"الساعة الآن الخامسة وثمان دقائق بتوقيت دمشق، سـوريا الى الضوء".. لحظة تاريخية جديدة، "هرمنا من أجل تلك اللحظة التاريخية".. هكذا قال ذلك التونسي الطاعن في العمر غداة فرار الطاغية زين العابدين بن علي، وكأنه يختصر سواد السنين وانتظار الأزل. وها هي سوريا في فجر الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2025 تردد نفس الكلمات بصوتٍ سوري يكاد يختنق منذ أكثر من ستين عام تحت غبار الديكتاتور والخراب.
بشار سقط
ها هو السوري يخرج من تحت غبار المعارك الدونكيشوتية، وأنين غزة، وهو قادم من السجن الأحمر في صيدنايا أو ربما من فرع الخطيب، ذلك السوري يخربش فوق جدران الخوف.
بشار الأسد يفرّ تحت جنح الظلام، كفأرٍ يغادر سفينة تشرف على الغرق، بدون حرس جمهوري ينتشر من دوار عدنان المالكي، إلى منزل السيد الرئيس في المهاجرين. ذهب بشار وترك بعض ألبوم من صور، ووثائق العار، وبقايا عرش رميم.
من أين يبدأ السوريون؟ وكيف يكتبون عن "العام التالي" للطاغية، وهم لا يزالون يحملون جروح "الأمس الأول" للثورة؟ البعض يتحدث عن "المعجزة"، لكن التاريخ – كما يرصد اللبناني الكندي فريد ديب في كتابه "تاريخ سوريا المعاصر" – لا تصنع المعجزات من فراغ، بل هي محصلة تراكمات، هي ثورات صغيرة وكبيرة، انتفاضات الروح حين يطفح الكيل. سقط الأسد، لأن الشعب الذي أراد أن يقتلوه، قرر أن يحيا.
لكن وأين أحمد الشرع من هذا كله؟ سؤال مشروع يحاول السوريون التقاط الإجابات عليه منذ عام مضى في الشوارع والساحات.
يسأل الناس، وهل استطاع الرجل إخراج سوريا من عتمة الاستبداد؟ لا يكفي أن تسقط التماثيل كي تولد الأوطان. الشرع جاء كجسر بين الماضي المؤلم والمستقبل المجهول. بعد عام على فرار الأسد، حاول أن يجمع السوريين على "كلمة سواء": أن لا عودة إلى السجون، ولا إلى فروع المخابرات البغيضة.
هي الطريق طويلة، وثقل الماضي، وتركته كالثقب الأسود يبتلعان الكثير من الطاقات، والأرواح. الشرع ليس ساحراً، بل هو رجل يحاول إطفاء النار التي أوقدها الأسدان في كل بيت سوري. والسؤال هنا، هل نجح؟ النجاح في سوريا اليوم يعني أن تمشي خطوة واحدة دون أن تنفجر تحت قدميك آلاف من ألغام الماضي. وهو يمشي.
ماذا عن المستقبل؟
لم تكن أصوات الاحتفال صاخبة فجر سوريا الجديدة، كان الصمت مُثقلاً بالأحزان "الأبدية"، لتنفجر دموع النساء بين النواح والتهليل. خرج الناس من بيوتهم بحذر، كمن يستيقظ من سبات طويل، يتلمسون الجدران ليتأكدوا أنها حقيقية.
ليهرب جنود النظام السابقين، بعد أن خلعوا القبعات والرتب العسكرية، وحاولوا الذوبان في الحشود، وكأنهم يغسلون وجوههم من زمنٍ لم يعد لهم، غسلوا أيديهم من عارهم، ومن دم يوسف.
ماذا عن الأفق الآن؟ في الشمال الشرقي من نهر الفرات، والسويداء، والساحل؟
أما في الشمال الشرقي، المعضلة باقية: قوات سوريا الديمقراطية تحكم، وأنقاض "داعش" تتناثر كقصص جداتنا في ليالي الشتاء، وتركيا تتربص، ومخاوف من "فدرالية" قد تقسم لكنها ربما توحد.
الحل؟ يبدأ بالاعتراف بأن هذه الأرض سورية، وأهلها شركاء في الوطن الجديد، لا أتباعاً ولا أعداء.
وفي السويداء، حيث قلب أهل الجبل النابض بالكرامة، الذين ما زالوا يرفضون أن يكونوا رقماً في معادلة الطائفية، مطالبين بدولة الحق والقانون. أما الساحل، حيث جرت انتهاكات الربيع 2025 – بعد سقوط الأسد – من قبل ما سميت ميلشيات طائفية تحاول ملء الفراغ، فهناك الجرح الذي لم يندمل.
العودة مستحيلة
سوريا الجديدة اليوم كمن يخرج من غرفة تعذيب إلى ضوء النهار، لا يقدر أن يفتح عينيه الملتصقتين بقذى الاستبداد والبعث، يبحث عن طريقه بخطوات بدون هدىً، لكنه يدرك أن العودة إلى الغرفة مستحيلة.
اليوم، ولأول مرة منذ نصف قرن، يمكن للسوري أن يختار اتجاه خطوته. وهذا في حد ذاته، انتصار، بعد أن أظهرت فيديوهات الأسد ومستشارته، الإعلامية الساحرة، برغم كل ضحكاته المتعالية، على السوريين وضباطه، وعلى كفر بطنا، وحتى على أبيه.. كم بدا مهزوماً.
