بعد عام بالتمام والكمال على سقوط نظام الأسد، لا يزال ما شهدته أقبية السجون السورية تُلقي بظلالها الثقيلة على الحاضر والمستقبل.
ففي الوقت الذي تتجهز فيه خطط إعادة إعمار وطنٍ منهك، تبقى آلاف العائلات عالقة في حلقة لا تنتهي من الانتظار والبحث، بينما يُخفي الغياب الرسمي لأي سجلات موثوقة مصير أكثر من 160 ألف شخص مخفيين قسراً، بحسب أحدث توثيق للشبكة السورية لحقوق الإنسان بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيل النظام السابق.
الفراغ المرعب
وفي الأسابيع الأولى بعد انهيار أجهزة الأمن المركزي، دخلت فرق من المنظمات المحلية والدولية إلى مجمعات الاعتقال، حيث وثّقت تلك الزيارات ما وُصف بـ"الفراغ المرعب": زنازين فارغة، سجلات محروقة، وأوراق رسمية ممزّقة. لم تُترك أدلة واضحة على مصير آلاف المعتقلين، في حين أن بعض السجون أفرغت فجأة، وبعضها أغلق دون إشعار، وبعض الملفات أحرقت في ساعات معدودة قبل سقوط المقرات.
ومنذ منتصف 2024، بدأت فرق الطب الشرعي السورية، بدعم من خبراء دوليين، في فتح مقابر جماعية في ريف دمشق وحمص ودير الزور، إذ عُثر في بعضها على رفات تحمل آثار تعذيب، وبعض الجثث لا تزال مكبلة، لكن عمليات التوثيق تواجه عراقيل جوهرية: نقص في الموارد، عدم وجود سجلات طبية موحدة، وانعدام القدرة على مطابقة الحمض النووي بسبب غياب بنية تحتية وطنية لتحليل العينات.
عدم تكرار الإرث
وفي هذا الصدد، قال الدكتور محمود أسود، عضو الفريق الاستشاري للهيئة الوطنية للمفقودين، في حديث لـ "المدن": "إن معالجة إرث السجون وثقافة الاختفاء القسري هي مسؤولية أساسية تقع على عاتق هيئة العدالة الانتقالية، بينما تضطلع هيئة المفقودين بدور مكمل في هذا المجال، باعتبارها جزءاً من نطاق عمل العدالة الانتقالية، إذ يجب أن تتركز الجهود على ضمان عدم تكرار هذا الإرث، عبر إصلاح مؤسسي شامل يشمل إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية ومؤسسات القضاء، بحيث لا تتم عمليات الاعتقال أو الاحتجاز إلا بناءً على أدلة واضحة، وقرار قضائي، وقرار من النيابة العامة، وليس بشكل عشوائي أو تعسفي".
وتابع: "نؤكد أن الضمانة الأهم لمنع العودة إلى الماضي تكمن في وجود دولة مؤسسية تتعاون بشكل عضوي مع مجتمع مدني قوي، في تناغم وتناسق وليس في عداء أو قطيعة، فالتوازن بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني هو الذي يولّد الاستقرار الحقيقي ويحمي الحقوق".
ولفت إلى أن المجتمع الدولي مدعوٌ لأن يكون شريكاً داعماً، لا بديلاً، في هذه العملية، فهو مطالب بتقديم الدعم المالي والتقني النوعي، وتجنّب تشتت الجهود أو تكريس مسارات متوازية تضعف الأثر، فملف المفقودين، على وجه الخصوص، يحتاج إلى خبرات دولية متقدمة في مجالات متعددة: من كشف المقابر الجماعية، إلى استخدام صور الأقمار الإصطناعية، وعلم الأنثروبولوجيا الجنائية، وتقنيات التعرّف على الهوية عبر الحمض النووي، وكل هذه الأدوات تتطلب موارد مالية كبيرة، ولا يمكن الاعتماد عليها دون شراكة دولية جادة ومُوجهة نحو تحقيق العدالة والإنصاف، لا فقط جمع المعلومات".
لا عدالة دون الحقيقة
ما يضيف طبقةً أخرى من التعقيد هو غياب التصنيف الدقيق: هل هؤلاء المفقودون لا يزالون على قيد الحياة في سجون غير معلنة؟ أم أعدموا ودفنوا سراً؟ أم نقلوا إلى خارج سوريا؟
ورغم كل هذا، لم تصمت أصوات ذوي المفقودين، في ساحات حمص وحلب واللاذقية، تُنظم وقفات أسبوعية تحت شعار "لا عدالة من دون كشف الحقيقة"، مطالبة بـ: "فتح تحقيق مستقل بمشاركة دولية، تفعيل آلية وطنية لتوثيق المقابر الجماعية، منح عائلات المفقودين حق الوصول إلى أي معلومة، حتى لو كانت جزئية، تخصيص ميزانية طارئة لبرنامج وطني للحمض النووي".
وحسب الدكتور أسود، فإنه في السابق، كانت آليات جمع البيانات مبعثرة، وكل جهة تعمل بشكل منفرد، من دون وجود مظلة مؤسسية قوية توحّد الجهود وتُنظّم العمل، واليوم، تتيح هذه المظلة فرصة حقيقية لدمج البيانات، وإزالة التكرارات، وتخفيف العبء عن الأهالي، خصوصاً من حيث تقليل المقابلات المتكررة التي تعيد إنتاج الصدمة بشكل دائم، فالأهالي، في معظم الأحيان، لا يدركون حجم التكرار في عمليات التوثيق، لأن تركيزهم منصب فقط على البحث عن أحبّتهم، ولهذا، فإن جزءاً أساسياً من عملنا يكمن في نشر الوعي بينهم حول أهمية تجنب التكرار، وفي الوقت نفسه، تنسيق العمل بين الجهات الفاعلة لمنع هذا التكرار من جذوره.
التحقيقات الجنائية
وبالرغم من أهمية جمع البيانات، فإنها تبقى مرحلة تمهيدية نسبياً، وقد تكون الأسهل مقارنة بالمرحلة الأصعب: وهي مرحلة التحقق والتحقيقات الجنائية، فالمطلوب ليس فقط تسجيل المعلومات، بل ربطها بسياقات محددة: كيف حصل الاختفاء؟ وما طريقة القتل أو التعذيب؟ وأين دُفن الشخص؟ وكيف يمكن ضمان أن الرفات التي عثر عليها عليها تعود فعلاً إلى المفقود المحدّد؟ هذه العملية طويلة ومعقدة، وتستدعي خبرات تقنية وعلمية عالية، بالإضافة إلى تمويل مالي كبير، وهي في النهاية تمهّد لدعم العوائل، وجبر الضرر، والحفاظ على الذاكرة الجماعية كجزء من مسؤولية تاريخية وأخلاقية، وفق أسود.
ويبقى السؤال الأصعب: هل يمكن لسوريا أن تبني دولة عادلة، وهي ما زالت تحمل في جوفها أكثر من مئة ألف جثة مجهولة، وأكثر من مئة ألف أسرة تعيش في حالة "حداد مفتوح"؟
ويؤكد حقوقيون على أن العدالة الانتقالية ليست رفاهية أخلاقية، بل هي شرط بقاء، وبالتالي من دون كشف الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، سنزرع بذور أزمات جديدة تحت رماد الماضي، وفق وصفهم.
ازدواجية وتكرار
من جهته، قال المحامي علي عبد الحميد الزير، المختص بالعدالة الانتقالية في حديث لـ "المدن"، إنه بالرغم من جميع الجهود التي قامت بها المنظمات الأممية والدولية والسورية وروابط عائلات المفقودين والمغيبين قسراً وروابط الناجين بهدف إيجاد حلول لقضايا المفقودين وللمغيبين قسراً إلا أن جميع هذه الجهود لم تنجح حتى الآن بإحراز أي تقدم يذكر".
وتابع: "إلى الآن لا يوجد رقم دقيق حول عدد المفقودين في سوريا، وذلك بسبب الازدواجية والتكرار الناجم عن عدم التنسيق وعدم التكامل بين جميع الجهات التي تعمل على هذه القضية، ولذلك من المهم جداً القيام بإحداث المستودع المركزي للمعلومات تحفظ فيه كافة الوثائق التي تم جمعها وإلزام جميع الجهات التي تملك توثيقات عن المفقودين بإيداعها في هذا المستودع، مما يسهل عملية التدقيق والإحصاء لعدد المفقودين ويحمي المعلومات والأدلة من العبث والتدمير و البدء في تحليل الوثائق التي تم العثور عليها في أماكن الاحتجاز في سوريا، حيث من المتوقع أن تقدم الكثير من الإجابات حول مصير المعتقلين".
وأشار إلى أهمية تشكيل مجموعات عمل وطنية بالشراكة بين الهيئة الوطنية للمفقودين ومنظمات المجتمع المدني وروابط أسر الضحايا، تسعى لمعالجة قضية المعتقلين والمفقودين في سوريا بطريق تضمن حق الأسر في كشف الحقيقة ومحاسبة المجرمين، لقطع الطريق على عمليات العبث في ملف المعتقلين والمتاجرة به.
كسر إرادة الشعب
وتحدث الزير عن أهمية تطوير برامج تلفزيونية وإذاعية تقدم للأسر وللمجتمع شرحاً وافياً عن الاستراتيجية المعتمدة في معالجة قضية المفقودين، وكذلك تقدم تحديثاً دورياً حول الخطوات المتخذة والنتائج التي تم الوصل إليها والعقبات التي تواجهها، إذ سيؤدي ذلك بالضرورة إلى خلق جهة مركزية وموثوقة تقدم المعلومات بدلاً من تلقي المعلومات من جهات متعددة قد تكون مضللة أو غير مكتملة.
لقد استخدم الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري في سوريا كسلاح لكسر إرادة الشعب السوري على مدى عقود طويلة من القمع، ولا تزال الآثار الناجمة عن ذلك حاضر في عقل وقلب السوريين لذلك لا بد من معالجة هذه الآثار السلبية السابقة والبدء بعملية إصلاح شاملة لنظام السجون في سوريا يرافقها بالتوازي إصلاح الجهاز القضائي.
وأشار الزير إلى عدد من المقترحات للقيام بذلك:
-
يجب ألا يكون هناك أماكن احتجاز سرية أو غير معلنة وتكون جميع السجون خاضعة للرقابة وتحت سلطة القضاء.
-
أن تتاح إمكانية الوصول الكامل وغير المحدود إلى جميع أماكن الاحتجاز أو السجون أمام المراقبين المستقلين الذين يقومون بزيارات متكررة وغير معلنة.
-
تفعيل آليات المراقبة الداخلية والخارجية، يجب تطبيق جميع المعايير والمتطلبات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري ومعايير الأمم المتحدة الدنيا لمعاملة السجناء.
-
أن تكون هناك مراكز تنسيق بين السجون والمحاكم للاطلاع على آخر التحديثات المتعلقة ببيانات السجناء.
وأكد على أن تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا وتقديم الدعم الشامل للضحايا يمثل ضرورة أخلاقية وقانونية وسياسية لتحقيق مستقبل مستدام في سوريا، في حين يتطلب ذلك تضافر جهود جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك السوريين أنفسهم والمجتمع الدولي، لضمان محاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، ومنع تكرار الفظائع، وبناء مجتمع يسوده السلام والعدل.
ويرى محللون، أن ثقافة الإخفاء القسري لم تُدمّر الأفراد فحسب، بل دمّرت فكرة "العقد الاجتماعي" نفسه، فالدولة التي تختفي فيها أشخاص دون مذكرة اعتقال، ولا تحقيق، ولا حتى إشعارٍ للعائلة، هي دولة تُعلّم أبناءها أن القانون لا قيمة له، وأن السلطة هي فقط ما يحميه السلاح أو الواسطة، ولذلك فإن أي محاولة لبناء مؤسسات بعد الأسد، من دون معالجة جذرية لهذا الإرث، ستبقى عُرضةً للانتكاس، فالاستقرار السياسي لا يُبنى على "نسيان مؤقت"، بل على اعتراف جماعي بالجرح، وآلية مُعلَنة لمنع تكراره.
