في ذكرى سقوط الأسد.. الأزمات المُتوارَثة مزمنة

مالك ونوسالاثنين 2025/12/08
Image-1764349665
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد مرور سنة على سقوط نظام بشار الأسد، وهروبه خارج البلاد، تبرز التحديات التي تواجه السلطة الجديدة، ومنها الأزمات القديمة المتجددة التي عانى منها الشعب السوري على مدى أكثر من نصف قرن، ولم تجِد طريقها للحل بعد لأسباب كثيرة تتعلق بطبيعتها التي تجعل منها متجذرة، من جهة، وبتلكؤ السلطة الجديدة في التصدي لطرق حلها، من جهة أخرى. 

ومن المعروف أن حافظ الأسد لم يورّث ابنه، الدكتاتور المخلوع بشار الأسد، الحكم في سوريا فحسب؛ بل أورثه أزماتٍ كثيرة، امتنع بشار بدوره عن حلها فبقيت البلاد تعاني تبعاتها طوال فترة حكمه، واستمرت هذه الأزمات والتبعات بعد هروبه. ولأن العقوبات الاقتصادية والمالية الدولية التي فُرضت على سوريا بسبب جرائمه بحق الشعب السوري، لم تُرفع بعد رحيله، تواصلت معاناة الشعب بسببها. لذلك، استمرت الأزمات السياسية والاقتصادية وأيضاً الاجتماعية التي تمظهرت إحداها في احتقان طائفي، أدى إلى استهداف طائفي دموي في الساحل، في 6 آذار/مارس الماضي، راح ضحيته الآلاف، وسبّب جرحاً في الضمير السوري قد لا يندمل لفترة طويلة. ثم ازداد الجرح عمقاً عندما تكرر الأمر، نهاية نيسان/أبريل الماضي، في الصراع الذي كان الدروز في دمشق والسويداء ضحيته.

 

توفرت خلال عهد الأسد جميع العوامل المساهمة في تصنيف سوريا دولة فاشلة، من احتلال جيوش أجنبية أجزاءً من أراضيها، وانتهاك الإسرائيليين الدائم لحدودها وأجوائها وضرب مناطق فيها، وتمرد أجزاء أخرى وخروجها عن سيطرة الدولة، ووجود قواعد عسكرية أجنبية غير شرعية على أراضيها، علاوة على عزلتها عن المجتمع الدولي وانهيار اقتصادها وعملتها، وصولاً إلى حد إفلاسها واعتماد النظام على تجارة المخدرات والخوات للإيفاء بالالتزامات الداخلية. كما انتشر الفساد الذي مَأسسه الأسد، وساعده على ذلك انهيار منظومة الأخلاق بسبب التأزم الاجتماعي. 

وقد تسبب الانهيار الاجتماعي بهشاشة السلم الأهلي في سوريا، وقابلية التفجر الطائفي والمناطقي في أي لحظة، على الرغم من مرور سنة على رحيل بشار الذي حرص على بث روح التفرقة والطائفية في نفوس السوريين، لكي يثبِّت حكمه على ضعفهم، عبر توظيفه الطائفية سلاحاً مضّاءً وذو تأثير أثبت فاعليته لدى أنظمة دكتاتورية مثل نظامه. وفي هذا الإطار، تظهر نتائج رفض ترسيخ فكرة المواطنة وسيادة الرأي الواحد، ما أدى إلى منع توليد الأفكار الحداثوية والوطنية، فتُرِك الباب مشرعاً للتجهيل ونشر الخطاب ما قبل الدولاتي، وبروز الطائفية التي أدت إلى استسهال تخوين فئات من أبناء الشعب وتكفيرها من أجل الانقضاض عليها.

 

وإذ كان هذا الأمر يُعدّ انعكاساً لفشلٍ استمر على مدى قرن من عمر الدولة السورية في تأسيس دولة طبيعية تُحقِّق مبدأ المواطنة، فإنه رسّخ منظومة الاستبداد والفكر الاستبدادي. لذلك لم يكن يظهر الخطاب والنزوع الطائفي في المجتمع السوري، على المستوى الشعبي علناً، بسبب مانع واحد هو القمع. وإذا لم يتم التخلّص من الفكر الاستبدادي ومنظومته بفرض القانون والممارسة الديمقراطية، ستستمر الخطورة في استمرار الفكر الطائفي، ومن ثم تحول هذا الفكر إلى ممارسة تؤدي إلى صراع وجودي عندما يتبنى رموز السلطة هذه الممارسة ويكرسونها عبر تبنى أشكالها. ومن هذه الأشكال إدارة الصراعات بعقلية الفزعة، بدلاً من إدارتها وفق عقلية دولة القانون، وتلك هي الورطة التي إن وقعت أي سلطة فيها، تكون قد دخلت طور التأزم.

 

انحصر دور بشار في إدارة الأزمات الجديدة والمدوَّرة من عهد والده، لأنه كان يفضل إنكارها بدلاً من معالجتها؛ إذ إن معالجةً من هذا القبيل تتطلب التشاركية، وهو ما كان يرفضه. وبعد سقوط بشار، افترض كثيرون إشراك الشعب وقواه السياسية والاجتماعية جميعاً في إدارة البلاد، لأن حل الأزمات المتوارثة يشكل حملاً ثقيلاً، لا يمكن لأي فريق سياسي تحمُّله وحده، كونه يتطلب جهد الجميع وخبراتهم وتوافقهم على مسار سياسي موحد يعترف بالمشكلات والأزمات جميعاً قبل أن يشرع في البحث عن حلول لها، أما هذا فلم يحصل حتى الآن.

 

ساد الأمل لدى كثيرين من إمكانية إعادة السياسة للمجتمع السوري، من أجل استغلال الحماس الشعبي الذي ظهر بعد سقوط النظام، والاستفادة من الدماء التي عادت إلى عروق المجتمع في أبهى مثال للتعاون بين السلطة وهذا المجتمع، للبحث في سبل إدارة البلاد عبر الكفاءات المحلية أو المهاجرة، والتي قمع النظام السابق المبادرات التي تعكس إمكاناتها، وتفرد بالقرار رافضاً أي دور أو رأي لها فيه. لذلك حين استفاق الشعب السوري من سكرة الفرح بسقوط النظام، اكتشف العدد الكبير من الأزمات التي تنتظره، واكتشف أن حل بعضها وترك الأخرى من دون حل يدخله في حلقة مفرغة بسبب ترابط هذه الأزمات ببعضها، وسيستمر بالدوران فيها إلى أن تخور قواه وتبقى هي ماثلة أمامه، وربما أمام أبنائه في السنوات المقبلة.

 

لذلك، لا يمكن الكلام عن سيادة من دون حل موضوع الاحتلال والتوصل لطريقة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، أو المشكلات التي لم يجرِ التوافق حولها مع المناطق الخارجة عن السيطرة لمنع تقسيم البلاد، علاوة على الاتفاق حول القواعد الأجنبية. كما لا يمكن حل مشكله اللاجئين والنازحين، وإبقاء مشكلة المغيبين. ولا يمكن القول إن ثمة حرية للرأي في البلاد، من دون تبني الشفافية في التعاطي العام. كما لا يمكن الحد من تصاعد النزعة الطائفية، من دون مشروع مصالحة وطنية للقضاء عليها وعلى آثارها وتبعاتها على المجتمع. ولا يمكن البت في قضية الانتهاكات في الساحل، أو أي انتهاكات أخرى، من دون تعزيز حقوق الانسان، ومن دون اعتماد العدالة الانتقالية، لإنصاف الضحايا وفرز المرتكبين عن الأبرياء، وكشف مصير المغيبين. من هنا سيكون من الصعب رفع العقوبات الأميركية والدولية إلا بعد حل المشكلات وتحقيق كثير من الشروط، وهنالك شروط لا يمكن تحقيقها في ظل هذه العقوبات. 

 

إن لم يتم البدء الجدي باعتماد دستور عصري جديد وإصلاح إداري يمنع الفساد، ويوفر البيئة المناسبة للاستثمارات المطلوبة للنهوض الاقتصادي وإعادة البناء، وتوظيف طاقات الجميع في هذا المسعى، ستبقى الأزمات مزمنةً. وبينما أودى عدم تفرغ السلطة الجديدة لحلها لانسدادٍ في البلاد، لذلك قد تستمر لسنوات عاجزة عن حلها. ويبقى الخوف أنه وكما ورثت السلطة الحالية الأزمات عن سابقتها، أن تورِّثها إلى سلطة مقبلة تهيل عليها الرمل للهروب منها، فيصبح بروزها على السطح خلال مصادفةٍ ما عاملاً مفجّراً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث