تجد السلطة الفلسطينية نفسها، في أعقاب ترتيب اليوم التالي بعد حرب الإبادة على غزة، أمام اختبار وجودي غير مسبوق، كشف بوضوح عن هشاشة بنيتها وسقوط وعود "الحل السياسي" التي بنت عليها شرعيتها. إن الأزمة الراهنة ليست مجرد تحدٍ سياسي أو مالي عابر؛ بل هي خطر "فشل نظامي" يهدد بزوال كيان السُلطة الذي تأسس في العام 1993، وهو ما ينذر بفراغ أمني وسياسي كارثي في الضفة الغربية المحتلة، كما أن الفشل في تقديم استجابة وطنية موحدة وفاعلة تتعاطى مع الإبادة في غزة، مع عزلة السلطة شبه التامة عن الإرادة الشعبية، يؤكد غياب قيادة فلسطينية قادرة على التكيف أو التأثير في مخرجات الواقع الفلسطيني الجديد.
سقوط مشروع أوسلو
لم يبدأ تآكل السلطة الفلسطينية اليوم، بل منذ اللحظة التي بدأ فيها مشروع أوسلو يتكشف كإطار عاجز عن حمل فكرة الدولة أصلاً. كان واضحاً، أن المعادلة مختلّة منذ البداية: إسرائيل التي لا تؤمن بدولة فلسطينية، ومفاوضات تُدار تحت سقف التفوق العسكري والاقتصادي للاحتلال، فما قاله إدوارد سعيد أو رشيد الخالدي وغيرهما من المفكرين الفلسطينيين لم يكن نبوءة متشائمة؛ بل قراءة مبكرة لبنية مشروع يستحيل أن ينتج عدلاً أو استقلالاً.
ومع مرور الزمن، لم يكن التوسع الاستيطاني أو تعطيل ملفات الحل النهائي مجرد عراقيل تقنية؛ بل أدوات لجرّ السلطة من خانة "مشروع تحرر/ استقلال وطني" إلى خانة "الإدارة الوكيل"، جهازاً أمنياً ومالياً يدير حياة الفلسطينيين تحت سطوة الاحتلال بدلاً من أن يفاوض على إنهائه. هذا التحول لم يكن صدفة، بل نتيجة استراتيجية إسرائيلية متعمدة تقوم على الاحتواء مع الإضعاف، والإبقاء على تبعية السلطة اقتصادياً وأمنياً، بحيث تصبح عاجزة عن ابتكار أي أفق سياسي خارج ما يسمح به الاحتلال.
واليوم، مع حكومة يمينية هي الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، تتعرّى النيات بلا مواربة: ضم فعلي للضفة، عبر الاستيطان، والحواجز الأمنية، والاقتحامات اليومية، وتفكيك عمل السلطة وليس مجرد إضعافها كما كان من قبل، كما أن الرفض الإسرائيلي القاطع لعودة السلطة إلى غزة ليس تفصيلاً تقنياً، بل إعلان عملي عن نهاية إمكانية وجود قيادة فلسطينية موحدة أو مشروع سياسي جامع، وكأن إسرائيل تقول بصراحة: لا دولة، ولا سلطة، ولا حتى وهم وحدة جغرافية أو سياسية.
أيضاً، لا يمكن فهم مأزق السلطة الفلسطينية اليوم دون التوقف عند شللها المالي المزمن، الذي لم يعد مجرد أزمة ظرفية، بل جزءاً من بنيتها نفسها. فمنذ تأسيسها، قامت السلطة على نموذج اقتصادي شديد الهشاشة، يعتمد بشكل شبه كامل على أموال ليست في متناولها أصلاً: ضرائب تجبيها إسرائيل وتتحكم في تحويلها، وتشكل ما يقارب ثلثي موازنتها، إلى جانب مساعدات غربية تتأثر — بطريقة أو بأخرى — بالإرادة السياسية الإسرائيلية. بكلمات أخرى، تم تصميم السلطة بحيث تبقى رهينة، مكتوفة مالياً، وسهلة الابتزاز في كل لحظة.
ولم يكن ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر سوى لحظة كشف إضافية لهذه البنية المختلّة. فمع الاقتطاعات الإسرائيلية الجديدة المرتبطة بقطاع غزة، خسرت السلطة ما يقرب من 70% من إيرادات المقاصة، الأمر الذي فجّر فجوة مالية غير مسبوقة. وبحسب تقديرات البنك الدولي، بلغ العجز في عام 2024 نحو 1.86 مليار دولار؛ أي أكثر من ضعف العام السابق، في مؤشر على اقتراب نموذج السلطة من ما يشبه "الفشل الجهازي" في أداء أبسط وظائفه.
هذه ليست أرقاماً فقط؛ إنها تعبير عن لحظة سياسية تمثل سلطة عاجزة عن دفع رواتب موظفيها أو تقديم خدمات أساسية، في مجتمع يعيش تحت استعمار استيطاني عسكري مباشر. هنا، يصبح الشعور الشعبي بأن السلطة عبء — لا رافعة — شعوراً طبيعياً، بل متوقعاً. وحين تتراجع شرعية المؤسسات، ويتآكل حضورها الفعلي في حياة الناس، يزداد الميل إلى العودة إلى منطق المقاومة، بشكل لا مركزي، كبديل عن سلطة لم تعد قادرة على إدارة يوميات الفلسطينيين، فضلاً عن الدفاع عن مشروعهم الوطني في الخلاص من الاحتلال.
تآكل الشرعية الداخلية وديناميكيات "اليوم التالي"
لا يمكن فصل الانهيار المالي والإداري الذي تعيشه السلطة الفلسطينية عن أزمة الشرعية التي تتسع كل يوم؛ بل إن أحدهما يغذي الآخر في حلقة تآكل متواصلة. فاستطلاعات الرأي التي تلت حرب غزة لم تُظهر مجرد تراجع في الثقة، بل كشفت انهياراً كاملاً في العقد السياسي بين السلطة والشارع: ما بين 75% و83% من الفلسطينيين يطالبون برحيل الرئيس محمود عباس، ونحو 80% يرون أن مؤسسات السلطة غارقة في الفساد. هذه ليست نسباً؛ بل إعلان شعبي صريح بأن السلطة — على صورتها الحالية — لم تعد تمثلهم.
في هذا الفراغ، لم تعد الشرعية تُمنح للسلطة بوصفها قيادة سياسية، بل انتقلت إلى المقاومة التي أصبحت، في عين الفلسطيني العادي، الفاعل الوحيد الذي يحتفظ بقدر من الفاعلية والكرامة. حرب غزة لم تُنتج هذا التحول لكنها جعلته مرئياً بوضوح غير مسبوق: ارتفاع ملحوظ في التأييد للمقاومة، واقتناع واسع — لدى 80% من الفلسطينيين — بأن الهجوم أعاد قضيتهم إلى مركز الاهتمام العالمي. بهذا المعنى، تبدو غزة وكأنها المرآة التي عكست هشاشة البنية السياسية في الضفة، وجعلت فلسطيني الضفة لا غزة يعيدون تعريف مصدر الشرعية: ليست في المكاتب، بل في الفعل؛ وليست في النظام القائم، بل في مشروع مقاوم يشعرون أنه ما زال قادراً على تحريك التاريخ، ولو قليلاً.
كذلك، لا يقتصر تآكل السلطة الفلسطينية على فقدانها الشرعية أو قدرتها المالية، بل يمتد ليشمل أحد أعمدة وجودها: السيطرة الأمنية. فالمشهد الذي يتكشف اليوم في الضفة الغربية يعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة العمل المقاوم، من التنظيمات الهرمية التقليدية إلى مجموعات محلية صغيرة، لا مركزية، وسريعة الحركة، مثل كتيبة جنين وعرين الأسود. هذه المجموعات لا تطرح نفسها فقط كقوة مقاومة، بل كبديل واقعي للقيادة السياسية والأمنية التقليدية التي فقدت ثقة الشارع وقدرتها على فرض أي حضور فعلي.
وقد أدى صعود هذه المجموعات إلى تراجع ملموس في نفوذ أجهزة الأمن الفلسطينية، خصوصاً في المخيمات ومراكز التوتر، حيث لم تعد السلطة قادرة حتى على الادعاء بأنها تحتكر القوة. فاقتحامات الاحتلال المتكررة لمناطق "أ" — والتي يفترض أنها مناطق سيادة أمنية فلسطينية — تجري بلا أي اعتبار، فيما يفرض المستوطنون وقائع يومية بالعنف والترهيب. في هذه البيئة، يصبح تمدد المقاومة المحلية رد فعل نفسي/ اجتماعي قبل أن يكون قراراً تنظيمياً، ما يفتح الباب أمام احتمال انتفاضة جديدة، في وجه السُلطة والاحتلال، تتشكل من تداخل الغضب الشعبي مع الوعي الوطني المقاوم.
وفي الوقت نفسه، تتشابك هذه الأزمة الداخلية مع معضلات جيوسياسية لا تقل تعقيداً. فخطة "اليوم التالي" الذي اعتمدها مجلس الأمن، بطرح من الولايات المتحدة، تراهن على إعادة تأهيل السلطة — مالياً وسياسياً وأمنياً — كي تتولى إدارة غزة لاحقاً، وصولاً إلى ما يسمونه، عودة إلى أوسلو، "مساراً ذا مصداقية للدولة الفلسطينية". لكن، هذا التصور يصطدم بجدار صلب اسمه بنيامين نتنياهو، ومن ورائه العقلية الصهيونية، والتي ترفض بشكل علني عودة السلطة إلى غزة، ليس فقط كخيار سياسي، بل كمبدأ استراتيجي في رؤيته لإدامة السيطرة الإسرائيلية. وهكذا تجد السلطة نفسها محاصرة بين ضغط دولي يريد إحياءها، على مزاج أميركي/إسرائيلي، وواقع إسرائيلي عنيف، يُهدد ويعمل على نزع ما تبقى من وظيفتها، وشارع فلسطيني لم يعد يرى فيها أداة لتحقيق تطلعاته. وأيضاً، أنظمة عربية لم تعد تثق في مساراتها وقياداتها، بل كانت ستُقيم مؤتمرات وقف الحرب بدون ممثلها محمود عباس.
خاتمة
تكشف الجهود الدولية الحالية عن محاولة لفرض "حل إداري وأمني" على أزمة جوهرها سياسي، وهو ما يضع مستقبل السلطة الفلسطينية بين خيارين أحلاهما مرّ: الأول هو استمرار حالة الجمود الهش، حيث تبقى السلطة كياناً إدارياً-أمنياً ضعيفاً يفتقر إلى الشرعية والموارد، ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى إبقائها "حية لكنها عاجزة" — مع قابلية هذا الواقع للانفجار في أي لحظة.
أما الخيار الثاني، فهو التفكيك الإسرائيلي الكامل، الذي قد يعيد الاحتلال المباشر للضفة ويُدخل المنطقة في فراغ أمني وفوضى مسلحة، وهو سيناريو حذّرت منه حتى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسها. ولهذا، فإن الخروج من المأزق يتطلّب ما هو أبعد من الدعم المالي أو "الإصلاح التقني": يحتاج إلى اعتراف دولي بأن السلطة وصلت إلى مستوى من التآكل يجعل استمرارها بصورتها الحالية ضرباً من إدارة الانهيار.
لكن، ربما يوجد مسار ثالث للانفلات من الجمود والانهيار، وهو العمل على إعادة بناء شرعية سياسية حقيقية عبر إطار وطني جامع ومؤقت يمهّد لانتخابات شاملة، ومحاولة فكّ ارتهان السلطة المالي لإسرائيل عبر آليات دعم مستقلة، لأن اختزال القضية الفلسطينية في بُعد أمني وإداري مع تجاهل الاحتلال وغياب الأفق السياسي لا يمكن إلا أن يعمّق الاحتقان ويدفع نحو انفجار مقاومة لا مركزية يصعب على أي طرف السيطرة عليه.
