حِراك واسع لفرض توازنات جديدة

ناصر زيدانالجمعة 2025/12/12
GettyImages-451033528.jpg
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

الحرب العدوانية التي شنَّتها إسرائيل على غزة وعلى دول مجاورة، والتغييرات الهائلة التي حصلت في سوريا خلال العام المُنصرم؛ قلبت صورة المشهد الاستراتيجي في المنطقة برمتها. لكن خارطة تموضُع القوى لم تتبلور نهائياً بعد، وهناك محاولات لملء الفراغ الناتج عن تراجع الدور الإيراني، وربما بالتنسيق مع طهران، بينما إسرائيل فشلت في تثبيت أقدامها في المواقع التي وصلت اليها بالقوة العسكرية، وهي لا تستطيع "تقريش" ضرباتها المؤلمة بالسياسة، وقد يتراجع دورها في المستقبل، لأن عدوانيتها أفقدتها جزءاً كبيراً من الحيوية التي حصلت عليها قبل حرب غزة، فتراجعت عمليات التطبيع التي كانت تسير بوتيرة مُتسارعة، وتلقّى مشروع التفاهمات الابراهيمية ضربة في الصميم.

 

حضور أكثر من 300 شخصية عربية وإسلامية في المؤتمر الذي دعت اليه مؤسسة القدس الدولية في مدينة إسطنبول التركية، بين 6 و7 كانون الأول/ديسمبر؛ كان مؤشراً مهماً، حيث رفض غالبية المشاركين الاعتراف بالأمر الواقع المفروض من قبل إسرائيل على القُدس وعلى فلسطين وعلى المنطقة برمتها، وبدت أنقرة على تنسيق مع القوى الإقليمية الأخرى – بما فيها ايران – لتوليف منظومة ممانعة على شاكلة جديدة تضع حداً للاستباحة الإسرائيلية. وأنقرة بطبيعة الحال مُهتمة باستقرار سوريا، بعد أن تمادت التدخلات الإسرائيلية فيها لزعزعة وحدتها.

 

وحضور حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية، وفصائل عراقية من الحشد الشعبي، لمؤتمر إسطنبول، يؤكد على رضا طهران على هذا الحراك الجديد، ويُشير الى دور استقطابي مستقبلي تقوم به تركيا يملأ الفراغ، وقد يبلور صورة جديدة لتوازنات تكبح جماح الإنفلاش الإسرائيلي المُتهوِّر، ويعطي أنقرة أوراق قوة قد تلعبها لحفظ مكانتها المُهددة في سوريا، حيث وصل الأمر برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى وصف سفير الولايات المتحدة في أنقرة والمبعوث الرئاسي الخاص توم باراك؛ بأنه سفير لتركيا. وتكفي هذه الإشارة للدلالة على مدى التباين بين الطرفين، وعلى الحيرة الأميركية الواضحة التي تحاول انتاج معادلة مستحيلة التحقّقُ في تعاطيها مع الدولتين الحليفتين لها والمُتعارضتين.

 

وعلى الضفة الأخرى من المشهد؛ يبرز الحِراك السعودي – القطري لفرض قوة استقطاب عربية إقليمية، تعمل على تسوية بعض النزاعات القائمة في اليمن وفي السودان وفي لبنان، وتدعم موقف الإدارة السورية الجديدة، من خلال استثمار علاقات البلدين الممتازة مع الولايات المتحدة ومع ايران وروسيا والصين، وانطلاقاً من مكانة البلدين الوازنة على الساحة العربية وفي الإقليم، وقد أظهرت نتائج القمة السعودية – القطرية التي عقدت مؤخراً في الرياض، مؤشرات مهمة على الاندفاعة العربية الجديدة، ويبدو أنها مُنسقة مع ما جرى في إسطنبول، وبعد اجتماعات جرت في طهران.

 

الاستراتيجية العربية الجديدة، تعطي الملف الفلسطيني مساحة وازنة، على عكس ما هو حاصل مع الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي تتجاهل كلياً القضية الفلسطينية. والواضح أن الحراك السعودي – القطري يرتكز على الرؤى الموحدة التي يعبر عنها الإجماع العربي، وأكدتها مقررات قمة المنامة الخليجية الأخيرة، أي حلّ الدولتين، والأرض مقابل التطبيع أو السلام، والمعادلة التي تحاول إسرائيل فرضها تحت شعار "السلام مقابل السلام أو مقابل وقف الحرب"، مرفوضة عربياً، والقفز فوق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني؛ لا يمكن أن يحصل مهما طال الزمن، وتمادي العدوان على غزة وعلى الضفة الغربية، وبناء مستوطنات جديدة على الأراضي الفلسطينية؛ لا يمكن القبول به.

 

تستثمر إسرائيل قوتها العسكرية المُفرطة، لفرض أمر واقع عسكري جديد على المنطقة، وتحاول تهديد المحيط برمته، وتعمل على تعبئة الفراغ الناتج عن انكفاء الأذرُع الإيرانية بواسطة مجموعات تدور في فلكها، لفرض واقع تفتيتي مشرذم محيط بها، فوق معادلة السيادة أو الحق، وهي تجهد لتقويض دور السلطة الفلسطينية التي أنشأت بموجب معاهدة أوسلوا للعام 1993، كما تعمل على إنهاك لبنان بترتيبات لا يتحملها الواقع على الاطلاق، خصوصاً في الجنوب، وتحاول الاستفادة من بعض الإرباكات التي تواجه عملية تنفيذ المشروع الذي أقرته الحكومة اللبنانية بحصر ملكية السلاح بالقوى الشرعية؛ لإنتاج توتر، أو اقتتال داخلي لبناني يرفضه كافة الأفرقاء.

 

من المؤكد أن عملية توليف توازنات جديدة، ستأخذ بالاعتبار عدم تقديم تنازلات مجانية لإسرائيل، وهناك أوراق عربية هامة يمكن استثمارها في هذا السياق، لا سيما منها تحشيد القوى والإمكانيات في اتجاهٍ واحد، وتوظيف وثيقة الأخوة الإنسانية للعام 2021، والتي أسست لاتفاقيات "أبراهام"، بحيث لا يمكن تفعيل هذه التفاهمات في ظل عمليات القتل والعدوان التي تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين وغيرهم من شعوب الدول المحيطة بها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث