نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ندوة بعنوان "الانتخابات النيابية العراقية 2025: النتائج ومستقبل النظام السياسي"، أدراها مروان قبلان رئيس وحدة الدراسات السياسية في المركز، وشارك فيها كل من حارث حسن الباحث المشارك والمدير الأكاديمي في المركز، وحيدر سعيد رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز، وسرهنك حمه سعيد الباحث في سياسة الشرق الأوسط وبناء السلام والمدير السابق لبرنامج الشرق الأوسط في معهد الولايات المتحدة للسلام.
بدأ قبلان تقديمه للندوة التي عُقدت الأربعاء الماضي، بثلاث ملاحظات أوليّة عمّا سمّاه "الديمقراطية على الطريقة العراقية"، وهي أن الفوز في الانتخابات ليس شرطاً لتشكيل حكومة، وأن السياق العراقي يتخلله ميليشيات لديها أحزاب وأحزاب لديها ميليشيات، وأخيراً، ظاهرة مقتدى الصدر، الذي – على الرغم من قدرته على الحشد والتعبئة – لم يستطِع استثمار هذه القدرة لتشكيل حكومة.
الانتخابات ومسار السلطوية
قدّم حارث حسن المداخلة الأولى، وهي بعنوان "الانتخابات ومسار السلطوية التنافسية في العراق"، وركّز فيها على محورين أساسيين: أولهما علاقة الانتخابات بطبيعة النظام السياسي بالعراق ومستقبله، والآخر هو الصراع الدولي والإقليمي في العراق. وتطرّق إلى أن الانتخابات الأخيرة كرست وضع النظام السياسي في العراق، بوصفه نموذجاً للسلطوية التنافسية. وهو مفهوم في العلوم السياسية يشير إلى نوع من الأنظمة السياسية التي توجد فيها انتخابات تنافسية وقدر من الحرية، ولكن تجري هندسة الإطار السياسي والانتخابي وتنظيمه على نحوٍ لا يسمح بخسارة الطرف المهيمن على السلطة. ودلّل الباحث على ذلك بأن نسبة المشاركة الحقيقية مختلفة عن نسبة المشاركة التي جرى الاحتفاء بها إعلامياً، فالأخيرة كان فيها نوع من التلاعب المقصود؛ لأن المشاركة الانتخابية عادةً ما تُحسب بنسبة عدد الناخبين المصوتين مقابل عدد الأشخاص المسموح لهم بالانتخاب؛ وهو ما لم يتحقق في الحالة العراقية.
وتحدّث عن صعوبة وصف الانتخابات العراقية بأنها حرة ونزيهة؛ فمثلاً، ليس هناك عملية تقنين وتنظيم وسيطرة واضحة لإنفاق المال العام وتمويل الأحزاب السياسية. ولذا، يمكن القول إن هذه الانتخابات زبائنية الطابع إلى حد بعيد، كما أن المؤسسات الوسيطة، التي يفترض أن تكون المرجع الأساسي في تنظيم التنافس السياسي، تخضع لنفوذ الأحزاب المهيمنة وسيطرتها.
وأشار إلى أن تعبير "الأحزاب السياسية في العراق" تعبير مجازي، فالموجود في العراق هو جماعات تتمحور حول راعٍ تحيط به شبكة من الأتباع والمحاسيب. ويحافظ هذا الراعي على شبكته من خلال وصوله إلى موردَين أساسيين: العنف، والريع. ولذا، فهي علاقة زبائنية كلاسيكية.
شبكات زبائنية تتنافس
وخلص الباحث إلى أن الانتخابات في العراق ليس هدفها التنافس بين تيارات فكرية وأيديولوجية، وبين تصورات في كيفية إدارة البلد أو الاقتصاد أو البرامج الاجتماعية، بل هي عملياً انتخابات داخل كل مجموعة سكانية، أو كل "مكون إثنوطائفي" بالتعبير الشائع، بين شبكات زبائنية متنافسة. فالناخب عندما يذهب للتصويت، لا يصوّت بحسب التيار الفكري - الأيديولوجي، بل بحسب الشبكة الزبائنية التي يشعر أنها أقرب إليه، ويمكن أن يفيد منها. وبيّن أن السؤال الأساسي الذي يشغله هو: لماذا تجري انتخابات في العراق؟ وجوابه عن ذلك هو أن الانتخابات تحصل لأنها ما زالت المصدر الأساسي للشرعية؛ فبسبب تشكّل النظام السياسي من مراكز قوى متعددة، لديها تصورات مختلفة للشرعية، هناك حاجة إلى الانتخابات لأنها تمثّل الشرعية الوسيطة بين هذه المراكز، كما أنها ضرورية لإدارة التنافس بين القوى المهيمنة. وانتهى إلى الحديث عن النخب السياسية المهيمنة، مبيّناً أنها لا تتغير بإرادتها، بل يجب أن تشعر بالخوف لتبدأ التغيير. وهذا في رأيه ما حصل في موجة احتجاجات عام 2019، التي اضطرت النخب بعدها إلى إحداث تغييرات بسبب خوفها. وأشار أخيراً إلى أن القوى المهيمنة في العراق لم تعد خائفة من الداخل، وأنما هي خائفة اليوم من الخارج ومن التحولات في المنطقة: الضغط الأميركي على القوى السياسية العراقية، ولا سيما في موضوع التعامل مع الفصائل المسلحة، والتراجع النسبي للنفوذ الإيراني، والاستقطاب ما بعد السابع من أكتوبر، والتهديد الأميركي باستعمال الورقة الاقتصادية، وبخاصة قضية العملة الصعبة، للضغط على المنظومة السياسية العراقية.
خسارة القوى المدنية
المداخلة الثانية قدّمها حيدر سعيد، وهي بعنوان "انتخابات 2025 في العراق والقوى المدنية ومستقبل النظام السياسي: أي إطار للتفسير؟"، وركّزت على تحليل موقع "القوى المدنية" ونتيجتها في الانتخابات. وذكر الباحث أن هذا التحليل ليس مجرد دراسة حالة محددة، بل إن دراسة هذه الحالة تكشف عن طبيعة النظامَين الانتخابي والسياسي في العراق. وبدءاً، عرّف الباحث "القوى المدنية" في الحالة العراقية بأنها لا تشير فقط إلى القوى العلمانية، وأنما تعني أيضاً القوى العابرة للطائفية. ومن ثم، لا تشمل "القوى المدنية"، في تحليله، الشخصيات العلمانية التي خاضت الانتخابات داخل إطار القوى الشيعية أو التنظيمات السنّية. وهكذا، رأى أن "القوى المدنية"، في الانتخابات الأخيرة، تركزت في تحالف رئيس، حمل اسم "تحالف البديل". وهو تحالف لقوى علمانية تقليدية وقوى يسارية وليبرالية، وقوى خارجة من حركة الاحتجاجات في خريف 2019 (تشرين)، فضلاً عن شخصيات إسلامية خارجة عن إطار الحركات الإسلامية الحاكمة. وكان هذا التحالف ينطلق من إطار الهوية الوطنية العراقية، وليس من إطار طائفي أو إثني محدد.
وقبل أن يتوسع الباحث في تحليله، عرّج على نقاش الوظيفة السياسية للانتخابات في السياق العراقي؛ إذ رأى أنها لا تتوقف على الحاجة إلى إطار شرعي، بل أن وظيفتها الأساسية تكمن في أنها تحدد موازين القوى بين القوى الشيعية الحاكمة. ولذلك، حرصت الأخيرة على حث جمهورها على عدم تفويت فرصة المشاركة في الانتخابات.
وبالعودة إلى تحليل نتيجة ما حصلت عليه القوى المدنية في الانتخابات الأخيرة، أوضح أن النتيجة كانت مفاجئة؛ إذ لم تحصل هذه القوى على أيّ مقعد، في حين أنها حصلت على 40 مقعداً في انتخابات 2021.
وبخلاف التفسيرات التي راجت عقب إعلان نتائج الانتخابات، من أن القوى المدنية لم تفهم تحولات المجتمع العراقي والقوى الصاعدة فيه (وثمة مصدران لهذه التفسيرات، بحسب الباحث: مصدر من داخل القوى المدنية، يمارس ما يشبه "جلد الذات"، ومصدر داخل الإسلام الشيعي يريد أن يُظهر القوى المدنية كأنها بعيدة عن المجتمع العراقي وهمومه، وتخاطبه بلغة فوقية)، عزا نتائج الانتخابات لا إلى أنها تعبير عن تحولات اجتماعية في العراق، بل إلى طبيعة النظام الانتخابي، فضلاً عن الطابع الزبائني للنظام الذي تمرّست فيه الأحزاب الحاكمة، والذي وصل في هذه الدورة إلى شراء واسع للأصوات، شكّل أحد أركانها، ولم يكن مجرد ظاهرة عرضية.
إشكالية النظام الانتخابي
وفي العموم، أشار الباحث إلى أن النظام الانتخابي – بحسب ما ينظّر المختصون فيه – ليس أداة شفافة تعكس واقعاً اجتماعياً ثابتاً، ومخرجاته ليست تمثيلية شفافة عن هذا الواقع، بل أنه يعكس وينتج ما يريده من يصمم النظام. وشرح ما اتخذه النظام من إجراءات لاحتواء احتجاجات تشرين: القمع وإغلاق المجال العام أكثر فأكثر، واتخاذ إجراءات يبدو أنها تستجيب لمطالب الحركة الاحتجاجية. وكان منها تعديل النظام الانتخابي والخروج من نظام التمثيل النسبي إلى نظام العضو الفردي في انتخابات عام 2021. وفي هذا النظام، فاز نحو 40 نائباً يمثلون القوى المدنية وقوى الاحتجاجات. أمّا في الانتخابات الأخيرة، فجرت العودة إلى نظام التمثيل النسبي والعمل بنظام سانت ليغو بعتبة 1.7؛ وهي طريقة في توزيع الأصوات على عدد المقاعد. ولكن أن تبدأ القسمة من عتبة 1.7 يعني أن القوى والأحزاب الصغيرة الناشئة لن تستطيع بلوغ العتبة، في حين تفيد الأحزاب الكبيرة، الذي يعيد إنتاج هيمنتها على النظام السياسي، وهو ما أدّى إلى خسارة القوى المدنية الانتخابات.
وتوقف الباحث، أخيراً، عند مستقبل القوى المدنية في العراق والنقاش الدائر داخلها حوله؛ إذ تشعر هذه القوى بما يمكن تسميته "نكبة المدنية". ورأى أن هذا ينبغي أن يفضي إلى إعادة تعريف "السياسة"، وإمكانيات وجودها وممارستها خارج أطر المؤسسات الرسمية القائمة، ما دام أن هذه المؤسسات (ومنها الانتخابات) تحكمها توازنات قوى تعيد إنتاج الحاكم أبداً، وأن الدرس الذي ينبغي للقوى المدنية أن تسترجعه هو أن منجزاتها الرئيسة حدثت حين نشطت خارج إطار المؤسسة الرسمية.
أمّا عمّا تكشفه هذه الانتخابات من مؤشرات عن طبيعة النظام السياسي العراقي القائم، فرأى أننّا اليوم لا نستطيع أن نتحدث عن نظام توافقي يؤمّن "شراكة" بين "المكونات" في صناعة القرار. فبسبب تعثر بناء مثل هذا النظام عبر العقدين الفائتين، انتهى النظام إلى ما يشبه "نظاماً قومياً"، تحكمه نخبة تمثّل (أو تدعي تمثيل) مجموعة إثنية، هي التي تصوغ القرارات المصيرية للبلاد وتتحكم فيها، وتبني سرديات فئوية اختزالية عن البلد، وتتعامل مع "المكونات" الأخرى بمنطق "حقوق الأقليات"، فلا تكون شريكة فعلياً في السلطة أو اتخاذ القرار.
انتخابات بلا تأثير سياسي
وقدّم سرهنك حمه سعيد مداخلة أخيرة، بعنوان "هل تعزّز انتخابات 2025 الاستقرار في العراق؟ منظور إقليمي، مع إشارة خاصة إلى طبيعة علاقة العراق بالولايات المتحدة"، ركّز فيها على إن كانت نتيجة الانتخابات العراقية خطوة لتعزيز الاستقرار أو عدمه. وتمحورت ملاحظاته الأساسية حول عدم إحداث الانتخابات تغييراً يُذكر فيما يتعلّق برضا المواطن العراقي عن أداء الحكومة. وفي هذا السياق، أشار إلى أن هناك ثلاثة أحداث كبرى في العراق دلّلت على عدم وجود رضا: الأول هو ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) واستيلاؤه على ثلثَي مساحة العراق، وهو ما عكس ما سمّاه "اعتراضاً سنّياً"؛ الثاني هو الاستفتاء في إقليم كردستان على الاستقلال عام 2017، وهو ما يعكس عدم الرضا الكردي؛ الثالث هو انتفاضة تشرين 2019، والتي قام بها شباب شيعي غير راضٍ عن النظام. وهكذا، فإن المكونات السياسية الثلاثة غير راضية، فضلاً عن أن المكونات السياسية الأصغر غير راضية، بل أن وضعيتها أسوأ داخل العراق.
ورأى أن الانتخابات لا تفضي إلى تغييرات في العملية السياسية، بل أن ما يطرأ عليها من تغيير يحدث بقرار من خارجها. وداخلياً، رأى هوّة كبيرة بين الشعب والدولة، تمثِّل أكبر تحدٍ استراتيجي داخلي في العراق، وإن لم يجرِ التعامل معه فأن جيل الشباب لن يقبل باستمرارية الحال، وسيكون ذلك مصدراً لزعزعة الاستقرار، في حين أنه يمكن أن يكون عاملاً لنموّ سريع، لو جرى التعامل معه.
تأثير القوى الخارجية
وتطرّق الباحث إلى ما سمّاه "المساحة الخارجية"، بدءاً من النفوذ الإيراني الذي رأى أن الانتخابات لم تؤثر فيه. فإيران ومصالحها ما زالت موجودة، والعراق بالنسبة إليها يمثّل عمقاً استراتيجياً ورئة اقتصادية لتفادي العقوبات الأميركية، بل أن العراق بكل أطيافه لا يريد معاداة إيران، وأن المطلوب عراقياً هو خفض النفوذ ليكون القرار العراقي مستقلاً. وتساءل الباحث إن كان التراجع الإيراني في المنطقة سيؤدي إلى تعامل مؤسسي معها في داخل العراق على أساس المصالح المشتركة.
أمّا تركيا، فرأى أن علاقاتها وتوازناتها داخل العراق لم تتأثر، وأن الملفات المهتمة بها (الأمن، والمياه، والاقتصاد)، ستؤدي إلى استمرار العلاقة بين البلدين. وفيما يخص سوريا، رأى أن نتائج الانتخابات العراقية لم تأتِ بجديد حولها، حتى من الجانب السوري ونظرته إلى النتيجة. وينطبق الأمر على العلاقة مع دول الخليج العربية، التي لم تسفر الانتخابات عن تغيّر فيها، بل أنها قد تشهد انفتاحاً نظراً إلى محاولة العراق الاندماج في الإقليم، كما أن من مصلحة هذه الدول أن يبقى العراق خارج النفوذ الإيراني، ويُمكن أن تساعد هذه الدول العراق في مناحي الاستثمار والاقتصاد
وفيما يتعلّق بتأثير الانتخابات في علاقة العراق بالولايات المتحدة الأميركية، أشار الباحث إلى حزمة من المعطيات الإيجابية في هذا المجال: منها أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينظر إلى العراق بصورة إيجابية، عازياً الأمر إلى أن الأميركيين من أصول عراقية صوّتوا له، كما أن العراق دعم ترشيحه لجائزة نوبل للسلام، وأنه يخاطب الولايات المتحدة بلغة المصالح والاقتصاد والطاقة، من دون مشروع لفتح مواجهة معها. ولذلك، عيّن ترمب مبعوثاً خاصاً للعراق، يقيم علاقات جيّدة مع الأوساط السياسية العراقية، وتبدو توجهاته داعمةً لاستقرار العراق. ولذلك، يركز في تصريحاته عن العراق على الفصائل المسلحة، وسلاحها، وعلاقاتها بإيران.
وشهدت الندوة إقبالاً وتفاعلاً واسعَين. وطرح عددٌ من الحضور أسئلة ذات صلة بمحاور عديدة مما تناوله المتحدثون، من قبيل سياسة ترامب تجاه العراق وإمكانية عودتها إلى سياسة تحجيم النفوذ الإيراني هناك، وإمكانية صعود رئيس وزراء من خارج الإطار التنسيقي، والقوى المدنية ومساهماتها الانتخابية، وغيرها من التساؤلات.
