يمثّل العام الفاصل بين سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، ونهاية كانون الأول/ ديسمبر 2025، المرحلة الأكثر تعقيداً في تاريخ الدولة السورية الحديث، ليس فقط لأنها سنة انتقال سياسي غير مسبوق؛ بل لأنها كشفت لأول مرة حجم التشظي البنيوي الذي أصاب الجسد العسكري والأمني خلال سنوات الحرب الطويلة. إذ بدا واضحاً أن الدولة الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، ورثت فضاءً مسلحاً متعدد الطبقات، يتجاوز بكثير قدرة أي سلطة انتقالية على إعادة هندسته بسرعة، ويكشف عن بنية أمنية متراكبة تحوّلت فيها القوة المسلحة من احتكار الدولة إلى شبكة اقتصادات محلية وعابرة للحدود. ولذلك يُمكن قراءة هذا العام بوصفه عام التشريح الذي تظهر فيه البنى كما هي، لا كما يفترض أن تكون، بحكم وجود عدة تحديات، وتنكشف فيه العلاقات بين القوى العسكرية والأمنية والمجتمعات المحلية والدول المجاورة قبل أن تبدأ عملية إعادة البناء الفعلية.
شكّلت الضربات الإسرائيلية في كانون الأول/ديسمبر 2024، لحظة الانهيار الأكبر للقدرة العسكرية للدولة السورية منذ الأيام الأولى للحرب، ليس فقط لأنها دمّرت ما تبقى من شبكة الدفاع الجوي والمنصات البحرية وبنى القيادة والسيطرة، بل لأنها أنهت بصورة نهائية الوهم بأن جيشاً مركزياً لا يزال قائماً بعد سقوط نظام الأسد. لقد تجاوزت إسرائيل منطق الضربات العقابية إلى هندسة فراغ بنيوي كامل في الجنوب السوري، إذ نزعت من الجيش الجديد مقومات الحركة والمراقبة والردع، وحوّلت الجغرافيا الممتدة من القنيطرة إلى بيت جن ووادي اليرموك إلى مختبر أمني مُدار بعناية، تتحكم فيه عبر الاغتيالات الدقيقة، والتوغلات المحدودة، والسيادة الجوية بالطائرات المسيّرة، وشبكات المخبرين المحليين التي تتيح لها إعادة تشكيل ميزان القوى داخل كل قرية وحاجز ومسار تهريب.
وفي هذا المشهد ما بعد الأسد، لا تسعى إسرائيل إلى احتلال الأرض فقط، بل إلى ضبط السلوك الأمني في المنطقة بما يتناسب مع عقليتها الأمنية والدينية؛ فهي تريد منع تبلور أي قوة مسلحة قادرة على تشكيل تهديد حدودي، وإعاقة أي محاولة للحكومة السورية الجديدة لإعادة بناء كتلة عسكرية صلبة في الجنوب، وفرض نمط أمني قابل للتنبؤ من خلال الضغط العسكري، والغارات التكتيكية، واستثمار التشققات الطائفية، بحيث يبقى الجنوب كثيف التجزؤ إلى درجة تمنع تشكّل تهديد عسكري موحد. وبذلك، تحوّل التدخل الإسرائيلي من رد فعل عسكري إلى سياسة هندسة أمنية عميقة، تستهدف إعادة تعريف شروط القوة وحدود السيادة السورية في الجنوب لسنوات مقبلة.
تفكك الجسد العسكري
أظهر عامٌ كامل أن سقوط النظام السابق لم يفضِ إلى انتقال تلقائي للقوة المسلحة نحو مركز سياسي-عسكري جديد، بل سمح بانكشاف طبقات متوازية من التشكيلات العسكرية التي كانت تتعايش سابقاً تحت غطاء مؤسسة واحدة اسماً (الجيش العربي السوري)، لكنها عملياً كانت تعمل وفق منطق الولاءات المناطقية والطائفية والتمويلية. فقد تكشف أن الجيش الذي استلمته الحكومة الجديدة ليس مؤسسة موحدة قابلة لإعادة الهيكلة ببساطة، بل جماعات تضم وحدات مركزية كانت لا تزال تمتلك حداً معقولاً من الخبرة والانضباط، وتشكيلات شبه نظامية نشأت خلال الحرب وتحولت لاحقاً إلى قوى محلية تمتلك نفوذاً عسكرياً واقتصادياً، إضافة إلى هامش واسع من الجماعات المسلحة غير المنضبطة التي تتغذى على شبكات التهريب والمصالح المحلية والتحالفات العابرة للحدود.
في هذا المشهد، بدت محاولة الحكومة الجديدة لإعادة بناء الجيش كمؤسسة وطنية عملية أشبه بتعبئة فراغ هائل لا يمكن ملؤه سريعاً، وأصبح من الواجب لململة الغرف العسكرية ضمن بنية واحدة لسد الفراغ العسكري والأمني بعد هروب عناصر جيش الأسد وتركهم القطع العسكرية فارغة. وبالتالي صارت كل خطوة لإعادة الانتشار أو لنزع سلاح فصيل ما، بمثابة تفاوض بين مراكز قوى محلية وقادة عسكريين سابقين وشيوخ عشائر وجهات خارجية. ولذلك تشكّل هيكل عسكري متعدد الدوائر فيه نواة مركزية تحاول الدولة تعزيزها لتأمين العاصمة والمقار السيادية؛ وحزام واسع من الوحدات المحلية التي أُعطيت غطاءً قانونياً مؤقتاً على أمل دمجها تدريجياً؛ وهامش فوضوي يتحرك خارج أي ضبط مؤسسي ويعيد إنتاج نفسه وفق منطق الربح والخسارة والهشاشة الأمنية في الأطراف.
هذا التفكك البنيوي خلق معضلة مركزية، إذ لا يمكن للحكومة أن تُطلق عملية دمج أو إعادة هيكلة قبل فهم شبكة المصالح والولاءات التي تحكم انتشار السلاح، ولا يمكنها تحقيق استقرار فعلي دون قدر من السيطرة على السلاح الثقيل والمتوسط، وهو ما جعل العام 2025 عاماً يوازن فيه النظام الجديد بين الرغبة في استعادة هيبة الدولة والخشية من إشعال خطوط نزاع جديدة مع القوى المحلية المسلحة.
في الأسابيع الثلاثة التي تلت سقوط النظام، بين 15 كانون الأول/ ديسمبر 2024 و10 كانون الثاني/ يناير 2025 تقريباً، تَعرّضت منظومة السلاح السورية لتدمير واسع من قبل إسرائيل عبر تنفيذ حوالي 50 غارة ضد أهداف عسكرية سورية بهدف مع استخدمها من قبل الإدارة الجديدة؛ إذ تشير تقديرات إلى أن ما يقارب الـ60 في المئة من مخازن الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في الألوية المنتشرة خارج دمشق وحمص وحماة، خرجت عن السيطرة المباشرة للدولة خلال الشهر الأول، وأن جميع وحدات المدفعية الميدانية ووحدات سلاح الجو الحربية في الجنوب والشمال تدمرت، أو تشرذمت بين فصائل وأبناء المناطق القريبة أو تم بيعها في سوق السلاح العابر للحدود الممتد نحو لبنان والأردن والعراق.
تحرك لإنقاذ ما تبقى
بين كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس 2025، حاولت الحكومة الجديدة أن تتحرك بسرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فبدأت في شباط/ فبراير 2025، بإعادة هيكلة المنظومات الدفاعية كجسم مركزي يتولى جرد المخازن وإعادة توزيع الألوية، تزامناً مع إطلاق عفو سلاح يمنح الجماعات المحلية مهلة شهرين لتسليم الأسلحة الثقيلة مقابل تعويضات مالية وتسهيلات قانونية، وقد أظهرت بيانات الهيئة في تقريرها الأول في نهاية آذار 2025 أن الدولة تمكنت من استعادة السيطرة على نحو 45 في المئة من الأسلحة التي تم نهبها خلال الأيام الأولى للتحرير، واستعادت منصات المدفعية وقرابة 55 في المئة من مستودعات الذخيرة الثقيلة في الوسط والساحل، بينما بقيت مناطق الجنوب والشمال الشرقي الأكثر تعقيداً، حيث لم تتجاوز نسبة الاستعادة المباشرة هناك 20 إلى 25 في المئة من القدرات السابقة.
من نيسان/ أبريل إلى آب/ أغسطس 2025، تحوّلت جبهة السلاح إلى سباق مع الزمن؛ إذ بدأت عمليات ميدانية محدودة لإعادة تأهيل مواقع دفاع جوي في ريف حمص الغربي، واستعادة بعض بطاريات "سام" التي كانت في طور التعطيل أو البيع في السوق السوداء، مع دمج وحدات من الجيش السابق في ثلاث قيادات إقليمية جديدة هي قيادة شمالية وقيادة وسطى وقيادة جنوبية، بحيث جرى اعتبار أن أي سلاح ثقيل خارج هذه القيادات هو سلاح خارج الشرعية. في تقرير آب/أغسطس 2025 الذي تسرّبت بعض أرقامه إلى الإعلام، أشير إلى أن الحكومة أعادت هيكلة ما يقارب 55 كتيبة مدفعية ودرع ودمجها في الجيش الجديد، مقابل حلّ أو تجميد 30 كتيبة وتشكيل قديم كان يشكل واجهات لاقتصاد سلاح موازٍ.
تبعت مؤتمر الفصائل الذي ترأسه أحمد الشرع، في كانون الثاني/يناير 2025، عمليات دمج الفصائل ضمن جسد عسكري واحد يضمن فاعلية أكثر على مستوى التنسيق والتسليح والتمويل وما شابه. بهذا، شهدت سوريا منذ كانون الأول 2024، أكبر عملية لإعادة هيكلة وزارة الدفاع، بدأت بترقية وزير الدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس الأركان علي نور الدين النعسان إلى رتبة لواء، إضافة إلى ترقية خمسة ضباط إلى رتبة عميد واثنين وأربعين ضابطاً إلى رتبة عقيد، في خطوة أسست لجيش جديد قائم على دمج فصائل الجيش الوطني والفصائل الثورية في عشرين فرقة عسكرية. وزِّعت هذه الفرق وفق الجغرافيا الميدانية وبقوام تقديري يبلغ نحو اثني عشر ألف مقاتل لكل فرقة، لتشكّل في مجموعها نحو 240 ألف مقاتل ضمن الهيكل الجديد، وتتولى لجنة إعادة الهيكلة الإشراف على عملية الدمج وضبط الألوية.
توزيع الفرق العسكرية
توزعت الفرق بحيث تكون فرقة دمشق بقيادة العميد عمر جفتشي، والفرقة الثانية في الكسوة بجنوب دمشق من قوام الجبهة الوطنية للتحرير، والفرقة 76 في حلب بقيادة العميد سيف الدين بولاد، وفرقة إدلب بقيادة محمد غريب (أبو أسد الحوراني)، والفرقة 52 المؤقتة في حمص بقيادة العميد هيثم العلي، والفرقة 70 في ريف دمشق قيد التشكيل بقيادات من الجيش الوطني، والفرقة 103 في حمص بقيادة العلي أيضاً، والفرقة 60 في حلب بقيادة صالح عموري، والفرقة 62 في حماة بقيادة العميد محمد جاسم، والفرقة 74 في حماة بقيادة العميد جميل الصالح، والفرقة 25 في طور التشكيل، والفرقة 40 في درعا بقيادة بنيان الحريري، والفرقة 66 في دير الزور بقيادة العميد أحمد المحمد، والفرقتان 72 و80 في حلب بقيادات جديدة من فصائل الجيش الوطني، والفرقة 86 في الحسكة والرقة ودير الزور بقيادة أحمد الهايس، والفرقة 42 والفرقة 118 في تدمر وشرق حمص بقيادة رائد عرب وإسماعيل العمر، والفرقة 50 التي نفذت تدريبات خاصة في أيار/مايو 2025، والفرقة 56 في طرطوس وما تزال قيد التشكيل.
إلا أنه على الرغم من سير العملية بانسيابية وبدون منغصات أمنية وعسكرية ونزاعات شخصية على المناصب، ولا سيما بين القادة الأوائل في معركة ردع العدوان، تواجه عملية الدمج تحديات حادة على المستويات العقائدية بسبب التباين الفكري بين الفصائل، والسياسية المتعلقة بتحديد حدود العلاقة المدنية والعسكرية والاقتصادية، نظراً لضخامة الكلفة التشغيلية التي تصل إلى مليار ونصف دولار شهرياً، إضافة إلى التحدي القانوني المرتبط بوضع منظومة محاسبة واضحة. كما تبقى معضلة 150 ألف جندي وضابط سُرّحوا بعد حل الجيش السابق واحدة من أخطر الملفات، إذ قد يؤدي تركهم دون دمج أو برامج استيعاب إلى انجرافهم نحو ميليشيات متنافسة مثل "قسد" أو فلول النظام في السويداء والساحل، ما يجعل مسار الهيكلة رهيناً بقدرة الحكومة على تحويل هذا الكم الهائل من القوى العسكرية المتنوعة إلى جيش موحّد ذي عقيدة واضحة ومركزية ضابطة.
ملف المقاتلين الأجانب
يبرز التحدي الأكبر في مسار هيكلة الجيش السوري الجديد في ملف المقاتلين الأجانب، ولا سيما المجموعات الفرنسية والأوزبكية والشيشانية التي ترسخت داخل الشمال السوري خلال سنوات الثورة وشكّلت شبكات قتال مغلقة تمتلك عقيدة مختلفة تماماً عن العقيدة العسكرية الوطنية. فهذه الفصائل العابرة للحدود لا ترتبط بحواضن محلية، ولا تخضع لسلطة اجتماعية سورية يمكن أن تضبط سلوكها، كما أنّها طوّرت اقتصاداً خاصاً بها، وأنماط تجنيد وتدريب لا تنسجم مع أي بنية جيش نظامي. ويكمن الخطر في أن هذه المجموعات ترى نفسها جزءاً من مشروع جهادي عالمي، ما يجعل دمجها شبه مستحيل، وتسريحها دون معالجة أمنية وقانونية دقيقة أمراً قد يفتح الباب أمام إعادة تموضعها في جيوب قتالية غير خاضعة للدولة أو بيع خبراتها وشبكاتها لقوى خارجية. أما التحدي الأشد حساسية فيتمثل في الملف الفرنسي تحديداً، لا سيما بعد أزمة مخيم الفرنسيين الذي يتزعمه عمر ديابي، والإشكال الأمني الذي حصل في المخيم، إذ يرتبط سياسياً ودبلوماسياً بعواصم أوروبية تراقب مصير مواطنيها المقاتلين، بينما يحتفظ الأوزبكيون ببنية عقائدية مغلقة وولاءات تتجاوز الجغرافيا السورية. لذلك يصبح هذا الملف نقطة الاختبار الأخطر أمام الحكومة الجديدة، لأن أي مقاربة خاطئة قد تؤدي إلى انفجارات أمنية داخل مناطق الدمج، أو إلى خلق جزر صلبة من المقاتلين الأجانب يصعب تفكيكها لاحقاً، مما يهدد مسار الهيكلة برمّته.
خريطة التسليح واحتكار السلاح
على المستوى التسليحي، عاشت سوريا خلال هذه الفترة حالة فريدة من إعادة توزيع السلاح بدل نزعه، حيث بدا واضحاً أن السلاح الذي تراكم خلال 14 عاماً من التسليح والاستقطاب العسكري والحرب، لم يعد مجرد أدوات قتال، بل تحول إلى رصيد سياسي واقتصادي واجتماعي، يضمن بقاء جماعات محلية ويحمي مصالحها ويحدد موقعها التفاوضي داخل المشهد الجديد. ولهذا فشلت كل مقاربة تقوم على فكرة استلام السلاح مقابل الاندماج لأن المجموعات المسلحة لم تعد ترى في السلاح عبئاً، بل رأس مال يصعب الاستغناء عنه.
كان على القيادة الجديدة التعامل مع ثلاث حقائق كبرى، وهي أن السلاح منتشر في كل مكان، من مخازن كانت تُدار لصالح النظام السابق، إلى مستودعات فصائل المعارضة، إلى بيوت أفراد وشبكات تهريب متجذرة في الجنوب والشمال والشرق؛ وأن تجارة السلاح صارت اقتصاداً قائماً بذاته، يضم تجاراً ووسطاء وضباط ارتباط محليين، ما جعل ملف نزع السلاح مرتبطاً بالاقتصاد أكثر من ارتباطه بالأمن؛ وأن السلاح بالنسبة للمجتمعات المحلية، خصوصاً في الأطراف، لم يعد أداة ردع عدوان فحسب بل ضمانة وجود، وشرطاً للحماية في بيئة لا تزال الدولة فيها غير قادرة على توفير الأمن الكامل.
هذه الحقائق جعلت الدولة الجديدة تعتمد نمط تسويات هجين، يتراوح بين تسجيل السلاح بدل مصادرته، إنشاء مخازن مشتركة تديرها لجان أمنية محلية، أو قبول وجود السلاح الفردي مقابل حصر السلاح المتوسط والثقيل بيد القوات المركزية. ورغم نجاح هذه المقاربة نسبياً في المدن الكبرى، إلا أنها بقيت عاجزة عن فرض نفسها في الريف الجنوبي والشرقي حيث بقي السلاح والتهريب جزءاً من بنية الحياة اليومية، ومصدراً لاستمرار الفاعلين المحليين.
نفذت الدولة عدة عمليات في مسار احتكار السلاح والعنف في البلاد، إذ تحوّل السلاح في سوريا بعد سقوط النظام إلى سوق سوداء واسعة تتحكم فيها الميليشيات والوسطاء المحليون، بحيث أصبحت القوة موزعة على شبكات مجزأة تتصرف كسلطات ظل، تمارس حماية مشروطة وتستخلص الموارد خارج أي إطار قانوني أو وطني. هذا التفكك ألغى احتكار الدولة للعنف، وحوّل السلاح إلى سلعة تحكمها منطق الربح والمصلحة الخاصة، لا متطلبات الأمن العام. وفي ظل غياب الضوابط، حلّت قواعد العصابات محل القانون، وباتت حماية المجتمع تجارة قائمة على استمرار الفوضى.
في المقابل، يُظهر النموذج الديمقراطي معنى احتكار العنف بوصفه حقاً مشروعاً مرتبطاً بالعقد الاجتماعي، حيث تحتكر مؤسسات الدولة وحدها استخدام القوة تحت رقابة دستورية وتشريعية صارمة، وتُمنع أي جهة أخرى من حيازة السلاح أو تشغيله خارج هذا الإطار. ومن هنا يصبح التحدي المركزي للدولة السورية الجديدة هو استعادة الاحتكار الشرعي للسلاح، ليس باعتباره أداة للهيمنة، بل كشرط لبناء دولة حديثة قادرة على ضبط الفضاء الأمني، إنهاء اقتصاد العنف، وتفكيك السلطات الموازية التي كرّستها الحرب. هذا الاحتكار ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة بنيويّة لإغلاق السوق السوداء، دمج أو تفكيك المجموعات المسلحة، وإعادة تعريف العنف باعتباره وظيفة قانونية للدولة وحدها، وليس مورداً للميليشيات أو مساراً للقوة خارج الشرعية.
الأجهزة الأمنية وتنافس مراكز إنتاج المعلومة
على صعيد آخر، لم تكن المشكلة الأمنية خلال هذا العام مجرد وجود جماعات مسلحة تتعاون مع حزب الله أو الفصائل الفلسطينية أو إيران، أو خلايا داعش نائمة، بل في تعدد الجهات التي تعتبر نفسها صاحبة حق في إنتاج التعريف الأمني من خلال من هو المهدد؟ ومن يملك شرعية التدخل؟ وما هي حدود القوة المسموح باستخدامها؟ ورثت الحكومة الحالية جهازين كبيرين من النظام السابق هما أمن الدولة والاستخبارات العسكرية، وكليهما يحمل تاريخاً طويلاً من الانتهاكات بحق السوريين، إضافة إلى بنية بيروقراطية غير قابلة للإصلاح السريع. وفي المقابل ظهرت أجهزة جديدة، محلية أو حكومية (الأمن العام وجهاز الاستخبارات)، تحاول أن تبني شرعيتها على قطيعة مع الماضي لكنها تعمل في بيئة مضطربة مليئة بالميليشيات وشبكات التجسس الدولية وشبكات المعلومات.
في هذا السياق، أصبح اقتصاد المعلومة الأمنية هو العملة الأكثر تداولاً، حيث ظهرت شبكات من المخبرين والوجهاء والوسطاء الذين يقدمون معلومات لأجهزة متعددة، وأحياناً لجهات خارجية، ويستخدمون هذه المعلومات لتصفية حسابات محلية أو تعزيز نفوذ سياسي أو أمني. وأدى ذلك إلى خلق بيئة أمنية متداخلة تتنافس فيها أجهزة الدولة المركزية مع الأجهزة الموازية التابعة لفصائل محلية، ومع شبكات مرتبطة بإسرائيل أو إيران أو أطراف عربية، بحيث لا تُبنى القرارات الأمنية على معلومات موحدة، بل على روايات متصارعة.
وهذا التعدد جعل الأمن مسألة تفاوض أكثر مما هو إجراء تقني، وولّد حالة عدم يقين دائم في الأطراف، حيث تواصلت الاغتيالات والانفجارات مجهولة المصدر، راح ضحيتها قادة مثل علاء الدين أيوب (الفاروق) في حلب في آب/أغسطس 2025، وانفجارات مثل حادثة حي المزة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، فيما بقيت المدن الكبرى أكثر استقراراً بفضل انتشار الشرطة بدل الميليشيات، لكن مع بقاء القلق الشعبي تجاه أي مظهر من مظاهر عودة القبضة الأمنية.
تمثّل مشاركة الحكومة السورية الجديدة في التحالف الدولي ضد الإرهاب بالرقم 90، نقطة تحوّل في إعادة تعريف علاقتها بالفصائل الإسلامية المسلحة وإعادة بناء مفهوم احتكار العنف. فقد تُرجمت هذه الالتزامات إلى حملات أمنية محلية متصاعدة، مثل عمليات في كناكر التابعة لريف دمشق، في أيلول وكانون الأول 2025، التي استهدفت الشبكات الإسلامية المتجذّرة والفاعلين الهجينين. وتكشف هذه العمليات عن سعي الدولة إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية عبر تفكيك اقتصاد السلاح غير الرسمي، وضبط الحدود، ونقل العنف المنظم من يد الميليشيات إلى مؤسسات الدولة. غير أن هذا المسار يظل معقداً، إذ تُظهر كل عملية حجم التشابكات الاجتماعية والاستخباراتية التي تراكمت خلال سنوات الفوضى، مقابل جهاز أمني لا يزال في طور إعادة التشكيل. ومع ذلك، يمثّل هذا النهج الأمني الحازم خطوة أولى لاستعادة احتكار العنف الشرعي وبناء مؤسسة أمنية قادرة على تلبية الالتزامات الدولية وإدارة المشهد المتشظي لما بعد سقوط النظام.
الجنوب السوري كحقل اختبار
شكّل الجنوب السوري، مساحة اختبار حقيقية لتحوّل قواعد الاشتباك بعد سقوط نظام الأسد. فإسرائيل التي كانت تعتمد لعقد كامل على ضربات جوية منتظمة ودقيقة لا سيما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، انتقلت بعد 2024 إلى نمط عملياتي أكثر جرأة، تضمن عمليات توغل برية وإنزالات جوية داخل الأراضي السورية، واستهداف قيادات محلية أو مستودعات سلاح واعتقال سوريين عبر عمليات خاصة مباشرة مثل عملية بيت جن، إضافة إلى استخدام مكثف للطائرات المسيّرة وشبكات التجسس المحلية لضرب مقرات قيادية مثل مقر هيئة الأركان في ساحة الأمويين. هذا التحول لم يكن تعبيراً عن رغبة إسرائيل في التصعيد فقط، بل انعكاساً لضعف السيطرة المركزية السورية، وتنافس الفاعلين المحليين، وتضخم شبكات تهريب السلاح التي تصل بين الجنوب والسويداء والبادية.
بالنسبة للحكومة الجديدة، شكّل الجنوب معضلة مزدوجة؛ فمن جهة يجب إثبات أن الدولة قادرة على حماية حدودها ومنع اختراقها، ومن جهة أخرى لا تستطيع الدخول في مواجهة مفتوحة لا تمتلك لها مقومات الردع أو الدعم الدولي. ولذلك اتجهت إلى بناء منظومة ردع ناقص تعتمد على تفاهمات محلية مع القوى المجتمعية والعسكرية، وعلى نشر وحدات نظامية صغيرة رمزية أكثر مما هي قوية، مع محاولة استيعاب القوى المحلية ضمن هياكل الأمن العام أو الشرطة العسكرية. إلا أن هشاشة هذه البنية ووجود قوى درزية مسلحة خارج السيطرة المركزية لا سيما تشكيلات الحرس الوطني التابع للشيخ حكمت الهجري، وإصرار تل أبيب على إقحام حماية الدروز في خطاباتها، جعل الجنوب أكثر المناطق حساسية، وأكثرها عرضة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك الإسرائيلية والسورية على حد سواء.
معضلة السويداء
شهدت السويداء مع سقوط النظام والشهر الذي تلا سقوطه، تفكك البنية التقليدية التي ارتكزت على مشيخة العقل والفصائل المحلية والوجود الأمني الشكلي للدولة، وتعمّق الفراغ المرجعي مع تراجع نفوذ الشيخ حكمت الهجري وصعود أصوات شابة تتهم المشايخ بالفساد والتواطؤ، ما أدخل المحافظة في مسار قطيعة مع الإدارة الجديدة.
بلغ التوتر ذروته في تموز/يوليو 2025، حين أقام بدو المطلّة حاجزاً على طريق دمشق-السويداء، فتحوّل إلى أداة ابتزاز طائفي وسياسي شلّ الحياة في المحافظة. وفي 12 تموز فجّرت حادثة تعذيب تاجر درزي على الحاجز سلسلة خطف متبادلة، استغلتها الإدارة الانتقالية لشنّ عملية عسكرية على ريف السويداء الغربي بدعم فصائل عشائرية. وبين 15 و16 تموز وقع هجوم واسع بالدبابات والمدفعية والدرونات انتهى بمجزرة تجاوز ضحاياها 500 مدني قبل انسحاب القوات تحت ضغط المقاومة المحلية والغارات الإسرائيلية. في 17 تموز، أطلقت العشائر حملة تضليل إعلامي رافقها استقدام "فزعة العشائر العربية" من مختلف مناطق سوريا، في تحشيد منظم كشف خطة بديلة للهجوم. وبعد اشتباكات عدة، فُرض وقف إطلاق النار بوساطة دولية، وانسحبت العشائر من دون تحقيق أي مكاسب. كرّست الأحداث اعتماد الإدارة على الحشد العشائري كأداة قتال رخيصة، لكنها أظهرت هشاشتها وعمّقت القطيعة مع السويداء، التي خرجت منهكة من هجوم مزدوج من القوات النظامية والفزعات العشائرية.
لاحقاً، ظهر الحرس الوطني في السويداء كقوة أهلية جديدة لاستعادة الأمن، واستقطب خلال أشهر نحو 1500–3000 مقاتل، ليصبح القوة الأكثر تماسكاً في المحافظة. لكن مسار الدمج بقي محدوداً (20–25٪ فقط)، ما أبقى السويداء في منطقة رمادية بين الدولة واللادولة، محكومة بمعادلة أمن ذاتي هش واحتمالات انفجار داخلي دائم كان أخرها هجمات راح ضحيتها الشيخ ماهر فلحوط و رائد المتني.
ملف الساحل
دخل الساحل السوري عام 2025، في حالة تفكك أمني حاد بعد سقوط النظام السابق، إذ انهارت الأجهزة العسكرية التي كانت تُشكّل العمود الصلب للمنطقة، وعلى رأسها الهياكل الرديفة وشبكات التسلح المحلي المرتبطة بالأجهزة السابقة. هذا الانهيار أنتج فراغاً واسعاً برز منذ كانون الثاني حتى شباط 2025، حيث ظهرت تشكيلات مسلحة محلية في ريف اللاذقية وجبلة وطرطوس، بعضها ورث سلاحه من الميليشيات السابقة، وبعضها تشكّل حول قادة محليين امتلكوا مخازن أسلحة وعناصر منحلّة. وبدأت هذه المجموعات بإنشاء حواجز ونقاط نفوذ دون أي سلسلة قيادة مركزية.
بين آذار وأيار 2025، تصاعدت الاشتباكات المتقطعة بين هذه المجموعات وبين وحدات الأمن العام وقوات الجيش الجديدة التي دفعت بها الحكومة إلى الساحل بهدف فرض السيطرة بالاستعانة بفصائل مهاجرين أجانب. أطلقت الإدارة السورية عمليات أمنية مركّزة استهدفت ما وصفته بالفلول وأزلام نظام الأسد، في محاولة لإعادة بناء شبكة السيطرة العسكرية. ولكن العمليات كشفت حجم الخلل الأمني الحاصل، وراح ضحية هذه العمليات المئات من المدنيين، بحجة محاربة الفلول؛ بالإضافة إلى خلل في التنسيق بين الفصائل الهجينة والمهاجرين الذين جاؤوا نصرة لإخوانهم في عملياتهم ضد العلويين في الساحل السوري، وتشكلت مجموعات ذات الطابع الطائفي، ما جعل المشهد الأمني أكثر تعقيداً مما توقعته القيادة الجديدة.
من حزيران حتى تموز 2025، تحوّل الفراغ الأمني إلى تهديد مباشر للاستقرار مع صعود عصابات خطف وشبكات مسلحة مرتبطة بالاقتصاد الحربي. وبرزت مناطق ريف جبلة وبانياس كنقاط ساخنة لعمليات السلب والخطف، بينما شهدت اللاذقية عمليات تصفية وحروب نفوذ بين مجموعات تتنافس على السيطرة على مخازن سلاح أو طرق تهريب قديمة.
ردّ الدولة جاء عبر تكثيف الانتشار العسكري في الساحل. جرى نشر وحدات مشتركة من الأمن العام والشرطة العسكرية، وإزالة العشرات من الحواجز غير المرخصة، وسحب السلاح المتوسط من مجموعات محلية؛ مع تنفيذ محاكمات لمن قالت الحكومة إنهم مرتكبون لانتهاكات وفصائل غير منضبطة وغيرهم.
ملف الأكراد والشمال
في الشمال والشمال الشرقي، ظهرت خرائط تسليح وأمن مختلفة تماماً، لأنها مناطق لا تتحكم فيها الدولة فعلياً، بل تعدّ جزءاً من منظومة صراع دولي يضم تركيا والتحالف، والإدارة الذاتية وروسيا وأمريكا. ى تركيا أنّ اللحظة الراهنة تشكّل نافذة مثالية لإغلاق ملف التمرّد الكردي عسكرياً، خصوصاً بعد إعلان حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه ونزع السلاح، ما يتيح لأنقرة الانتقال من استراتيجية الضربات الوقائية إلى مقاربة تفكيك البنية القتالية الكردية في سوريا عبر الضغط السياسي والعسكري المتوازي. لكن أحداث الساحل ثم السويداء أعادت إنتاج هواجس لدى الفصائل الكردية بشأن مصيرها الأمني في حال سلّمت سلاحها من دون ضمانات، ما أوقف اندفاعتها نحو الاندماج الكامل في بنية الجيش السوري الجديد.
في العمق العسكري، تتعامل "قسد" مع واقع معقد؛ فمن جهة تواجه ضغطاً تركياً مستمراً عبر الطائرات المسيّرة، وعمليات القضم الحدودي، والحشود في تل رفعت ومنبج، ومن جهة أخرى تخشى أن تتحول مناطقها إلى مسرح عمليات مشابه لما جرى في السويداء في حال فقدت قوة الردع الذاتية. لذا يصرّ مظلوم عبدي على مبدأ جيش سوري واحد لكن ضمن صيغة تضمن بقاء وحدات الحماية سابقاً ضمن هياكل مندمجة لا تُفكّك فوراً، في وقت يجري فيه تجريد الملف العسكري من مؤسساته الخدمية، بما يتيح للأكراد التفاوض على وزن أمني واضح داخل الجيش المستقبلي.
اتفاق آذار/مارس ما زال قائماً، لكن تنفيذه بطيء لأن الأكراد يطالبون بضمانات تمنع أي عمليات تطهير أو انتقام مستقبلي، فيما تتعرّض دمشق لضغط مزدوج: غربي يطالب بحماية المكونات الثلاثة الكبرى، وتركي يضغط لتسريع تفكيك القوة العسكرية الكردية وإعادة هندستها داخل الجيش السوري الجديد. وتعتبر أنقرة تفكيك "قسد" عسكرياً امتداداً لانتصارها السياسي المتمثّل بإقناع أوجلان بإنهاء مشروع القتال، وتحاول اليوم استنساخ هذا النموذج عبر قنوات تواصل فتحها عبدي نفسه بهدف تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تصعيد جديد في الشمال الشرقي.
يبقى الحسم العسكري مؤجلاً، بالرغم من دخول الجيش السوري الجديد مواجهات عنيفة عبر قصف متبادل مع "قسد"، لأن الفصائل الكردية ليست كتلة واحدة، ولكل منها حسابات مختلفة حول مستقبل السلاح. فبينما تتجه أنقرة نحو تحويل الصراع من حرب مفتوحة إلى مسار سياسي مضبوط، يبحث الأكراد عن مظلة حماية تمنع انكسارهم في أي ترتيبات أمنية لاحقة. وبالتالي لن يُحسم الملف الكردي بقرار محلي فقط، بل بتوافق إقليمي ودولي تتداخل فيه أولويات تركيا، واحتياجات دمشق، وضغوط واشنطن، واحتمالات إعادة تشكيل الجيش السوري الجديد.
وضع المدن الكبرى
شهدت دمشق وحلب وحمص واللاذقية انضباطاً أمنياً أفضل خلال هذه الفترة، نتيجة إحلال الشرطة مكان الميليشيات، وتفعيل القضاء، وتقليل عدد الحواجز، وضبط السلاح الفردي. إلا أن هذا الاستقرار لم يكن نتيجة قوة الدولة؛ بل نتيجة تركيز القيادة الجديدة على حماية صورة العاصمة والمدن الكبرى بوصفها رمز الانتقال السياسي. وفي المقابل، ظلّ السكان يعيشون إحساساً مزدوجاً: ارتياح نسبي لغياب الفوضى المسلحة، وخوف عميق من أي عودة محتملة لمنطق الأجهزة السابق، خصوصاً مع استمرار العقلية الأمنية القديمة في بعض المستويات. هكذا أصبحت المدن الكبرى نموذجاً لمعادلة الأمن مقابل الحرية، حيث قبل السكان بقدر إضافي من الضبط الأمني مقابل ضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، دون أن يعني ذلك ثقتهم الكاملة بالأجهزة الجديدة.
يكشف العام بين سقوط النظام واليوم، أن سوريا ليست في مرحلة إعادة بناء؛ بل في مرحلة تشريح وتشخيص. فالدولة الجديدة لا تزال تفكك إرثاً أمنياً وعسكرياً ثقيلاً، وتتعامل مع فاعلين مسلحين أصبحوا جزءاً من بنية المجتمع، وتواجه تدخلات خارجية تعيد صياغة قواعد الاشتباك من الجنوب إلى الشرق. ولذلك، تبقى السيطرة على السلاح، وبناء عقيدة أمنية موحدة، وتحديد من يحتكر تعريف العدو والتهديد، متغيرات لم تُحسَم بعد، بل تدخل في صميم معركة بناء الدولة التي ستتواصل في السنوات اللاحقة، وقد تحدد شكل النظام السياسي والأمني لسوريا لعقد كامل مقبل.
