في إطار "معركة الرسائل"، تشير المعطيات الميدانية إلى أن استمرار الطلعات الجوية وعمليات التوغل، قد يدفع دمشق لاتخاذ خطوات أكثر صرامة، خصوصاً إذا تجاوز التصعيد الخطوط التي تعتبرها سوريا جزءاً من أمنها الوطني المباشر.
خطة إسرائيل
ويقول الأكاديمي والباحث السياسي كمال عبدو، لـ"المدن"، إنه "منذ اليوم الأول الذي بدأ فيه تفكك النظام، وضعت إسرائيل استراتيجيةً واضحة تمثّلت في إفراغ الجنوب السوري بالكامل من السلاح، وهو ما نفّذته عبر أكبر عملية قصف جوي في تاريخها.
ويعتبر أن دخول إسرائيل المباشر إلى المنطقة العازلة، بما فيها جبل الشيخ، منحها عمقاً استراتيجياً كبيراً. ويضيف أن إسرائيل تتحرك اليوم في ظل حالة من القوة الهائلة التي تمتلكها في الشرق الأوسط، وتعمل في ظل ضوء أخضر أميركي.
أما بالنسبة لدمشق، فيرى عبدو، أنها تقرأ الرسالة جيداً، وقد فهمت المطالب الإسرائيلية بوضوح. ويضيف أن "هناك بالفعل رغبة أميركية وإسرائيلية في جرّ سوريا نحو اتفاقية سلام، بل ودفعها إلى الانضمام إلى ما يُعرف باتفاقيات أبراهام"، لكنه يعتبر أن هذا الأمر صعب جداً، خصوصاً في ظل وجود أراضٍ سورية محتلّة.
ويشير إلى أنه رغم شعور الحكومة السورية بأنها مُطالبة بمطالب قاسية جداً وغير قابلة للتحقيق، لم تُغلِق باب التفاوض، ولا تزال تأمل أن تُفضي التطورات الإقليمية والدولية، إلى تحسّن يُمكّن من التوصل إلى اتفاق جديد. فيما يرى أن احتمالات المواجهة الأوسع، "واردة من حيث المبدأ، لكنها ضعيفة".
وبين اختبار القوة الذي تمارسه إسرائيل، والسعي السوري لتثبيت قواعد اشتباك جديدة، تبقى الجبهة الجنوبية مفتوحة على سيناريوهين: استمرار الضغط المتبادل دون مواجهة واسعة، أو انزلاق تدريجي نحو تصعيد أكبر، وهو ما سيحدده في النهاية مدى قدرة الرئيس الشرع على إدارة المعادلة ومنع كرة النار من التدحرج خارج السيطرة.
