لم تكن شهرزاد الجعفري، يوم ظهرت للمرة الأولى في التسريبات التي هزّت صورة النظام السوري في العام 2012، شخصية عامة واضحة الملامح أو سهلة التصنيف. كانت مجرّد شابّة سورية جميلة درست في الولايات المتحدة، تعمل بصفة مساعدٍ إعلامي في البعثة السورية لدى الأمم المتحدة، وتتحرّك في فلك السياسة الخارجية بحكم موقعها ونفوذ والدها السفير بشار الجعفري.
لكنها وجدت نفسها فجأة في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ الحديث للنظام السوري: تسريب رسائل البريد الإلكتروني الخاصة برئيس الجمهورية وأفراد دائرته الضيقة.
في تلك اللحظة، خرج اسمها من الظل، وتحول إلى مرآة تعكس وجهين للنظام: وجه السلطة التي تتحرك خلف رسائل سرية لصياغة رواية إعلامية تحميها، ووجه البشر الذين يعيشون داخل هذه السلطة، بكل ما يعتريهم من ضعف وتملّق وتشابكات عاطفية ومهنية.
ولعلّ ما دفع اسم شهرزاد إلى الواجهة لم يكن نفوذها، بل قدرتها على كشف طبيعة تلك الدائرة المغلقة؛ الدائرة التي امتزج فيها الحميمي بالسياسي، وتداخلت فيها لعبة الإعلام مع لعبة السلطة، حتى بدا من الصعب التمييز بين التملّق المهني وبدايات علاقة شخصية، أو لغة عاطفية صُنعت لاسترضاء رأس النظام.
فتاة تأتي من باب الأمم المتحدة
وُلدت شهرزاد في عائلة دبلوماسية، وهذا وحده كان كفيلاً بمنحها مقعداً في ممرّات السلطة. فوالدها، بشار الجعفري، واحد من أبرز وجوه النظام في الخارج: المندوب الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة، والمتحدث الصارم باسم دمشق في كل محفل دولي.
كبرت شهرزاد بين لغتين وثقافتين، وورثت عن والدها مهارة الخطاب والاقتراب من الدوائر الرسمية. وعندما اندلعت الأزمة السورية في العام 2011، كانت تعمل في نيويورك في وظيفة تقنية داخل البعثة، لكن وجودها هناك أتاح لها الدخول إلى ملفات الإعلام الدولي، ولا سيما طريقة تعامل النظام مع وسائل الإعلام الغربية خلال الأشهر الأولى من الاحتجاجات.
من هنا تبدأ قصتها.
فالرسائل المسرَّبة تُظهر أن شهرزاد لم تكن مجرّد موظفة، بل قناة غير رسمية لعبور النصائح والمقترحات إلى مكتب الرئيس؛ وهي مكانة لا يحظى بها إلا من تضع السلطة فيه قدراً من الثقة، أو تحتاج إليه لسبب ما، أو تراه قادراً على أداء دور لا يستطيع آخرون القيام به.
وفي الحالة السورية، فإن الدور غير الرسمي ليس تفصيلاً… بل هو الجوهر.
صندوق بريد الرئيس
حين ظهر البريد الإلكتروني المسرَّب، بدا واضحاً أن الرئيس السوري كان يدير جزءاً من اتصالاته الشخصية والسياسية بعيداً عن القنوات الرسمية.
عنوان بسيط، حساب غير محصَّن جيداً، ونمط مراسلات يعتمد على شبكة غير متجانسة من الأشخاص… من رؤساء فروع أمنية إلى شابات غير معروفات في السلك الإداري، مثل شهرزاد الجعفري وهديل العلي.
كانت بعض الرسائل مباشرة وصريحة: نصائح حول الظهور الإعلامي، وكيفية مخاطبة الأميركيين، أو كيفية التعامل مع مقابلة باربرا والترز.
في حين حملت رسائل أخرى لغة شخصية مبالغاً بها، تتراوح بين الإطراء المفرط والمديح الحميمي، وصولاً إلى عبارات تبدو كأنها مقتطعة من رسالة وجدانية أكثر منها جزءاً من وظيفة مهنية.
ومن بين هذه العبارات، برزت رسالة تطلب فيها شهرزاد من زميل مقرّب من الأسد أن ينقل له: "أخبره أنني أحبه جداً جداً جداً… وأنني أفتقده".
ثم تلتها رسالة موجّهة مباشرة إلى الأسد كتبت فيها: miss youuuuu.
هذه الجملة وحدها فتحت باب التأويل على مصراعيه... هل كان ذلك حباً؟ أم تملقاً يليق بسلطة تتغذّى على الولاء الشخصي؟ أم استراتيجية نفسية لإبقاء الباب مفتوحاً نحو نفوذ أكبر داخل القصر؟
يميل التحليل السياسي إلى الاحتمال الأخير. ففي لحظة كانت صورة النظام فيها تتهاوى في الإعلام الغربي، حاولت شهرزاد تثبيت موقعها داخل "غرفة العمليات الإعلامية". ولأن دائرة الرئيس تعمل بمنطق الولاء الشخصي أكثر من المنطق المؤسسي، أصبحت اللغة الحميمية أداة فعّالة لضمان القرب.
لكن السردية العامة أخذت مساراً آخر تماماً: فضيحة تتحدث عن "علاقة محتملة" بين الأسد وشهرزاد، رواية غذّتها قطاعات من الرأي العام المعارض، ووسائل إعلام بحثت عن القصة الأكثر إثارة. ومع ذلك، فإن ما لم يُقَل كان أهمّ مما قيل: في نظام يقوم على العلاقات الشخصية، اختلط السياسي بالعاطفي، وامتزج التملّق بالحوار الإعلامي، وتداخل دور الموظفة مع موقع المستشارة المقرّبة، وتحولت اللغة العاطفية إلى وسيلة لإدارة الولاء داخل السلطة.
التملّق أم العاطفة؟
لا يوجد أي دليل قاطع على أن شهرزاد كانت في "علاقة عاطفية" مع الأسد. لا التسريبات تؤكّد ذلك، ولا الشهادات تثبته، ولا السياق المنطقي يسمح بانزلاق رئيس يواجه أزمة وطنية عميقة نحو علاقة من هذا النوع من دون أن تنكشف بصورة أوضح بكثير.
لكن هناك ما هو أثبت من الشائعات: كانت هناك لغة عاطفية بالفعل. غير أن اللغة العاطفية هنا ليست دليلاً على وجود عاطفة؛ بل على طبيعة البيئة التي أنتجتها. فالسلطة الشخصية في الأنظمة المنغلقة تمتلك قدرة هائلة على تحويل العلاقات الإدارية إلى علاقات "وجدانية اصطناعية".
في مثل هذه الأنظمة، يستخدم المسؤولون لغة الإعجاب لفتح الأبواب، ويبالغون في التقرّب، وتتحوّل الحميمية إلى وسيلة للحصول على النفوذ، أو للحفاظ على الموقع، أو لزيادة مساحة التأثير.
شهرزاد لم تكن استثناءً
لكن ما يجعل حالتها مثيرة هو المفارقة التالية: في الوقت الذي كانت ترسل فيه رسائل إعجاب "رسمية ــ حميمية" للرئيس، كانت في الوقت نفسه تعيش علاقة حبّ حقيقية مع شاب إيراني معارض للنظام، مقيم في نيويورك، وينشر صور المظاهرات على صفحته الشخصية.
كيف يمكن التوفيق بين هذين العالمين؟ الإجابة تكشف الكثير عن حقيقة الدور لا الشخص.
فثنائية شهرزاد ــ حبّ حقيقي خارج النظام، ولغة حميمية اصطناعية داخله ــ كانت تعبيراً عن انشقاق الهوية الذي تعيشه كثير من الكوادر الشابة في الأنظمة السلطوية: تعمل في الداخل، لكنها تعيش في الخارج، تمارس الولاء المهني، لكنها تنتمي اجتماعياً إلى طبقة لا تشبه السلطة، تكتب للرئيس كلمات "تُمليها الوظيفة"، فيما تكتب لحبيبها كلمات تمليها الروح.
هذا الانشقاق تحديداً هو ما جعل صورتها تبدو لدى البعض "فضيحة"، بينما يراها التحليل السياسي حالة اعتيادية في أنظمة تتغذّى على التناقض.
والسؤال: ماذا أرادت شهرزاد فعلاً.
يمكن قراءة سلوكها عبر أربعة احتمالات: طموح مهني هدفه الوصول إلى "غرفة القرار الإعلامي". فوجودها في نيويورك، واحتكاكها بالإعلام الغربي، جعلاها ــ بنظر النظام ــ مؤهلة للعب دور الوسيط.
محاولة لبناء قناة تأثير شخصية على الرئيس، وهو سلوك شائع في الأنظمة التي تتضاءل فيها قيمة المؤسسات ويصعد فيها دور "النافذة الشخصية".
سلوك عاطفي ــ نفسي نابع من رغبة في القَبول داخل دائرة مغلقة. فاللغة الحميمية قد تكون وسيلة للحصول على الاعتراف، خصوصاً في بيئة يغيب فيها التقدير المهني الواضح.
استخدام الدائرة المقرّبة للرئيس لخلق منافسات داخلية تُضعف الجميع. فالصراع مع لونا الشبل، الذي ظهر لاحقاً، كان جزءاً من تنافس بين مستشارات شابات على القرب من الرئيس.
ليست هناك إجابة واحدة. والأرجح أن الحقيقة مزيج من هذه الاحتمالات الأربعة.
الصمت
عندما ظهرت التسريبات، لم يصدر النظام بياناً ينفي فيه علاقة الأسد بشهرزاد أو يفسّر طبيعة الرسائل المسرَّبة. لم يفعل ذلك لسبب بسيط: الدخول في التفاصيل كان سيمنح التسريبات مصداقية أكبر.
لذلك تبنّى استراتيجية "الإنكار الشامل": الجميع ينكر… لا أحد يشرح… ولا أحد يقترب من التفاصيل.
لكن وقع الفضيحة كان كبيراً داخل الجدران المغلقة. فوالدها، السفير بشار الجعفري، وجد نفسه فجأة في قلب أزمة داخلية. ولم يكن مستغرباً أن تتسرّب لاحقاً أخبار عن عقوبات طالت ممتلكاته، أو تضييق غير معلن مورِس عليه… فالنظام الذي يستخدم الجميع، لا يتردّد في معاقبة الجميع.
وفي اللحظة التي أصبحت فيها شهرزاد عبئاً، اختفت من المشهد. تركت دمشق، وغادرت إلى الولايات المتحدة، وابتعدت عن الدائرة السياسية التي كانت تحيط بالرئيس.
القصة هنا ليست عن "علاقة محتملة" بين الأسد وموظفة. القصة أعمق بكثير.
إنها تكشف هشاشة الدائرة المقرّبة من الأسد. فوجود موظفات شابات مثل شهرزاد وهديل العلي داخل "غرفة الرسائل السرية" كان مؤشراً على انهيار بنية المؤسسات التقليدية، وعلى شخصنة السلطة إلى حد تصبح فيه اللغة العاطفية جزءاً من آلية عمل الدولة.
كما كشفت القصة سرعة تحوّل الولاءات إلى أدوات للإقصاء، كما في صراع شهرزاد ــ لونا الشبل.
في قلب العاصفة
تخبرنا قصة شهرزاد عن النظام السوري ما لا تخبرنا إياه التقارير الأمنية: أن القيادة كانت محاطة بأشخاص يبحثون عن التقدير والولاء الشخصي، لا عن المصلحة العامة.
وأن إدارة الأزمة كانت تجري عبر بريد إلكتروني بسيط، لا عبر غرفة عمليات مركزية. وأن الدائرة الضيقة كانت متنافرة، مليئة بالتنافس والغيرة والإقصاء. وأن الرئيس كان يتصرّف داخل فقاعة من الرسائل المصممة خصيصاً لتجميل صورته.
وفي النهاية، تدفع شهرزاد ــ مثل كثيرين غيرها ــ ثمن القرب من السلطة. فالسلطة في الأنظمة المغلقة لا تحمي أحداً… لكنها تستخدم الجميع.
هل كانت شهرزاد عاشقة؟ أم متملّقة؟ أم موظفة تحاول النجاة؟ أم شابة وجدت نفسها فجأة داخل أخطر دائرة في البلاد؟
الاحتمالات كلّها واردة. لكن ما نعرفه هو التالي: أن اسمها ظهر في لحظة تاريخية شديدة السواد. وأن رسائلها كشفت جانباً إنسانياً ــ سلوكياً من آليات السلطة في دمشق. وأن النظام الذي استخدمها لم يكن مستعداً لحمايتها عندما تحوّلت إلى عبء. وأن قصتها ليست فضيحة شخصية؛ بل نافذة على طبيعة القوة في نظام يقوم على الولاء لا على المؤسسات.
إنها ــ بالمعنى الأعمق ــ ليست "قصّة شهرزاد"؛ بل قصّة سوريا كما ظهرت من داخل بريد الرئيس الإلكتروني.
