لم تكن الطائفة العلوية في سوريا تتخيّل، حتى في أكثر قراءاتها تشاؤماً، أنها ستصل إلى اللحظة التي تشعر فيها بالخوف من المستقبل، وتصف نفسها بأنها "مضطهدة" أو "متروكة" في بلد حكمه أحد أبنائها نصف قرن.
لكن التاريخ لا يمضي بخط مستقيم، ولا يمنح امتيازاً أبدياً لأي جماعة. وما عرفه العلويون منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم، هو ربما المثال الأكثر درامية على كيفية تغيّر موقع طائفة من قلب السلطة إلى أطراف المجتمع في جيل واحد.
من الجبل إلى القصر
قبل حكم الأسد، كان العلويون جماعة مهمّشة. يعيشون في جبال اللاذقية، يمتهنون الزراعة والعمل الموسمي، ويعانون من نظرة اجتماعية ودينية دونية.
لم يكن لهم حضور سياسي يُذكر، ولم يكن لهم نفوذ اقتصادي أو عسكري. كانوا جزءاً من "أطراف سوريا"، بينما كانت المدن الكبرى ــ دمشق وحلب وحمص وحماة ــ تمثل المركز السياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد.
ومع دخولهم الكلية الحربية منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، بدأ تحول بطيء ولكنه جوهري. الجيش أصبح الباب الذي أتاح لأبناء القرى العلوية النفاذ إلى الدولة المركزية، في وقتٍ كانت النخب المدينية تنفر من الحياة العسكرية.
ثم جاءت سبعينيات القرن الماضي لتشكّل نقطة الانعطاف الأكبر، فقبل وصول الأسد الأب إلى السلطة، لم يكن للعلويين حضورٌ يُذكر داخل الدولة السورية. كانوا أبناء القرى المرتفعة في جبال اللاذقية؛ فقراء، متفرقين، يحملون إرثاً دينياً مطارَداً وطبقاتٍ اجتماعيةً منهكة.
لم تكن الطائفة مضطهدةً رسمياً، لكنها كانت محاصرةً بخيال سياسي واجتماعي جعلها خارج مركز البلاد، وخارج دائرة "الشرعية" التي احتكرتها النخب السنية المدينية لعقود.
أقليةٌ على هامش المدن، تتوارث الفقر أكثر مما تتوارث الأرض، وتُصنَّف بعيداً عن "المركز السوري" الذي صنعته النخب الحضرية في دمشق وحلب وحمص.
وفجأة، فتحت الكلية الحربية نافذةً واسعة، نافذةٌ لم تكن مجرد بوابة للهروب من الجبل، بل للخروج من تاريخ كامل.
ومن خلف تلك النافذة، بدأ الضباط العلويون بالظهور واحداً تلو الآخر في الجيش، وفي أجهزة الأمن، وفي مواقع القرار… كأنهم يتسللون إلى قلب الجمهورية من فجوة لم ينتبه إليها أحد.
انقلاب حافظ الأسد لم يكن مجرد وصول ضابط علوي إلى السلطة، بل لحظة إعادة ترتيب كاملة للبنية السياسية السورية. وبدلاً من أن يكون النظام "علوياً" كما يُشاع، كان في الحقيقة نظاماً يحكم باسم الدولة لكنه يعتمد في بنيته الأمنية والعسكرية على أبناء الطائفة.
لم يكن العلويون "يحكمون" بقدر ما كانوا يحرسون الحكم.
وفي التسعينيات، شهدت شريحة من العلويين صعوداً طبقياً سريعاً: وظائف حكومية ثابتة، استقرار اجتماعي نسبي، حضور متزايد في الأجهزة الأمنية، وارتباط عضوي بالمعادلة التي صاغها النظام لنفسه: "نحن نحميكم… وأنتم تحموننا".
لكن خلف هذا المشهد، كانت الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير.
فالعلوي، موظفاً كان أو ضابطاً، لم يكن جزءاً من السلطة بقدر ما كان جزءاً من آلةٍ لا يملك التحكم بها. آلةٌ مركزها عائلة واحدة ورجل واحد، فيما بقيت الطائفة خارج دائرة القرار الفعلي. وكان العلويون أنفسهم يدركون ذلك.
الجملة التي تتردد في القرى الساحلية كانت تختصر كل شيء: "نحن حراس السلطة… ولسنا السلطة".
ومع أن قلةً من أبناء الطائفة شقّوا طريقهم إلى عالم المال والنفوذ في دمشق، بقي الجزء الأكبر يعيش في ظروفٍ صعبة: قرى بلا خدمات، شباب بلا فرص، واقتصاد هش يقوم على الرواتب العسكرية والتحويلات.
الأسد الابن
جاء بشار الأسد محمّلاً بوعود إصلاح، ومسنوداً بطبقة رجال أعمال جديدة، كان بعضهم من أبناء الطائفة. لكن هؤلاء، في جوهرهم، لم يمثلوا العلويين بقدر ما مثلوا القصر وشبكات المصالح المحيطة به.
اندلعت احتجاجات عام 2011.
في تلك اللحظة، لم يترك النظام للطائفة مساحة للاختيار. انهارت لغة الدولة، وحلّت مكانها لغة التهديد: "إذا سقطتُ… سيسقط دمكم".
وبتلك المعادلة، تحولت القرى العلوية إلى مستودعات بشرية للحرب: مئات الآلاف جُنّدوا قسراً أو طوعاً، وعشرات الآلاف قُتلوا أو فُقدوا، وقرى بأكملها فقدت رجالها وتحولت إلى مجتمعات تقودها النساء.
ومع مرور السنوات، كان السؤال يزداد حدة: "لماذا نقاتل؟ ولمن نقاتل؟"
لكن النظام كان أقوى من الأسئلة، والطائفة كانت أضعف من الاعتراف بأن الحرب لم تكن حربها.
وخلال عشر سنوات، تحولت كثير من قرى الساحل إلى قرى بلا رجال. مئات الآلاف جُنّدوا، عشرات الآلاف قُتلوا، آلاف الفقدان والمفقودين. رأى العلويون أبناءهم يُستنزفون دفاعاً عن نظام لم يمنحهم يوماً حرية الاختيار بين الحرب والسلم.
والأهم: لم يكن لديهم صوت سياسي مستقل. وجدت الطائفة نفسها تدافع عن سلطة لم تكن تملك أدواتها، وعن دولة لم تشارك في بنائها.
سقوط النظام
حين سقط النظام سقطت معه الصورة التي علّق عليها العلويون أمنهم لعقود.
تبيّن لهم أن "حماية النظام لهم" كانت وعداً هشاً بنته ماكينة إعلامية، لا حقيقة سياسية.
فجأة وجدت الطائفة نفسها بلا جيش يحميها، بلا مؤسسات، بلا حليف دولي واضح، بلا قيادة داخلية موحدة، وبلا سردية تحمي هويتها. هذا الانكشاف لم يكن صدمة سياسية فقط، بل صدمة وجودية.
بدأ كثير من العلويين يشعرون بأنهم ضحايا للنظام قبل أن يكونوا ضحايا لسقوطه.
بدأ أبناء الطائفة يسألون: كيف تحولت الطائفة التي "حكمت سوريا" ــ وفق الخطاب العام ــ إلى طائفة "مضطهدة" تشعر بالخوف من كل شيء؟
الإجابة جاءت من داخلها: لأن النظام لم يعاملهم يوماً كجماعة سياسية، بل كوسيلة للبقاء.
وعندما سقط، تركهم في مواجهة تبعات تاريخه وحدهم. ظهرت مظلومية جديدة، لكنها هذه المرة مظلومية ضد النظام نفسه: "ضحّى بأبنائنا، استخدمنا، ثم تركنا نواجه العاصفة".
المجازر الأخيرة
كان الهجوم الذي نفذته مجموعة من فلول النظام على مركز للأمن العام في الساحل، الشرارة الأولى. خلال ساعات، تدخلت فصائل عديدة في المنطقة ــ بعضها بدافع الثأر، بعضها بدافع الفوضى ــ واندلعت موجة عنف كبيرة.
قُتل مدنيون، خُطف آخرون، ووقعت انتهاكات أعادت إلى الأذهان أسوأ صور الحرب.
بالنسبة للعلويين، كانت هذه اللحظة لحظة الانهيار الأكبر: لم تعد الطائفة ترى نفسها مهدَّدة فقط، بل ترى أن "حماة الأمس" صاروا سبباً في استهدافها اليوم.
ردّ الرئيس أحمد الشرع بتشكيل لجان تحقيق مستقلة، خطوة غير مألوفة في تاريخ سوريا، هدفت لاحتواء الفوضى ومنع تحوّلها إلى حرب أهلية.
لكن الجرح كان قد انفتح: العلويون صاروا يشعرون بأنهم الطرف الأضعف في معادلة سياسية جديدة تتشكل دونهم.
مع الأحداث الأخيرة، تحوّل النقاش داخل الطائفة من سؤال "كيف نحمي أنفسنا؟" إلى سؤال "ما موقعنا في الدولة الجديدة؟".
صار الحديث عن الفيدرالية واللامركزية والضمانات الدستورية جزءاً من النقاش العام داخل الساحل. هذه الطروحات التي كانت تُعتبر خيانة أو انفصالاً قبل سنوات، أصبحت اليوم مطلباً لحماية الهوية، وسيلة لضمان مشاركة سياسية ومحاولة لتجنّب مصير الطوائف المهزومة في التاريخ. رأى العلويون أن الدولة المركزية التي حمَتهم ظاهرياً هي نفسها التي تخلّت عنهم في لحظة الحقيقة.
بعد سقوط النظام، لم تعد الطائفة قادرة على الالتفاف حول آل الأسد.
ظهرت شخصيات دينية واجتماعية جديدة ــ مثل الشيخ غزال غزال ــ تقدم خطاباً مختلفاً: لا امتيازات، لا ولاء أعمى، بل شراكة سياسية وحقوق مدنية.
للمرة الأولى منذ مجيء حافظ الأسد، بدأ العلويون يفكرون في أنفسهم كجماعة مواطنين، لا كذراع أمنية للسلطة.
ليس لأن الدولة تستهدفهم، ولا لأن النظام الجديد يعاديهم، بل لأنهم: فقدوا نفوذهم القديم، النظام الذي وُصف بأنه "نظامهم" لم يكن لهم، لكنه وفّر لهم حماية رمزية، ومع سقوطه، تلاشت هذه الحماية.
ضحاياهم بالآلاف، واقتصاد مناطقهم في الحضيض، وبناهم الاجتماعية متصدعة.
يفتقدون تمثيلاً سياسياً حقيقياً، لا حزب، لا مجلس ولا قيادة موحدة. يواجهون خطاباً عاماً يحمّلهم مسؤولية النظام السابق، وهو خطاب يختلط فيه الغضب السياسي بالأسطرة الطائفية.
بهذا المعنى، يشعر العلويون اليوم بأنهم مضطهدون ليس لأن أحداً يسعى لاضطهادهم، بل لأنهم في موقع الهشاشة الكاملة: هشاشة سياسية، وهشاشة اجتماعية، وهشاشة وجودية.
المرحلة المقبلة
بعد خمسين عاماً من الحكم الأمني، خرجت الطائفة من السلطة… وخرجت معها من خوف طويل. لم يكن سقوط الأسد نهاية الطائفة، بل نهاية استخدام الطائفة كدرع.
اليوم، يكتب العلويون فصلهم الأول خارج السردية الرسمية. المستقبل غامض، لكنه للمرة الأولى مفتوح أمام خيارات جديدة: لا حماية مزيفة، لا تمثيلاً وهمياً ولا دولة تتحدث باسمهم.
هناك فقط مجتمع يبحث عن مكانه الحقيقي في سوريا تُبنى من جديد.
وتقف الطائفة العلوية اليوم على عتبة إعادة تعريف كبرى: من هم؟ ما دورهم؟ وما موقعهم في سوريا جديدة تتشكل دون وصاية الأسد؟
ويمكن القول ان اللحظة الراهنة ــ رغم قسوتها ــ قد تكون الفرصة الأولى منذ قرن ليعيد العلويون تعريف أنفسهم خارج ظل السلطة، وخارج قيد الخوف.
