لا يمكن فهم ما يجري في أوكرانيا وبحر الصين الجنوبي، لا ما يجري في البحر الكاريبي وفي محيط فنزويلا، تحت ادعاءات بعضها ساذج وبعضها يفتتش عن سذج يمكن أن تنطلي عليهم حيله، دون الرجوع الى استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة التي نشرها البيت الأبيض قبل أيام، وهي الوثيقة الرسمية التي يعلن من خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه، رؤية الولايات المتحدة للعالم، وقراءتها لخرائط القوة والثروة فيه، ومصادر التهديد المستجدة عليه، وما هي أولويات أميركا التي شرعت فيما يبدو -بموجب تلك الوثيقة- في أكبر عملية إعادة تموضع لا أرى أنها من صنع دونالد ترامب، ذلك الرجل الذي نجح حتى الآن في اقناع الكثيرين بعفويته، وبأن ما يجري من تحولات عميقة في السياسة الأميركية هي من بنات أفكاره، ومن صنع يديه.
طبيعة التحولات التي انطوت عليها استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، ومقدار ما اشتملت عليه من عمق، قد تعود بجذورها الى حقبة جورج بوش الأب، الذي استشعر مبكراً مقدمات الانهيار المباغت للاتحاد السوفيتي، ثم إلى خلفه الشاب بيل كلينتون (أول رئيس أميركي مولود بعد نهاية الحرب العالمية الثانية)، الذي صاغ حينها، قراءته للمشهد وتحولاته، وما يمليه على الولايات المتحدة من مراجعة في العمق للأهداف العليا، والاستراتيجيات التي تستجيب للتحديات المستجدة. وقتها، صاغ كلينتون رؤيته وقراءته للحظة التاريخية، تحت شعار "We should prevail”،(ينبغي أن نسود).
كانت فكرة كلينتون وقتها، أن أميركا يجب أن تسيطر على المئة عام المقبلة، وأن القرن الأول من الألفية الثالثة يجب أن يكون أميركياً، تنفرد فيه واشنطن بزعامة النظام الدولي، الذي ساهمت بالنصيب الأوفى من تأسيسه، لكن كلينتون لم يملك حينها فرصة رسم خريطة طريق نحو تحقيق هذا الهدف، إذ كان الأمر يقتضي مراجعة في العمق لثلاثة عوالم: عالم جيمس مونرو الرئيس الأميركي الذي نادى عام 1823 بضمان استقلال كل دول نصف الكرة الغربي (الأميركتين) ضد التدخل الاوروبي، ما اصطُلح على تفسيره آنذاك بـ"مبدأ العزلة" أو الاستفراد الأميركي بدول قارتي أميركا الشمالية، وأميركا الجنوبية، ثم عالم يالطا الذي صاغت معالمه قمة يالطا التي انعقدت في الاتحاد السوفياتي قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، بمشاركة الزعيم السوفياتي جوزف ستالين، والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، ثم عالم دونالد ترامب، الذي صادف عامه الرئاسي الأول، نُضج المشروع الاستراتيجي الأميركي الذي أعلنته إدارته قبل أيام.
أبرز ملامح تلك الاستراتيجية، هي نفسها عناوين سياسات ترامب منذ توليه الرئاسة في ولايته الثانية. فالاستراتيجية الجديدة التي ترسي أسساً لعلاقة الولايات المتحدة بالعالم خلال سنوات أو عقود أخرى مقبلة، تشبه كثيراً ترامب وتعكس إلى حد بعيد قراءة اليمين التقليدي الأميركي لمستقبل العالم، إذ تعيد ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأميركية، انطلاقاً من قاعدة أن الأولوية ستكون لحماية المصالح القومية الجوهرية، لا إدارة كل قضايا العالم. وتنتقد مرحلة ما بعد الحرب الباردة، باعتبارها حمّلت واشنطن كلفة باهظة في الدفاع عن حلفائها مقابل هيمنة عالمية غير مستدامة.
بموجب المراجعة المعمقة لأولويات السياسة الخارجية الأميركية، يتراجع الاهتمام الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط، ليذّكر ساسة المنطقة ودولها وشعوبها، بسياسات حملت عناوين الاسترخاء العسكري بين القطبين الأميركي والسوفياتي عقب قمة ضمت الزعيم السوفييتي ليونيد بريجنيف، والرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون مطلع سبعينيات القرن الماضي، وحارت الأقلام وقتها في اختيار مسمى مناسب لمولود القمة، هل هو قمة الوفاق كما أسموها في الغرب (detente)، أم قمة الإنفراج كما أسماها السوفيات؟!
وقتها اشتعلت لمبات الإنذار الحمراء في منطقة الشرق الأوسط، واعتبر الرئيس المصري أنور السادات أن حالة الاسترخاء عند قمة العالم، هي نذير شؤم للمنطقةن إذ قد تقود إلى إطالة أمد الاحتلال الاسرائيلي، وهو ما ساهم في التعجيل باندلاع حرب أكتوبر عام 1973.
زحزحة قضايا الشرق الاوسط لتصبح في أخر أولويات الاستراتيجية الأميركية الجديدة، ربما تؤجج مخاوف الإقليم من استدامة أجواء الصراع، وكذلك انزعاج عرب الإقليم من تفويض أميركي غير معلن لإسرائيل بإدارة أزمات الإقليم نيابة عن واشنطن التي تبحث عن حل "إبراهيمي" لتلك المعضلة، من خلال تثبيت دعائم نظام إقليمي يحفظ مصالح واشنطن، في الإقليم الذي أعفت نفسها من أعبائه.
من بين خمس اولويات استراتيجية أميركية، حلت المنطقة وقضاياها في المركز الرابع بعد ما يلي:
أولا: الأميركتين (عالم مونرو). عشرات القطع البحرية الأميركية تحتشد الآن في الكاريبي وترامب لا يستبعد غزو فنزويلا! هذا هوالهدف الأول طبقا للوثيقة التي توضح أن واشنطن ستقوم الآن بـ"فرض وتطبيق ملحق ترامب لمبدأ مونرو".
ثانيا: منطقة المحيطين (الهندي والهادئ). كبح الضرر الاقتصادي المقبل من الخارج، وضمان حرية الملاحة وسلاسل الإمداد والمعادن الحرجة.
ثالثاً: أوروبا. تعيد واشنطن ترتيب التزاماتها الأمنية في القارة -ولو جزئياً- وتدفع الأوروبيين الى الاعتماد على الذات.
رابعاً: الشرق الأوسط. منع أي قوة معادية من الهيمنة على المنطقة ومواردها وممراتها، وتجنب "الحروب الأبدية".
خامساً: التكنولوجيا والمعايير الأميركية. الدفع لأن تقود التكنولوجيا والمعايير الأميركية العالم، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجي والكمّ.
حجم واتجاه التغيير الذي شملته استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، يبدو هائلاً وعميقاً، وقد يمتد تأثيره الى عشرات السنين، ما يقتضي قراءة معمقة للوثيقة، واستعداداً جاداً للتعاطي معها، الوثيقة الأميركية قالت ما تعتزم واشنطن عمله، وبقي أن نعرف كيف يمكننا الحد من خسائرنا بسببها، وسبل التصدي أو التكيف مع استحقاقاتها.
