أعاد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، خلط الأوراق بشكل جذري داخل المشهد السوري، بعدما انتهى عهد امتدّ لأكثر من نصف قرن وترك خلفه فراغاً سياسياً وأمنياً واسعاً. هذا التحوّل فتح الباب أمام صراع جديد حول شكل الدولة ومسار العملية الانتقالية، خصوصاً ما يتعلق بوضع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي شكّلت لسنوات الكيان الأكثر تنظيماً وسيطرة شمال وشرق البلاد. ومع مرور عام كامل على تغيّر السلطة، باتت "قسد" محوراً رئيسياً في النقاش حول مستقبل وحدة سوريا، بنية الجيش الجديد، وشكل اللامركزية.
ورغم أن الاتفاق الموقع في 10 آذار/مارس 2025، بين الحكومة الانتقالية و"قسد" أعطى انطباعاً ببدء طيّ مرحلة "الكيانات الموازية"، إلا أن التطبيق على الأرض كشف عن حالة معقّدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالهواجس السياسية ورغبة الأطراف المحلية والإقليمية في تثبيت نفوذها في سورية جديدة غير مستقرة بعد.
قسد قبل السقوط
على مدى ما يقارب العقد، بنت قسد منظومة متكاملة من القوات العسكرية والأجهزة الأمنية، وتحوّلت بالتدريج إلى سلطة أمر واقع تمتلك: قوات قتالية منظّمة، جهاز أمني واسع (قوى الأمن الداخلي المعروفة بالاسايش – قوى الأمن العام وهي جهاز استخبارات)، الأمن القومي والتي يتبع لها الأمن السياسي والأمن العسكري وقوى مكافحة الإرهاب (HAT- YAT)، إدارة مدنية عرفت بالمجالس التنفيذية والمدنية و تتولى شؤون التعليم والصحة و البنية التحتية، سلطات تشريعية تُعرف بمجالس الشعوب الديمقراطية، سلطة قضائية تعرف بمجلس العدالة وموارد مالية مستقلة عبر النفط والمعابر.
هذا الواقع وهذه المجالس والسلطات ساهمت بتقوية قسد عسكريا ومعنويا وتحسين صورتها أمام المجتمع المحلي والدولي، وتعزز مع المعارك ضد تنظيم "داعش" (2016–2019) حيث استحوذت "قسد" على كميات كبيرة من الأسلحة، وامتلكت خبرة قتالية نوعية، بالتوازي مع دعم أميركي سياسي وعسكري جعلها القوة الأكثر انضباطاً مقارنة ببقية الفاعلين المحليين.
وعشية سقوط النظام السابق، كانت "قسد" تتموضع بين ثلاثة محاور متناقضة: دعم أميركي ضروري لبقائها، عداء تركي يستهدف بنيتها الأساسية وعلاقة مصلحية متوترة مع دمشق التي أبقت باب التفاهمات الضيقة مفتوحاً، دون الاعتراف السياسي بالإدارة الذاتية.
بعد السقوط: لحظة إعادة التموضع
في كانون الأول/ديسمبر 2024، وجدت "قسد" نفسها لأول مرة أمام سلطة انتقالية لا تملك الإرث العدائي نفسه، لكنها في الوقت ذاته تسعى لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية. ومع غياب دستور دائم، اتخذت المرحلة طابعاً تفاوضياً مفتوحاً: من يقود الجيش المقبل؟ ما شكل الحكم اللامركزي؟ وأي حدود للتعددية القومية والسياسية مقابل وحدة الدولة؟
بدأ حوار سياسي معلن بين مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) والحكومة الانتقالية، تزامن مع اتصالات مباشرة بين الرئيس أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، ما مهّد لاتفاق آذار، الذي تضمّن الاعتراف الرسمي بـ"قسد"، وبدء دمج قواتها ضمن الجيش السوري الجديد، والاتفاق على إدارة الدولة للموارد الرئيسية، مقابل ضمان حقوق ثقافية وسياسية للمكونات المحلية.
عام 2025: تطبيق بطيء وتناقضات مكشوفة
رغم التوقيع، ظل جوهر الخلاف قائماً. الدولة الانتقالية تريد جيشاً وطنياً بلا تشكيلات منفصلة، فيما تطالب "قسد" بدمج "كتليّ" يحافظ على تماسكها الرمزي والعقائدي. هذا التباين خلق حالة هجينة، حيث بدأت وحدات محدودة بالاندماج فعلياً، بينما بقيت قوات أخرى تعمل ضمن هياكلها السابقة تحت إشراف مزدوج.
وبالنسبة للإدارة والموارد، شكّل نقل السيطرة على حقول النفط والمعابر إلى الحكومة الانتقالية أحد أكثر التحولات حساسية، إذ أنهى استقلالية التمويل التي تمتعت بها الإدارة الذاتية لسنوات. ورغم قبول "قسد" بهذا المبدأ، فإن آليات التوزيع والصلاحيات المحلية بقيت موضع تنازع، ما أدى إلى ازدواجية سلطة في بعض المناطق، خصوصاً الحسكة والرقة.
فيما شهدت نهاية 2025، احتكاكات أمنية محدودة، أبرزها في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، بين مجموعات محلية وقوات حكومية. هذه الوقائع لم تتطور إلى صدام واسع، لكنها أكدت أن عملية الدمج لم تنضج بعد، وأن الثقة بين الطرفين لا تزال غير مستقرة.
القدرة العسكرية لقسد: تطوّر مؤثر في المعادلة
أحد أهم عناصر قوة "قسد" في المرحلة الانتقالية، هو النمو الواضح في قدراتها العسكرية مقارنة ببقية القوى، وهو تطور يعود إلى ثلاثة مصادر: مخزون السلاح المستولى عليه من داعش. الأسلحة المتوسطة، العربات المصفحة، والذخائر التي استحوذت عليها "قسد" خلال معارك 2016–2019/ وفّرت لها قاعدة تسليحية ضخمة وغير قابلة للتعويض بسهولة من أي جهة محلية أخرى.
المصدر الثاني يأتي من التسليح والدعم التقني الأميركي. فالدعم الدولي لم يقتصر على التسليح، بل شمل: شبكات اتصال وقيادة وسيطرة، تدريباً متقدماً للقوات الخاصة، وحدات استطلاع ومراقبة. هذا جعل قسد بنية عسكرية منظمة، قادرة على العمل كجيش صغير متكامل.
فيما المصدر الثالث أتى من وصول قوات "الغوريلا" من جبال قنديل. بعد اتفاق السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، انتقلت خلال النصف الأول من 2025، مجموعات من مقاتلي قنديل إلى مناطق "قسد". هذه المجموعات المتمرسة في حرب العصابات عززت: الخبرات القتالية، الانضباط التنظيمي، النفوذ السياسي للخط القندِيلي، وهو ما أضاف وزناً جديداً داخل المعادلة العسكرية لـ"قسد" وأثّر على المفاوضات مع دمشق.
حصيلة العام بين الدمج والتعايش القلق
حصلت قسد على امتيازات سياسية و قانونية أبرزها الاعتراف الرسمي بها كطرف شرعي في المفاوضات، وبدء عملية دمج عسكرية تدريجية، وتخفيض احتمالات الصدام الواسع، وتوحيد إدارة الموارد الاستراتيجية، وفتح قنوات سياسية حقيقية بين الطرفين.
ولكن ما زالت هناك أمور معلقة، كصيغة اللامركزية في الدستور الجديد، وحدود صلاحيات الإدارات المحلية، ومستقبل القيادات العسكرية داخل الجيش الموحد، وملف العدالة الانتقالية والانتهاكات السابقة، وبناء الثقة المجتمعية في مناطق التماس.
السيناريوهات المقبلة
تبدو السيناريوهات المقبلة متشعبة وغير محسومة وتتراوح بين الاندماج الكامل، أو استمرار "قسد" كجسم هجين داخل الدولة السورية، فيما السيناريو الأكثر قلقاً هو العودة إلى التوتر وما يمكن أن تصل إليه الأوضاع في حال تطورت.
ويحمل سيناريو الاندماج الكامل، تفاؤلاً أكثر مما يوحي به سير الأمور بين دمشق و"قسد". فتحوّل قسد إلى جزء طبيعي من الجيش والإدارة، مع تثبيت لامركزية موسعة داخل الدستور، لا يزال دونه عقبات كثيرة قد لا تجري حلحلتها في الفترة المنظورة المقبلة.
أما الوضع الهجين الذي تسعى إليه "قسد"، فهو يتقدم على باقي السيناريوهات. إذ كما يوحي سير الأمور، فإن "قسد" على عكس دمشق، لا تمانع استمرار ازدواجية السلطة لفترة طويلة، ريثما تتبلور صيغة سياسية نهائية للاستقرار.
فيما يمثل سيناريو العودة إلى التوتر، الكأس المرة التي يحاول الطرفان تجنبها. فاحتمال فشل الدمج نتيجة ضغوط إقليمية أو صراع داخلي على الصلاحيات، لا يزال قائما بقوة، وإذ لم يتحقق السيناروهان الأولان، فالأمور قد تتخطى التوتر بأشواط.
بعد عام على سقوط النظام السابق، يبدو واضحاً أن "قسد" ليست في طور التفكك، بل في طور إعادة التموضع داخل مشروع دولة جديدة لا تزال تتشكل. وبينما تسعى الحكومة الانتقالية لاستعادة مركزية الدولة، تحاول "قسد" الحفاظ على مكتسبات عقود من القتال والإدارة. وفي غياب دستور يحدد شكل الحكم واللامركزية، ستبقى العلاقة بين الطرفين محكومة بمعادلة دقيقة: تعاون ضروري، وثقة ناقصة.
