كشفت شهادات قدمها ضباط كبار في جيش الاحتلال للجنة "تورجمان"، التي فحصت خلال الأشهر الأخيرة جودة التحقيقات بشأن إخفاق السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، عن وجود خطط إسرائيلية لاغتيال قائدي "حماس" في غزة، يحيى السنوار ومحمد الضيف، وشنّ عملية واسعة ضد القطاع قبل عملية "طوفان الأقصى"، إلا أن تلك الخطط لم تُنفذ رغم توصيات واضحة من ضباط بارزين.
وبحسب ما نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن قيادة المنطقة الجنوبية بلورت خططاً عملياتية لاغتيال السنوار والضيف، لكنها لم تُنفذ في ظل تركيز الجيش على الجبهة الشمالية، وتمسك المستوى السياسي طوال الوقت بعدم المبادرة إلى عملية في غزة خلال فترات التهدئة. ووصفت الصحيفة الخطط بأنها "واحدة من أكثر القضايا حساسية في العامين اللذين سبقا الحرب".
ويشير التقرير إلى أن مواد استخباراتية ضُبطت في حواسيب تابعة لـ"حماس" خلال الحرب، كشفت أن الحركة خططت لتنفيذ هجوم بين عيد الفصح العبري 2023 وما تُسميه إسرائيل "يوم الاستقلال"، مستغلةً الانقسام الداخلي العميق الذي أحدثته خطة الحكومة لتقويض القضاء والاحتجاجات الواسعة ضدها. كما اطلع أعضاء لجنة "تورجمان" على شهادات تتعلق بمبادرة إسرائيلية مضادة نوقشت في تلك الفترة وفي فترة أخرى قبل عام من الهجوم، وتشمل خطة لاغتيال السنوار والضيف، وهي خطة كُشف عن بعض تفاصيلها في آذار/ مارس الماضي.
خطة متعددة المراحل
وبحسب إحدى الشهادات التي قدمها ضابط كبير أمام اللجنة، فإن قيادة المنطقة الجنوبية لم تدفع فقط نحو خطة محدودة لاغتيال القائدين، بل طرحت أيضاً خطة أوسع أُعدت مطلع العقد الأخير، وتتكون من أربع مراحل تبدأ باغتيال مفاجئ للسنوار والضيف واثنين أو ثلاثة من كبار قادة الألوية، ثم قصف شامل لكل مواقع التعاظم العسكري لـ"حماس" المعروفة للشاباك والاستخبارات العسكرية، يتبعه تنفيذ طلعات جوية متدرجة لضرب المواقع المركزية لـ"حماس" والجهاد الإسلامي، بينما تختتم الخطة بمناورة برية محدودة تنفذها ثلاث الفرق النظامية 162، و36، و98، لـ"تنظيف" مناطق إطلاق الصواريخ.
ويؤكد التقرير أن الخطة لم تكن تهدف إلى إسقاط حكم "حماس"، بل إلى إلحاق ضرر بالغ بها وإخراجها من توازنها وردعها لسنوات طويلة، انسجاماً مع سياسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي طالب على مدار سنوات بالإبقاء على "حماس" في حكم القطاع.
وبحسب شهادة الضابط، فإن هيئة الأركان العامة رفضت المبادرتين -المحدودة والواسعة- استناداً إلى توصيات أقسام العمليات والاستخبارات، وفي ضوء السياسة الحكومية الثابتة تجاه غزة.
شهادات متناقضة
في المقابل، تلقت لجنة "تورجمان" شهادة مناقضة من ضابط كبير آخر، قال فيها إن قيادة المنطقة الجنوبية أوصت بتنفيذ النسخة المصغرة من الخطة، أي اغتيال السنوار والضيف. وبحسب روايته، ظهرت أول فرصة لتنفيذ الخطة في أيار/مايو 2022، بعد "هجوم الفؤوس" في مدينة إلعاد، الذي قُتل فيه أربعة إسرائيليين على يد منفذين من الضفة الغربية، عقب خطاب للسنوار دعا فيه الفلسطينيين إلى تنفيذ عمليات.
لكن توصية الشاباك حينها سقطت، وفق التقرير، بسبب عقيدة أمنية راسخة ترى ضرورة إبقاء "حماس" موجودة وفاعلة في غزة لكن ضعيفة ومرتدعة، ومن دون الربط بين جبهتي غزة والضفة. وتوضح شهادة أخرى أن فرصة جديدة برزت بين عيد الفصح و"يوم الاستقلال" عام 2023، عندما شهدت الحدود إطلاق صواريخ ومضايقات نفذها عناصر من "حماس"، فطُرحت خطة الاغتيال مجدداً.
وبحسب هذه الرواية، فإن رئيس الشاباك آنذاك رونين بار دعم الفكرة، بينما كان تحفُظّ رئيس الأركان هرتسي هليفي مبدئياً فقط، إذ اشترط إعداد خطة تسمح بالتنفيذ خلال أيام التوتر، باعتبار أن نتنياهو لن يوافق على اغتيال القادة إلا في سياق تصعيد يمكن تبريره.
وتشير الشهادة إلى أن قائد المنطقة الجنوبية في حينه أليعازر توليدانو، التقى هليفي وطلب إذناً للتقدم في التخطيط، وحصل على ضوء أخضر مشروط بإعداد سيناريوهات للتنفيذ في كل الظروف.
أولوية لبنان وإيران
ويشير التقرير إلى أن الاستعدادات العسكرية خلال عام 2023، تركزت أساساً على جبهتي لبنان وإيران. وبحسب إحدى الشهادات، فإن "المستوى السياسي كرر وألح على الجيش أن يُبقي غزة جبهة ثانوية وهادئة تقريباً بأي ثمن". وتضيف شهادة أخرى أن قيادة الجنوب نفسها تمسكت لفترات طويلة بسياسة الهدوء والسعي إلى تسوية مع "حماس"، وأن الخطة الواسعة لم تكن مثالية بالكامل، إذ تُطرح أسئلة حول جدوى تنفيذ مناورة محدودة ضد منصات الصواريخ بعد استخدامها.
ويخلص التقرير العبري إلى أن "الجزء المؤسف في القصة ليس الخلافات أو تبادل الاتهامات بين الجنرالات، بل غياب الجهة التي يمكن أن تحسم ما جرى فعلاً خلف الأبواب المغلقة، ومن دفع في أي اتجاه؟ ولماذا أصرّ المستوى السياسي لسنوات، عبر رؤساء أركان ورؤساء شاباك ووزراء أمن، على إبقاء "حماس" في الحكم في غزة مهما كان الثمن؟
