العهد للقدس في إسطنبول … عندما تحتمي حماس بحلفائها وأصدقائها

رأيماجد عزامالثلاثاء 2025/12/09
Image-1765210752
حماس تحاول تعزيز صورتها لاعب لا يمكن تجاوزه بالمشهد الفلسطيني
حجم الخط
مشاركة عبر

عقد في إسطنبول نهاية هذا الأسبوع، مؤتمر تحت عنوان "العهد للقدس" برعاية مؤسسة القدس الدولية، إحدى المنظمات والأذرع غير الرسمية لحركة حماس، بمشاركة فلسطينية وعربية وإسلامية واسعة، بينما بدت الحركة رغم الخطاب الدعائي وكأنها تحشد وتجمع حلفائها وأصدقاءها للاحتماء بهم في مواجهة المرحلة العصيبة والمصيرية والوجودية التي تمر بها بعد حرب غزة، وإثبات بقائها كلاعب مركزي لا يمكن تجاوزه فلسطينياً وإقليمياً.

 

قيادة الشعب الفلسطيني

كانت حماس قد رعت تأسيس مؤسسة القدس الدولية في بيروت مطلع القرن الحالي كإحدى مؤسساتها وهيئاتها غير الرسمية، بإدارة تنفيذية كاملة لأعضائها وكوادرها، ومشاركة شخصيات عربية وإسلامية اعتبارية، منها على سبيل المثال الشيخان الراحلان عبد الله الأحمر ويوسف القرضاوي، بينما كان التأسيس تعبيراً عن رغبة الحركة في تكريس مكانتها كقائدة للمقاومة والشعب الفلسطيني، وأخذ مكانة حركة فتح حتى زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات بعد انهيار مشروع أوسلو وعملية التسوية، واندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 التي كانت بمثابة إعلان رسمي عن هذا الانهيار.

خلال العقدين الماضيين، تراجع نشاط المؤسسة في بيروت ثم انتقل مركز ثقلها الرئيسي إلى اسطنبول مع تولى حميد الأحمر دور والده، وانحياز حماس إلى الثورة اليمنية والثورات العربية مقابل محور المقاومة.

تحول المشهد قبل 8 سنوات تقريباً مع هيمنة حماس الداخل، أو حماس المقاومة كما كان يسميها إعلام حزب الله في بيروت، وإعادة وصل الجسور مع طهران والضاحية وحتى مع نظام بشار الأسد الساقط، بينما أعادت حرب غزة الحياة والحيوية إلى المؤسسة وهيئات الحركة في الخارج، بعد تعثر لسنوات في سياق التعاطف الواسع مع غزة والقضية الفلسطينية.

مؤتمر اسطنبول الأخير "العهد للقدس" بدا بمثابة انطلاقة جديدة للمؤسسة نفسها في اسطنبول لا في بيروت، بينما سعت حماس إلى الحشد والاحتماء بحلفائها وأصدقائها لتعزيز مكانتها لكن ليست كقائدة للشعب الفلسطيني، وإنما كحركة أو لاعب لا يمكن تجاوزه بالمشهد  الفلسطيني وحتى الإقليمي. 

 

حاضنة فلسطينية

في السياق الفلسطيني كانت مشاركة لافتة لشيخ الأقصى عكرمة صبري، والقيادي الفتحاوي عباس زكى، وحضور فصائلي شمل الحلفاء من الجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية والقيادة العامة، حيث أرادت حماس  تأكيد تمتعها بحاضنة فلسطينية قوية ضمن قيادة جماعية، بعدما غادرت أو أقلعت عن فكرة أو حلم القيادة الأحادية كما كان الحال مطلع القرن الجاري. 

عربياً، كانت دعوة لافتة للحقوقي محمد سليم العوا لتبوء مكانة الراحل الشيخ يوسف القرضاوي في رئاسة مجلس أمناء المؤسسة، والأمر هنا لا يقتصر فقط على  شخص العوا إثر تقربه الأخير من نظام عبد الفتاح السيسي وامتداح مواقفه من حرب غزة وانتقاده لسيرورة قيامة سوريا الجديدة، وإنما كانت رسالة للنظام نفسه في تحول المؤسسة والحركة من القرضاوي المعارض إلى العوا الموالي، علماً أنه "النظام" كان ولا يزال داعما ًلوجود وبقاء حماس ضمن المشهد الوطني الفلسطيني وضد إقصاءها حتى مع دعمه لضرورة رحيلها عن السلطة، ونزع سلاحها ضمن ترتيب هادئ ومتفق عليه.

عربياً كذلك، كان حضور لعرابي ومؤسسي المؤتمر القومي العربي، ولم يكن بإمكانهم دعوة عبد الملك الحوثي في وجود الشيخ الأحمر ومعارضين كثر كما فعلوا بمؤتمرهم الأخير ببيروت، وكأن حماس أرادت القول إنها تتمتع كذلك بحاضنة شعبية عربية رغم الطابع النخبوي للمؤتمر وضعف تأثيره في الشارع العربي.

 

دعم تركي وإيراني

إسلامياً، التأم  المؤتمر في اسطنبول بكل ما لذلك من دلالات، مع حرية الحركة والنشاط السياسي والإعلامي لحماس، لكن مع غياب الحضور التركي الرسمي، أقله في بعده السياسي،  كانت مشاركة لنائب مفتي اسطنبول كممثل لرئيس الشؤون الدينية، مع التذكير الضروري بالموقف التركي الداعم لحماس وحضورها والرافض لإقصائها حتى مع دعم رحيلها عن السلطة ونزع سلاحها بترتيبات هادئة متفق عليها، وباطار وطني فلسطيني صرف، وعلى قاعدة إنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار غزة وإدارتها بقيادة فلسطينية ضمن أفق سياسي جدي نحو الدولة وتقرير المصير.

كذلك، كان حضور شعبي قوى من ماليزيا ودول أخرى داعمة للحركة، بما فيها باكستان واندونيسيا، المستعدتين للمشاركة بقوة الاستقرار الدولية بغزة، والتنفيذ الأمين والنزيه لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقرار مجلس الأمن 2803، على قاعدة مراعاة المطالب والحقوق الفلسطينية المشروعة.

أيضاً، كان هناك حضور للنظام الإيراني، عبر المقرب من المرشد على خامنئي، ومسؤول لجنة دعم فلسطين بالرئاسة الشيخ حسن أخترى، كما كان حضور لافت لممثل حزب الله، مسؤول العلاقات الدولية عمار الموسوي، وحسب مصادر مطلعة، فإن حماس تفهم أن محور المقاومة لم يعد فاعلاً لكن الحركة أقله حسب تيار متنفذ فيها، لا تستطيع الإستغناء عن الدعم الإيراني السياسي والإعلامي والمالي.

 

تجاهل مدوي لسوريا

بالعموم، تسعى حماس إلى بلورة غطاء فلسطيني وعربي وإسلامي متعدد الطبقات للاحتماء به في ظل الضغوط الهائلة التي تتعرض لها، والمرحلة المصيرية التي تعيشها بعد نكبة غزة للبقاء بالمشهد الفلسطيني، ضمن شراكة وطنية مدعومة عربياً وإسلامياً، وهو ما تبدى واضحاً في كلمة رئيس الحركة بالخارج خالد مشعل، أما حديثه الخطابي والدعائي عن السلاح واستنفار الأمة لتحرير القدس، ففيه تجاهل للواقع المتراجع الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية. وحسب الظروف الحالية فالأمة حاضرة للمساعدة بما تيسر بقواها الثمانية الكبرى، ونجحت في الضغط على ترامب لإيقاف الإبادة بغزة والضم بالضفة الغربية، والتوافق على خريطة طريق الحد الأدنى المقبول فلسطينياً وعربياً وإسلامياً للانسحاب الاسرائيلي وإعادة الاعمار وخلق أفق سياسي جدى نحو الدولة وتقرير المصير.

في الأخير كانت نقطة الضعف  البارزة بالمؤتمر التجاهل  المدوي لسوريا الجديدة، وسيرورة  التغيير التاريخي فيها وبالمنطقة عموماً، مع خلافات وتباينات داخل حماس نفسها حول قراءة تلك المتغيرات، بينما تبدى الحظ السيء للمنظمين في تزامن المؤتمر مع التسريبات الفاضحة والكاشفة لبشار الأسد واجرامه، بوجود حلفاء له بالفعالية المقدسية الاسطنبولية، حيث زاره وفد من المؤتمر القومي بعد جولته الشهيرة بالغوطة المدمرة ببيوتها ومساجدها إثر تهجير أهلها الثائرين تاريخياً في مواجهة الغزاة، كما تبنت الفصائل الفلسطينية المشاركة روايته الوهمية والمختلقة عن المؤامرة المزعومة ضده، بينما تباهت القيادة العامة دوماً بكونها جزءاً من نظام الأسد لا مجرد داعم له ومقاتل إلى جانبه في مواجهة الشعب السوري الثائر ضده.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث