قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إن السلطات الانتقالية السورية اتخذت خطوات إيجابية في مجال العدالة والشفافية والحقوق، لكنها تقاعست عن منع استمرار العنف والفظائع.
إصلاح الأمن والمحاسبة
وأضافت المنظمة في تقرير بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، أن على السلطات السورية المضي بالبلاد قدماً، وأن تعالج بصدق، وبدعم دولي، المخاوف العالقة بشأن إصلاح قطاع الأمن، والمساءلة، على أن تشمل جميع الفئات.
وأشارت إلى أن السلطات الانتقالية اعتمدت إعلاناً دستورياً جديداً، وأجرت انتخابات برلمانية غير مباشرة، واتخذت خطوات أولية لضمان المساءلة عن انتهاكات النظام المخلوع، لكن المنظمة اعتبرت أن هذه الخطوات الإيجابية "شوهها وقوضها التقاعس المتكرر عن منع ارتكاب فظائع واسعة، ارتكُب العديد منها على يد القوات الحكومية".
وقال نائب مديرة الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش" آدم كوغل، إن "نهاية حكم الأسد خلقت فرصة غير مسبوقة للسوريين لكسر عقود من الاستبداد وبناء بلد يحترم الحقوق، إلا أنه هناك مؤشرات متزايدة بعد مرور عام، أن هذه الفرصة آخذة بالتقلص".
وأضاف "ينبغي ألا يُترجَم ارتياح العالم لانتهاء الرعب الذي فرضه الأسد، إلى منح السلطات الحالية تفويض مطلق لارتكاب الانتهاكات. بدلا من ذلك، على المجتمع الدولي العمل مع السلطات السورية لترسيخ واقع تكون فيه حقوق جميع السوريين هي الأولوية".
جرائم حرب
ولفت التقرير إلى أن المنظمة وثّقت انتهاكات ارتكبتها القوات الحكومية والجماعات التابعة لها، "ترقى إلى جرائم حرب في الساحل والسويداء"، مضيفةً أن هناك تقارير موثوقة تفيد بأن الحكومة لا تمنع الانتهاكات ضد الأقليات في سوريا من قبل جماعات متعاطفة مع الحكومة الحالية.
وحذّرت "هيومن رايتس ووتش" من أن عجز السلطات السورية الحالية عن كبح جماح هذه الانتهاكات، ومحاسبة مرتكبيها بشكل حقيقي، أو عدم رغبتها في ذلك، "يقوّض الثقة في قدرتها على حفظ السلم والأمن وحماية الحقوق".
وأكدت أن دمج مختلف الفصائل المسلحة في قوات الجيش والأمن السورية الرسمية، دون فحص دقيق، أدى إلى إتاحة الفرصة لارتكاب انتهاكات وغياب الانضباط.
وفيما أشادت بالتزام السلطات السورية بالتحقيق في "الفظائع" المرتكبة في الساحل والسويداء، أكدت وجود مخاوف بشأن قدرتها على إجراء تحقيقات موثوقة ومحاسبة كبار المسؤولين، إضافة لوجود ثغرات كبيرة في إطار العدالة الجنائية في سوريا، "لا يمكن التغاضي عنها في المحاكمات الجارية، تشمل غياب المساءلة عن مسؤولية القيادة".
المفقودون والعدالة الانتقالية
وقالت المنظمة إن السلطات السورية اتخذت خطوات مهمة للمساءلة عن الانتهاكات السابقة، بينها إنشاء "الهيئة الوطنية للمفقودين" لتحديد مصير آلاف المفقودين والمخفيين، لكن الضحايا، وأفراد أسر المخفيين، "يشعرون بالإحباط بسبب غياب السبل المؤسسية للتعامل مع الهيئة وانعدام الشفافية بشأن عملياتها".
وأشارت إلى أن الإخفاءات القسرية والاعتقالات التعسفية كانت من أساسيات استراتيجية الحكومة السابقة، إضافة إلى قيام جهات أخرى، منها هيئة تحرير الشام و"داعش"، باختطاف العديد من السوريين وإخفائهم.
وحمّلت المنظمة، السلطات السورية المسؤولية الأساسية عن تحديد مصير المفقودين، داعيةً أياها إلى التعامل مع مؤسسات دولية مختصة في البحث عن المفقودين، والاستفادة الكاملة من هذه الخبرة.
وبشأن تشكيل "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"، أوضح التقرير أن ولايتها تقتصر على الجرائم التي ارتكبها النظام المخلوع، مضيفةً أن الطابع الأحادي الجانب للهيئة، وعدم وضوح أولوياتها، أدى إلى إعراب المراقبين عن إحباطهم، خصوصاً وأن التطورات على الأرض تعزز الحاجة الملحة إلى إطار شامل للعدالة الانتقالية.
وشددت على أن عملية العدالة الشاملة تتطلب "إصلاحات قضائية ومؤسسية محلية تضمن استقلالية عمليات المساءلة، وتضمن امتثال النظام القضائي وجميع المؤسسات الحكومية ذات الصلة لمعايير حقوق الإنسان والمحاكمة العادلة، ومواءمة التشريعات الرئيسية مع القانون الدولي".
وبخصوص الانتقال السياسي، أكدت أن التدابير التي اتخذتها السلطات السورية "لا تكفي لضمان حقوق المشاركة العادلة والمناسبة للسوريين في الشؤون السياسية"، مشددةً على حق السوريين بقيادة عملية الانتقال في البلاد.
ووجدت المنظمة أن الإعلان الدستوري يفتقر إلى الضوابط اللازمة لحماية استقلال القضاء والحق في المشاركة السياسية، كما أنه عزز سيطرة السلطة التنفيذية على فروع الحكومة الأخرى، بطريقة تشمل السماح للرئيس بتعيين ثلث أعضاء "مجلس الشعب"، وهو الهيئة التشريعية الرئيسية في سوريا، وجميع أعضاء "المحكمة الدستورية العليا"، أعلى محكمة في البلاد، موضحةً أن الفترات الانتقالية قد تتطلب تدابير استثنائية مؤقتة، إلا أنه ينبغي ألا تكون على حساب الحقوق الأساسية.
