بين التفاؤل والقلق من المستقبل، جاءت أحاديث بعض الفاعلين السياسيين والحقوقيين والصحافيين الذين استضافتهم "المدن"، حول واقع الحياة السياسية والحريات العامة، محملة برسائل عميقة، إذ تحتاج سوريا الجديدة بعد مضي عام على سقوط النظام، إلى قوانين تنظم وتحمي العمل الحزبي والإعلامي وتكفل الحريات العامة، بالموازاة مع قبول السلطة بتحقيق تشاركية حقيقية في إدارة المرحلة الانتقالية.
حالة تأسيسية في العام الماضي
وفي هذا الصدد، يلفت الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان، إلى وجود ملفات كثيرة بعد سقوط النظام يعاد ترتيبها، بينها الحياة السياسية، مؤكداً لـ"المدن"، عدم انتظام العمل السياسي داخل البلاد، لكنه في مرحلة تعافي كبيرة على مستوى الأفكار واللقاءات والاجتماعات التي تعقد للقوى السياسية ومراكز الدراسات والمجتمع المدني، وهي حالة تأسيسية يمكن أن يُبنى عليها.
ويشير علوان إلى أن ما يُحسب للحكومة السورية، هو تشجيعها الكبير لعقد ورشات العمل واللقاءات والندوات خلال العام الماضي، مؤكداً مشاركة الخارجية السورية ومؤسسات حكومية عدة في ورشات العمل التي كان يقيمها مركز جسور للدراسات للحوار حول الحياة السياسية والمجتمع المدني.
سوريا تفتقر إلى الحريات السياسية
من جانبه، يلاحظ المحلل السياسي درويش خليفة، في حديثه لـ"المدن"، أن القوى السياسية بعد قرار حلّ الأحزاب، لا تزال عاجزة عن تشكيل لجنة من خبراء سياسيين لوضع قانون أحزاب جديد، يتيح لها ممارسة نشاطها وتأسيس تحالفات سياسية فعلية.
ويضيف أن سوريا لا تزال تفتقر إلى الحريات السياسية؛ فالنقابات والاتحادات والهيئات الوطنية تُعيَّن قياداتها من قبل السلطة، ما يقلّص دورها الوطني ويحوّلها إلى أدوات تابعة لها.
ويؤكد أنه بعد عام كامل على سقوط النظام السابق، يصبح من الضروري فتح المجال لتنشيط الحياة السياسية وتشكيل تحالفات حزبية جديدة تقدّم رؤاها للمرحلة المقبلة، معتبراً أن إطلاق الحياة السياسية ينقل الصراع من ساحات الانقسام الطائفي والقومي نحو إطار مدني يعتمد المنافسة السياسية، ما يخفّض منسوب الكراهية، ويعزّز الوعي العام، ويمنح السوريين أدوات واقعية لإدارة خلافاتهم.
التصحيح السياسي يبدأ من الاقتصاد
تمر الحياة السياسية في سوريا الجديدة بمراحلها البدائية، وهي تحتاج إلى جهد ووقت لتنشأ بشكل حقيقي، خصوصاً وأن تشكيل الأحزاب مرتبط بشكل وثيق بالوضع الاقتصادي كون الأحزاب بحاجة إلى طبقتين وسطى وبرجوازية وطنية، الأولى تكاد تكون معدومة، بينما حطم نظام الأسد الطبقة البرجوازية على مدار السنوات الماضية، بحسب حديث مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني.
ويرى عبد الغني في حديث لـ"المدن"، أن هاتين الطبقتين تشكلان روافع العمل السياسي، عبر وجود رأسمال وطني يدعم الحراك السياسي، ولقاءات وتجمعات تناقش الأفكار السياسية.
ومع مرور عام على سقوط الأسد، يؤكد عبد الغني أن المركزية كانت سمة بارزة فيه، بذريعة أنها يمكن أن تضبط الأوضاع في البلاد، علماً أن التشاركية ودمج المكونات السورية هي الأصلح لضبط حالة الفوضى في المرحلة الانتقالية.
وبناءً عليه، يعرب عبد الغني عن أمله بتصحيح المسار في العام المقبل، عبر تخفيف المركزية وتوسيع التشاركية والتعددية السياسية، مطالباً بمزيد من الحريات والانفتاح والتشاركية، وهي، برأيه، مطالب في حدود الممكن بالنسبة للسلطة السورية.
تحديات وتطلعات
وبالرغم من الانفتاح النسبي، تواجه الحياة السياسية تحديات كبيرة، أبرزها غياب قوانين واضحة، وانتظار أعمال مجلس الشعب المعين الذي يفتقر أصلا إلى الأحزاب والمنافسة والبرامج الفعلية، وغياب البنية السياسية المؤسسية، فضلاً عن تردد المؤسسات الانتقالية في إطلاق عملية سياسية منظمة وانعدام الحوار الوطني، بالتوازي مع ضعف الحريات العامة كونها غير محمية قانونياً أو قضائياً، ما يجعلها عرضة للتراجع عند أي توتر سياسي أو أمني، وفقاً لحديث الناشط المهتم بالشأن العام والتنظيم المدني، ورئيس المجلس المحلي في حلب الحرة سابقاً، بريتا حاجي حسن لـ"المدن".
في المقابل، يرصد حسن مؤشرات إيجابية مثل عودة تدريجية للحياة المدنية وظهور المبادرات المحلية. لكن رغم كل التطلعات، يرى حسن أنه لا توجد حتى الآن مقومات حقيقية تجعل الوضع أفضل، مؤكداً أن التحول الفعلي يعتمد على مدى تحقق تشاركية حقيقية في إدارة المرحلة الانتقالية، فإذا تم إصدار قانون أحزاب عصري، بالموازاة مع استقلال القضاء وحماية الإعلام الحر، وضبط القوى الأمنية ضمن سلطة مدنية، ووجود دستور عصري، فقد يكون العام المقبل فرصة لتشكيل مشهد سياسي تعددي لأول مرة منذ عقود.
أما إذا بقيت الإدارة الانتقالية شكلية ومحصورة في دوائر ضيقة بلا مشاركة فعالة من المجتمع، وبدون أدنى شفافية، فسيستمر الوضع على حاله، ولن يحدث أي تقدم ملموس، وسيُهدَر رصيد الثورة.
صورة قاتمة
أما عضو التحالف السوري الديمقراطي محمد شكيب الخالد، فيقدم صورة قاتمة عن الوضع في العام الماضي، حيث قامت الأمانة العامة للشؤون السياسية باحتكار الحياة السياسية والسيطرة واستخدام كل ممتلكات حزب البعث وأحزاب الجبهة لصالحها، وأوعزت لكل المنشآت الخاصة بمنع استقبال أي فعالية سياسية دون موافقة الأمانة العامة، مؤكداً لـِ "المدن"، أن "ما يجري اليوم هو نفس خطوات بشار الأسد عندما بنى دولته الأمنية الاستبدادية". ويرى أنه "في حال استمرت عقلية السلطة الحالية بذات المنحى، فنحن أمام نظام استبدادي جديد يتم تأسيسه".
قانون إعلام مرتقب
وخلافاً لحديث الخالد، يرى الصحافي محمد العويد، أن سقف الحياة السياسية والحريات العامة كان مرتفعاً جداً في العام الماضي، ملمحاً خلال حديث لـِ "المدن"، إلى أنه آن الأوان للوصول إلى توافقات تخص هذين الملفين، مثل مدونات السلوك والقوانين الناظمة للأحزاب والإعلام، لضبط حالة الانفلات غير المسبوقة، خصوصاً المتعلقة بخطاب الكراهية المتفشي بلا حدود.
وبتقدير العويد، فإن القادم أفضل، حيث يتم وضع اللمسات الأخيرة على مدونة سلوك للعمل الإعلامي توافق عليها عدد كبير من الإعلاميين والمؤسسات، ستوضع بين يدي مجلس النواب الجديد حين يكتمل، ما يعني الذهاب نحو قانون إعلام يصب في صالح الجميع.
