في الصين، لا شيء يحدث صدفة. كل حركة محسوبة، وكل صمت مدروس. ومع ذلك، في شباط/فبراير 2023، وقع ما لم يكن في الحسبان، بالون أبيض يتهادى فوق سماء ولاية مونتانا الأميركية. حادثة عابرة في نظر العالم، لكنها في عقل الرئيس الصيني شي جينبينغ كانت زلزالا في أساسات سلطته. واشنطن قالت إنه بالون تجسس، والرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن، لمّح إلى أن الرئيس شي لم يكن على علم بالبالون. ذلك وحده كاف لإشعال شك قاتل في نظام لا يحتمل المفاجآت.
فلو أن الجيش الصيني يطلق بالونات دون إذن، فمن يضمن ألا يطلق الصواريخ غداً من دون أمر؟ هنا ولدت الفكرة، الخطر لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. منذ تلك اللحظة، بدأ الرئيس شي حرباً صامتة على جيشه، حرباً عنوانها المعلن "مكافحة الفساد"، وحقيقتها الخوف من انقلاب لم يحدث بعد.
الضربة الأولى.. اقتلاع قوة الصواريخ
صيف 2023 كان بداية المعركة. فجأة اختفى قادة "قوّة الصواريخ"، القوة التي تمسك بأزرار الردع النووي الصيني. لا بيانات ولا محاكمات، فقط غياب غامض ثم تعيين ضابط من البحرية في موقع القيادة. في التقاليد العسكرية الصينية، هذا بمثابة هزّ العمود الفقري للمؤسسة.
كانت الرسالة واضحة، لا أحد فوق الشبهات. قوة الصواريخ، التي يراها العالم درع الصين النووي، رآها شي حصناً مغلقاً لا يخضع كلياً لسيطرته. فقرر تفكيكها قبل أن تفكك ولاءها له. الفساد كان الذريعة، لكن الهدف الحقيقي كان تدمير أي نواة للولاء المزدوج داخل الجيش الصيني.
الجدير ذكره، أنه لم تتم ترقية أي أعضاء جدد من جيش التحرير الشعبي الصيني إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني. وهذا يشير إلى أن جيش التحرير الشعبي الصيني، قد تم تخفيض رتبته. ويبدو أن جيش التحرير الشعبي الصيني بأكمله يقع تحت الشك.
وزراء دفاع يتساقطون
في تشرين الأول/أكتوبر 2023، اختفى وزير الدفاع لي شانغفو، ثم أُقيل بصمت. بقي المنصب شاغراً إلى أن عُيّن الأدميرال دونغ جون في كانون الأول/ديسمبر، رجل من البحرية يقال إن ولاءه مضمون. بدا أن الأزمة انتهت، لكنها كانت بداية فصل جديد من الرعب. بعد عام، بدأت التسريبات تتحدث عن تحقيقات تطاول الوزير الجديد نفسه.
وزيران للدفاع يسقطان في عام واحد، مشهد غير مسبوق في الصين الحديثة. لم يكن المقصود التطهير الإداري، بل ترسيخ مبدأ واحد، الجيش لا يتبع وزارة، بل رجلاً واحداً. كل ما بين القائد الأعلى للقوات المسلحة الصينية والميدان، أصبح قابلاً للإزالة.
حين يراقب الحارس نفسه
في حزيران/يونيو 2025، دخل التطهير إلى قلب النظام. أُقيل الأدميرال مياو هوا، رئيس الإدارة السياسية في اللجنة العسكرية المركزية للحزب الشيوعي الصيني، وهو المكلف أساساً بمراقبة ولاء الجيش للحزب. وبعد أشهر، سقط رأس أكبر، الجنرال هي ويدونغ، نائب رئيس اللجنة العسكرية ونائب القائد الأعلى، الرجل الثاني في الصين عسكرياً بعد الرئيس شي.
كان ذلك اعترافاً غير مباشر بأن الخطر لا يسكن القواعد، بل القيادة نفسها. حين يصبح الرقيب متهماً، يعني ذلك أن النظام بدأ يشك في ظله. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد هناك أحد في المؤسسة العسكرية يمكنه أن ينام مطمئناً.
لماذا لم يقاوم أحد؟
في أنظمة أخرى، كانت مثل هذه المذبحة كفيلة بإشعال تمرد. لكن الجيش الصيني صمت. فالإصلاحات التي أجراها الرئيس شي بين عامي 2015 و2016 كانت قد نزعت من المؤسسة العسكرية أي قدرة على التجمع أو المقاومة.
ألغى الرئيس شي المناطق العسكرية القديمة، وقسّم البلاد إلى خمس قيادات إقليمية لا يملك أي منها السيطرة الكاملة على القوات. أضاف إلى كل وحدة مفوضاً سياسياً يرفع تقاريره مباشرة إلى الحزب. هكذا صار الجيش الصيني آلة منقسمة على نفسها، تراقب ذاتها وتخاف ذاتها.
الفساد.. الوجه القانوني للخوف
الفساد في الصين حقيقي، لكنه في الجيش يتحول إلى أداة لتطهير سياسي. تُستخدم التهمة كغطاء قانوني لإزالة كل من يشك الزعيم في إخلاصه. فحين يقال إن جنرالاً "فاسد"، يمكن عزله بلا تهمة "الخيانة"، ويمكن تبرير إعدامه أخلاقياً.
الخوف كعقيدة حكم
خوف الرئيس شي من انقلاب عسكري ليس وهماً. في بنية النظام الصيني، الجيش وحده يملك القدرة على تهديد الزعيم. لا برلمان ولا إعلام ولا قضاء يستطيع ذلك. ولذلك أصبح الخطر الوحيد الذي يخيفه هو الخطر الذي صنعه بنفسه، قوة هائلة قد تنقلب إن لم تُروض.
نتيجة هذه الحملة أصبح جيش الصين أكثر ولاءً، لكنه أقل فعالية. الانضباط فيه حديدي، لكن المبادرة مشلولة. قوة الصواريخ تعيش فراغاً قيادياً، ووزارة الدفاع تحولت إلى مقعد متحرك. الجنرالات لا يثقون ببعضهم، والضباط يخافون من ظلهم.
يشبه ما يفعله الرئيس شي، ما فعله الرئي السوفياتي جوزف ستالين قبل قرن تقريباً، حين طهّر الجيش الأحمر خوفاً من انقلاب قبيل الحرب العالمية.
الظل الذي لا ينام
بدأ كل شيء ببالون ضائع في السماء، وانتهى بظل ثقيل يخيم على القصر الأحمر في بكين. الرئيس شي جينبينغ ربح معركة الولاء، لكنه قد يكون خسر معركة الثقة. أطاح شبح الانقلاب، لكنه لم يلغِ خوفه منه.
فالجنرالات، وإن صمتوا، لا ينامون. والزعيم الذي لا يثق بجيشه، يعيش محاطاً بجيش لا يثق به. هكذا تبدو الصين اليوم، إمبراطورية تزداد قوة في الخارج، وتزداد هشاشة في داخلها. قوة تسير بخطى ثابتة على الأرض، لكنها تنظر دائماً إلى السماء… تخاف أن ترى فيها بالوناً آخر.
