بينما ينشغل خبراء السياسية والأبحاث والتحليل اليوم بمراجعات عما تغير وتبدل في الواقع بعد سنة من سقوط النظام، فيما تغير في مؤسسات الدولة وبناها وهياكلها، ما انهار منها وما اختفى، ومن استُبدلت وظيفته بمحتوى لا يشبهه بأي شكل، فأنني أنا أنشغل فيما تغير بالفكر وبالعقول.
سيقارنون كم تشبه اليوم وزارة العدل السورية أي جسم قضائي في العالم، بوزيرها وقضاتها وبُناها القانونية والدستورية، في ظاهرها وباطنها. وهكذا سائر هياكل الدولة في سوريا: ماذا تبدّل في الاقتصاد؟ ماذا فعلنا للضحايا؟
وبينما أكتب هذه الكلمات تتواتر أخبار بأن المشانق تُنصب الآن، لإعدام ثُلّة من رجال النظام السابقين ممن وقعت عليهم القرعة المستعجلة من رجال النظام الحاليين، ليفوزوا بإعدامهم. هل يكفي إعدام ثمانين شخصاً على عجل لنقول إننا ننجز في ملف العدالة؟ المفتي حسّون، الذي وفي اعتقادي لم يُعدم في نظر من يحكمون الآن لأنه ناصر نظام الأسد ودعمه، بل لأنه "كان يفسد عقائد الناس" وفق الاتهام المحبَّب إلى رجال الدين. ربما هذا شكل العدالة التي تريدها الطبقة الفاشية المتشكلة حول السلطة الحالية ولا تريد غيرها.
عصابة أشرار
في القانون السوري تهمة مكتوبة بحرفيّتها: "تشكيل عصابة أشرار". وكأن واضعها كان يتخيّل أنه سيعتقل "شرشبيل" معذّب السنافر.
كان بسيوني (شاب فلسطيني من مخيم في حمص) قد أمضى أكثر من سبعة عشر عاماً في السجون وهو لم يبلغ الثلاثين بعد. لم تكن له قضية سياسية، تهمته كانت دائماً: "تشكيل عصابة أشرار".
ولإقامته الطويلة في مهاجع الجنائيين منذ نعومة أظفاره، صار بسيوني خبيراً بالقانون الجنائي السوري أكثر من ثلاثة محامين مجتمعين، رغم أنه لا يقرأ ولا يكتب. كان يعلم بخبرته أنه في هذه القضية والتي كانت قضية سرقة، لو أنه مثل أمام محكمة عسكرية فإن حكمها سيكون أقل من ثلث حكم المحكمة المدنية عليه، العسكرية تحكم السارق بسنة عسكرية بينما المدنية بثلاثة سنوات كاملة. فقام بوضع إسم أحد معارفه ممن رافقوه سابقاً في تشكيل عصابة أشرار رغم أن هذا الشخص لم يكن معه في هذه القضية، لقد اختاره بسيوني فقط كون هذا الشاب يومها كان يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية، حيث أن القانون السوري يقول إنه في حال وجود عسكري في القضية فإن الجميع يتحولون لمحكمة عسكرية، ظنّها حيلة تنجيه. لكن عندما دهمت الشرطة بيت هذا الأخير وجدت لديه مواد ومنشورات إسلامية فتبين أنه انتمى مؤخراً إلى تنظيم جند الشام، فتحولت القضية بكاملها إلى صيدنايا ومعها بسيوني الذي كان يشكو أمامنا كيف أنهم ظلموه بسجنه معنا بسبب هذه القصة.
أذكر بسيوني اليوم لأن عبارة "تشكيل عصابة أشرار" التي صادفتها أول مرة معه، لم ينطبق معناها في حياتي على أحد كما انطبق على بشار الأسد وعصبته يومها: عصبة تنهب الناس بجورٍ لم يعرفه أعتى القراصنة القتلة، وتوزّع المكاسب بين أفرادها. وتقتل من يعترض من ضحاياها ولو نَبَسَ بكلمة، وقد تقتل دون أي سبب فقط لأن حظك العاثر قادك إلى يد أحدهم.
ماكان يخطر في بالي حينها أنه إن كانت هذه التهمة تنطبق على أحد أكثر من بشار الأسد وعصبته ليتهموا "بتشكيل عصابة أشرار"، واليوم يخطر في بالي: أليس الأكثر شرّاً منهم، هو مَن يستعدّ لتكرار التجربة نفسها؟ مَن يريد أن يترك سُنّة العالم قاطبةً، الدنيا ومافيها من دول وتجارب في جميع أنحاء المعمورة، ويلزم نفسه بالسير على سنّة نظام الأسد بعد كل ما جرى بالسوريين خلال خمسة عقود ونصف من حكمهم؟ أليس من يتهيّأ لإعادة إنتاج هذا الشرّ من جديد أكثر شرّاً ممن سلفه؟
﴿وَمَا هذه الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].
لا يوجد شرٌّ خالص، ولكل شرّ سياق. إلا هذا الشرّ فإنه مقطوع، أو أن أقرب ما يمكن تفسيره به هو رِدّة إلى الغريزة الحيوانية وحدها، تلك التي تبلغ مبتغاها في انطفاء العقل والإنسان والانغماس في تحقيق شهوات الغرائز في توّحشها لأشباع حاجاتها.
نعبر اليوم العتبة إلى العام الثاني لسقوط النظام، أحدّق في الحفر التي أحدثها الخراب، أدرك أن ما عشناه لم يكن مجرّد شرّ سياسي منفصل ولا دكتاتوريةً فُطرت من العدم. كان هناك شرّ أعمق وأعتى يتوارى خلف حافظ ومخابراته التي تعتقل البشر وتعذبهم حتى الموت، لكن لهذا الشر سياق، "احتياطي" ربما في ذهن من يُعَذِّب، ولكن شرّ التردّي الفكري والروحي الذي سبق الاستبداد ومهّد له الطريق، شرّ انطفاء الإنسان داخل الإنسان.
أحاول هنا ألا أرصد سقوط النظام فحسب من أوجهه السياسية، بل أحاول سبر أغوار سقوط الفكر الذي جعل حضور النظام السابق نتيجةً لا سبباً، أحاول فهم السياقات التي دفعت بشار الأسد ليفعل مافعله "دون أن أبرر له".
وطالما أننا اعتدنا أن نبرّر بالسياقات، فإنّ لبشار الأسد تبريراً سياقياً لا يُجارى، فأن تعي الدنيا بالقصر الجمهوري، وتجد أن أباك حافظ، وأخاك باسل، وعمّك رفعت، وخالك محمد مخلوف، وصهرك أصف، فإن لهذا السياق حجّةً لا تُضاهى، مقارنةً بمن سافر من المزة الغربية إلى العراق لينضمّ لتنظيم القاعدة.
الثوار الحواريين
"إن استعمال الكتابة عند اليونان أمرٌ متأخّر، والدليل على ذلك بيّن، إذ ليس لديهم نصّ واحد قبل هوميروس... وأمّا أعلام حكمائهم، فقد تدرّبوا عند المصريين والكلدانيين، وكانوا يلزمون شعوبنا الشرقية طلباً للمعرفة... واليونان لا يخجلون من إخفاء هذه الحقائق، بل ينسبون إلى أنفسهم كل ما أخذوه من الأمم الأخرى..."
مقاطع من كتاب "الرد على أبيون" فلافيوس يوسيفوس (37–100م).
كان فلافيوس يوسفيوس أحد أهم قادة ثورة الجليل سنة ٦٦، مقاتلاً تحت راية من تبقّى من حواريي المسيح، قبل أن تأسره الجيوش الرومانية ويُساق عبداً إلى الغرب. وهناك، في قلب الإمبراطورية التي حاربها، تحوّل بعد أن هُزمت ثورته، من ثائر يقاتل جيوش الرومان في جبال الجليل إلى مؤرخ يكتب ما تبقى من ذاكرة الشعوب التي سحقها الرومان.
يتحدث يوسفيوس بغضب على الإغريق والرومان لأنهم زوّروا أصل الحضارة، محوِّلين حضارات المصريين والبابليين والكلدانيين والسوريين إلى هوامش. اتهمهم بأنهم "عفشوا" الفلسفة الشامية ونسبوها إليهم، رغم أن مؤرخيهم وفلاسفتهم يعترفون بأن طاليس وفيثاغورس أقدم فلاسفة اليونان على الأطلاق لم يكونا سوى تلاميذ لدى كهنة الشرق.
وهكذا، يورد شهادات مؤرخي اليونان أنفسهم، بأن أثينيا لم تكن مهد الحكمة، بل كانت الشام، أفاميا وصيدون وأنطاكية، هي التي علمت اليونان أول أبجديات الفلسفة، قبل أن يسطو عليها اليونانيون ويعلنوا لأنفسهم أبوةَ الحضارة.
كيف انحدرنا من الحواريين الثوار يعقوب وبولس وبطرس وتابعهم يوسفيوس وفلسفتهم، إلى أبي جليبيب وأبي بصير وأبوقتادة وتابعهم الجولاني وفتاويهم؟
وقف خالد بن عبد الله القسري يخطب صباح يوم عيد الأضحى على منبر مسجد الكوفة:
«أيها الناس، ضحّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً». ثم نزل فذبحه بالمصلى.
"البداية والنهاية ابن كثير"
يوحنا الدمشقي آخر كبار لاهوتيي المشرق. قرأ النصّ الإسلامي الناشئ، فلم يره وحياً مكتملاً، بل "بدعة إسماعيلية" خرجت من العباءة الآريوسية، ديناً بلا تأويل، عقلاً منزوعاً من الروح. كان يرى أن الأمويين أمسكوا بظاهر الدين وتركوا جوهره، وأن سيادة الظاهر على الباطن لا بدّ أن تقود إلى كارثة حضارية.
قتل المتكلّمون العرب واحداً بعد الأخر، ذبح الجعد كما تُذبح الأضاحي، فقط لأنه حاول فصل ظاهر النص عن باطنه وقال إن الله لم يكلم موسى تكليماً بشرياً. وقُطعت يدا غيلان الدمشقي ورجلاه ثم صُلِب في على أعمدة باب شرقي في مدخل دمشق بأمر هشام بن عبد الملك لأنه قال بحرية الإنسان ومسؤوليته، فاعتُبر خطراً على سلطة الأمويين التي قالت بالجبرية. أما معبد الجهني، رفيق غيلان في القول بالقدر، فحُمِل إلى الصلب في الحجاز، وقتل لأن عقله لم يرضخ لفكرة أن الإنسان مجرّد آلة تتحرك بقدرٍ مفروض. والجهم بن صفوان، آخرهم، لقي حتفه في مرو رمياً بالسهام أو ضرباً بالسيف، لأنه أصرّ على أن يصون تنزيه الإله من تشبيهات الحرفيين، فقتلوه بتهمة "نفي الصفات".
وهكذا، في بضعة عقود فقط، سقط أربعة من أوائل الذين حاولوا إدخال العقل في بنية الإيمان، واحداً تلو الآخر، ذُبح الأول، وصُلب الثاني، وقُطع الثالث، ورُمِي الرابع. لم تكن هذه نهايات رجالٍ فحسب، بل كانت البدايات الحقيقية لزمنٍ جديد: زمنُ انتصار النقل على العقل، وانطفاء الشرارة التي كان يمكن لها أن تُبقي على الإسلام ديناً يقبل التفكير.
منذ تلك اللحظة التي بدأ النقل يسجّل انتصاراته على العقل، كنا مع كل انتصار نتردّى درجة في سلّم الإنسانية. تغلّبت الخطابة وحرفيّة النص على روحه وتأويله، انتصر ظاهره على باطنه، فأضحت اللغة إشاراتٍ بلا معنى. لم يعد للعقل تلك اللدونة التي تسمح له بأن يببتدع مشابك متنوعة وأصبحت خلايانا العصيبة مرتبطة بعلم الرجال والسند الصحيح والعنعنة، تصلّب الدماغ الإسلامي بمسار بسيط، يختصر معنى وجودنا في هذه الدنيا لغاية واحدة هي توحيد الله وعبادته لنصل في النهاية إلى "الحيوان" وهي صيغة المبالغة من الحياة في جنة الآخرة.
الطوائف الباطنية والطرق الصوفية السنّية احتفظت ببقايا من روحانية المعنى، واستمرّ السنّة في مدارسهم الفقهية بالأخذ بالقياس والاجتهاد. لكن صعود تيّار أهل الحديث "السلفيين" وفق ماسموا مؤخراً، ومقولاتهم التأسيسية: "العقل بدعة"، و"من قال بالعقل فقد ضلّ"، و"كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف".
كانوا كلما صعدوا طبقة كلما انحسر العقل طبقة، حتى وصلنا إلى هذا اليوم بعد أن بعد سنة من سقوط الأسد بأن يستحكموا السيطرة على مؤسسات الدولة، التعليم والقضاء والمساجد، ولاوجود لغيرهم في الجيش والأمن.
رست سوريا الشام على أكثر أشكال الفكر سطحيةً وفقراً وغلظةً. فكر لا ينهض بمجتمع، ولا يبني دولة، بل يهدمهما معاً.
إستئناف معركة الجمل
من الواضح أننا سنمضي أيامنا القادمة بمتتالية واحدة، يوماً يحاصرون مدينة كاملة لتأديب أهلها. وثاني يوم يرتكبون مجزرة ضد هذه الأقلية "الخائنة والكافرة". في يوم أخر يحرضون غرباً ويرتكبون مجزرة وفي تاليها يحرضون شرقاً ويحضرون لارتكاب ماهو أفظع، يحتقرون هذه الإثنية ويشتمون أولئك.. فهذه السلطة لا تتماسك إلا بوجود عدوّ يهددها ومظلومية تستعيدها ومطامع توعد بها.
كل يوم عليها أن تطعم جمهورها الفاشي وجبة جديدة وإلا أصبحوا هم الوجبة، ولأن صناعة الفاشية هي الضامن الوحيد لاستمرار غنائمهم.
ولو قُدِّر أن يستتبّ لهم الأمر يوماً في سوريا لفاضوا نحو الجوار. سيتجهون إلى أي أرض رخوة يمكن لمخيالهم المذعور من فقدان سلطتهم. أن يأخذهم إليها "ماعدا إسرائيل بالطبع، لأنها قادرة على سحقهم برّفة عين"، لبنان الأخ الصغير بشيعته ومسيحييه يبدو مناسباً للتسلية في بعض الأيام، إلا أن المعركة المناسبة والوجبة الدائمة المشتهاة لجمهورهم هي مع شيعة العراق، حيث يمكن لنا أخيراً أن نستأنف معركة الجمل من حيث توقفت.
الإقامة في المعرّة:
لا أقصد هنا معرّة النعمان الذي قُتِل أولاده حسب الرواية، فأقام قصراً فوق مقبرتهم، وعاش عمره يندبهم.
ولا معرّة أبو العلاء المعرّي، أكثر أهل الإسلام تشاؤماً، ورغم هول تشاؤمه لا أعتقد أن المعرّي (الذي كان حانقاً على أهله وأهل بلدته لشدّة ضلالهم وأذاهم له ممّا أدّى به إلى اعتزالهم) ورغم كل ذلك، لا أظنّه تصوّر أن يكون مصيرهم بعد إحدى وأربعين سنة أن يٌقَطّع كبارهم ويطبخوا في القدور، وأن يُشوَى الأطفال على الأسياخ على يد الصليبيين الذين ضربتهم مجاعة على أبواب المعرّة.
فهل بقاء العقوبات الأمريكية اليوم سيدفع السوريين لطبخ بعضهم؟
ولا أريد معرّة صيدنايا، ولا اسم أيّ معرّة مدينة أو منطقة في سوريا، بل أقصد المفردة نفسها.
المعرّة: تلك الكلمة الآرامية القديمة التي احتوتها العربية لاحقاً دون أن تأخذ كامل معناها اللغوي. تُفسَّر مرّة بالأرض الوعرة، ومرّة بالمغارة، وثالثة بأنها أرض المصائب.
في العربية تُستخدم مفردة "المعرّة" بمعنى المصيبة الواحدة، بينما في الآرامية كان لها معنى أعمق وأكثر تراجيدية: كانت تعني أن تُقيم في قلب المصيبة بحيث لا تنتهي مصيبة حتى تبدأ الأخرى، وقد تجتمع عليك مصيبتان أو أكثر في الوقت نفسه، فتخوض في هذه المصائب فلا تخرج منها أبداً، بل كلما أوشكت واحدة على الانتهاء نبتت من قلبها اثنتان أشدّ وطأة وأقسى إصابة.
هذه المعرّات المتوالدة "التي تبدو بلا نهاية" والتي يقيم فيها السوريون اليوم، كان يمكن لها أن تنتهي لو أنّ لهذا الفكر القدرة على التوقّف، لو امتلك شجاعة المراجعة، لو عرف أن يعيد النظر في نفسه، لو أنه لم يحقن عقله بعد كل مصاب مرّة بإبرة القدر، وأخرى بإبرة الامتحان، وثالثة بإبرة الآخرة، ولو قال لنفسه "ولو متأخراً" إنه كان في الإمكان أفضل ممّا كان.
فنحن جديرون جميعنا بالشفقة "القاتل والقتيل" بينما يتبادلان الأدوار، من دعم هدم المدن، ومن كفر المخالفين، ومن كان فاشياً، من عاش في مخيّمات الشمال، ومن خاف فقضى القرون في رؤوس الجبال.
التردّي الأخير
انحزنا للخطابة على حساب العقل، أغلقنا البرلمان بأيدينا وهرولنا إلى وحدةٍ مع عبد الناصر. اكتشفنا سريعاً ماذا فعلنا بأنفسنا حين سلمنا رقابنا للأقليم الجنوبي ورجاله، فجاء من خلصنا منهم وانقلب عليهم محاولاً أن يعيد لنا الحرية وبنى الدولة التي تُحكم بالقانون، ولكن بعد أقل من سنتين انقلبنا عليه، بتحالف من وحدويين وعروبيين واشتراكيين.
تقلّب هؤلاء المأدلجون على بعضهم حتى تردّينا لحزب البعث، تصارع البعثيون وقتلوا بعضهم حتى انتصر بينهم الأكثر براغماتية، فتردّينا لحافظ الأسد، الذي نجح في إرضاء وتحقيق مصالح الجميع، خفّف غلواء رفاقه الاشتراكيين تجاه السنّة، وخفّف الضغط على "القوى الرجعية"، وخفّف واجب "المقاومة" ضد الإمبريالية والصهيونية، وخاطب العرب كما يحبّ العرب أن يُخاطَبوا، أوقف التأميم ودعم رأس المال، حتى وصلنا إلى رأس المآل عندما رفع الدمشقيون لافتة "طلبنا من الله المدد… فأرسل لنا حافظ الأسد".
تصارع حافظ الأسد والأخوان، فتردّينا إلى حرب رفعت الأسد والطليعة المقاتلة، وتردّت الطليعة إلى القاعدة والقاعدة لداعش وداعش للنصرة حتى وصلنا لأحمد الشرع، وتردّى حافظ إلى بشّار.
ما أوصل السوريين إلى هذه المرتبة المنحطة بين جميع البشر اليوم هو التردّي في انحدار عمره ألفي عام، وها نحن نواصل السقوط، ولا نعرف لو تركنا وحدنا كم ألفاً ستمضي قبل أن نلمس الأرض.
